الأميركيون يحبّون العاصمة الفرنسية باريس. هذا ما يقال ويتردد باستمرار، الصحافي الإنجليزي-الأميركي «شارل غلاس» يثبت هذا في كتاب يزيد عدد صفحاته على 500 صفحة تحت عنوان رئيس: «أميركيون في باريس»، وعنوان فرعي يقول: «الحياة والموت في ظل الاحتلال النازي 1940-1944».

الفترة التي يدرسها المؤلف تتناظر إذاً مع سنوات الحرب العالمية الثانية التي شهدت احتلال الجيوش الألمانية «النازية» لفرنسا منذ عام 1940 وحتى تحريرها في نهاية تلك الحرب.وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أنه من أصل 30000 هناك أصر 5000 مواطن أميركي على البقاء في العاصمة الفرنسية باريس عند وصول جيش الاحتلال النازي إليها ولم يغادروها «طوعاً واختياراً». ولم يكن بعيداً عن ذهن قسم كبير منهم أنهم من مواطني دولة «محايدة» وبالتالي «ليسوا معنيين» عملياً بتلك الحرب.

ومن المعروف أن الولايات المتحدة لم تدخل تلك الحرب إلا في عام 1944 مع العملية الشهيرة للإنزال البحري الأميركي-الكندي- الإنجليزي وما مثّل «منعطفاً» حاسماً في سير العمليات العسكرية آنذاك.

لكن أولئك الأميركيين الذين ظلّوا في باريس لم يكونوا في واقع الأمر على الحياد. هذا ما يشرحه المؤلف عبر «عملية تحقيق» عما فعله «في الماضي» نفر من بينهم شخصيات مرموقة من عالم الفنانين والكتّاب والموسيقيين ورجال الأعمال ومحلقين في السفارة الأميركية بباريس.

ومن خلال هذا كله «يكشف» عن أن علاقات واتصالات على أرفع المستويات جرت آنذاك بين الرئيس الأميركي روزفلت والجنرال ديغول والمارشال بيتان. هذان الأخيران كان الأول بينهما، الجنرال، يمثّل «فرنسا الحرة» بينما كان الثاني، أي المارشال، يمثل فرنسا المتعاونة مع الاحتلال النازي.

وكانت القنوات الأساسية التي تقوم بعمليات الاتصال هي، كما يشرح المؤلف، بعض المؤسسات الأميركية المتواجدة في باريس، إلى جانب البعثة الدبلوماسية الأميركية.

وفي مقدمة تلك المؤسسات المكتبة الأميركية والمستشفى الأميركي. الأولى ؟ المكتبة- كانت تديرها السيدة «الكونتيسة كلارا لونغوورث دو شامبران». وكان زوجها «ألبير» هو الذي يتولى إدارة المستشفى. وبالتوازي مع هذه المؤسسات الرسمية كانت هناك أيضاً بعض القنوات الخاصة.

ويذكر المؤلف في هذا السياق السيدة «سيلفيا بيتش» التي كانت الناشرة الأولى لأشعار جيمس جويس، كما كانت صديقة حميمة للكاتب الأميركي الشهير ارنست همنغواي.

هذه السيدة أصرّت على عدم إغلاق أبواب المكتبة التي كانت تديرها في باريس، رغم التحذيرات العديدة التي تلقتها من عدة جهات.

بالمقابل كان المدعو «شارل بيدوكس» المليونير الأميركي ـ الفرنسي، الذي ألهم لشارلي شابلن فكرة فيلمه الكبير «الأزمنة الحديثة»، يقوم بإعداد «مشاريع جنونية» لصالح النازيين؛ لكنه كان يشارك بالوقت نفسه في «حبك مؤامرات» ضد أدولف هتلر.

وتفاصيل دوره موجودة في الفصل الذي يحمل عنوان «اعتقال شارل بيروكس». والفصل الذي يليه: «محاكمة شارل بيدوكس وانتحاره».

والعديد من صفحات هذا الكتاب مكرّسة للحديث عن «وليام كريستيان بوليت»، سفير الولايات المتحدة الأميركية أثناء الحرب العالمية الثانية لدى فرنسا.

وكان قد جرى تعيين هذا الدبلوماسي رئيساً لبلدية باريس بالإنابة في 12 يونيو- حزيران 1940، أي قبل يومين فقط من وصول القوات الألمانية للعاصمة الفرنسية.

كانت حكومة «بول رينو» الفرنسية تتأهب للهرب. وكان الدبلوماسي «بوليت» قد أمضى فترة طويلة من سنوات شبابه متنقّلًا بين البلدان الأوروبية.

وكان معروفاً عنه أنه يكنّ كرهاً شديداً بالوقت نفسه لكل من ستالين، الزعيم السوفييتي، وأدولف هتلر، الزعيم النازي.ويؤكد المؤلف أنه عند وصول القوات البرية الألمانية إلى باريس في الصباح الباكر من ذلك اليوم «14 يونيو 1940» كان في استقبالها جمع مهم من الأميركيين.

هذا بالرغم من أن السفير الأميركي كان قد نصح منذ عام 1939 «عندما نشبت الحرب» كل من ليس له «عمل ضروري» مغادرة فرنسا.

ويشير المؤلف إلى أن عدداً من الأميركيين الذين لم يغادروا كانوا يكنّون حباً لباريس وصل إلى درجة «التعلّق» بالمدينة التي ارتبطت في أذهانهم بشجاعة آلاف الفرنسيين الذين كانوا وقفوا إلى جانب الأميركيين أثناء حرب الاستقلال بعد عام 1776.

هكذا خلال أربع سنوات كاملة منذ صيف 1940 وحتى احتلال القوات الأميركية لباريس في شهر أغسطس-آب 1944 وتحريرها من النازيين، شارك آلاف الأميركيين المدينة مصيرها، تعاوناً مع الاحتلال أو مقاومة له.

ويتساءل شارل غلاس عما كان يمكن أن يفعله لو كان في ذلك الوضع: «هل كنت سأخاطر بروحي وحياة أسرتي بالنضال مع المقاومة؟ أم كنت سأنتظر بفارغ الصبر، مع الفرنسيين الآخرين، انسحاب الألمان»؟إن الكتاب هو عموماً إجابة على هذا السؤال.

وهذه هي المرّة الأولى التي يتم فيها تقديم توصيف حقيقي لحياة الأميركيين الذين رفضوا مغادرة باريس عند وصول القوات الألمانية إليها عام 1940. وهذا اعتماداً على منجم من الوثائق والأراشيف الدبلوماسية وأرشيف مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي.

وصورة لم تكن واضحة الملامح قبل هذا الكتاب للأميركيين، الذين مكثوا في باريس أثناء الحرب العالمية الثانية.

الكتاب: أميركيون في باريس

تأليف: شارل غلاس

الناشر: هاربر برس نيويورك 2009

الصفحات: 528 صفحة

القطع: المتوسط

Americans in Paris

Charles Glass

Harper Press -N.Y.2009

528P.