لم يتغير منذ أكثر من نصف قرن النظام القائم في كوبا. لقد حلّ فقط راوول كاسترو في مكان أخيه المريض فيدل. والكاتب الكوبي الأصل والأستاذ في جامعة افينيون الفرنسية «جاكوبو ماشوفير»، يقدم كتابا تحت عنوان:
«كوبا، ذكريات غرق». العنوان يوحي بوضوح عن مضمون الكتاب المناوئ للنظام القائم وحيث لا يتردد المؤلف بالقول إن الكوبيين يعانون طيلة عقود من كل أشكال التجاوزات والقمع والاعتقال وغياب القانون هذا أمام نظر وسمع المجموعة الدولية.إن جاكوبو ماشوفير، يكتب عن بلاده الأصلية، كوبا من موقع المعارض الذي يرى أن نظام الأخوين كاسترو، فيدل وأخوه، هو بطبيعته معادٍ للحرية. وهو يرى أن ذلك كان نتيجة للنهج الإيديولوجي الذي كانا قد اختاراه بالشراكة مع «رفيقهما» ارنستو تشي غيفارا الذي فضّل أن يحافظ على مكانة «المتمرّد البطل» في الغابات البوليفية.
ويشير المؤلف منذ البداية أنه سوف يقوم بهذا الكتاب بدور «الناقل» لشهادات العديد من أبناء بلاده بحيث يكون «صوتهم» المكتوب منذ عقود طويلة.
وهو يكتب: «في كوبا كل مواطن هو معارض بالكمون، وهو مرشح للهرب احتمالا». أما الحجة «التاريخية» فقد تمثّلت دائما في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية. ولا يتردد المؤلف في القول أن النظام الثوري في كوبا استخدم دائما هذه الحجة من أجل ممارسة سياساته.
وتتمثل إحدى السمات الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف بالنسبة للنظام الكوبي في «التلازم» بين الطرح الثوري وبين الممارسات القمعية. ويقول أنه منذ نصف قرن «سار القمع والثورة دائما على نفس الإيقاع».
هذا إلى جانب اتهام الولايات المتحدة الأميركية بكل الأوصاف السيئة وبأنها أصل الشرور كلها. وعلى مثل هذه الخلفية جرت كل أشكال الممارسات التي لم تأخذ باعتبارها غالبا أبسط حقوق الإنسان.
إن المادة التي يعتمد عليها مؤلف هذا الكتاب تتمثّل بالدرجة الأولى في شهادات ثلاثينات سجينا سابقا في كوبا كانوا قد أسرّوا له بها.
ويؤكد أغلبيتهم أنهم أمضوا فترة تزيد عن ثلاثة عقود في السجون الكوبية، وأنهم عانوا أثناء فترة سجنهم من كل أشكال التعذيب التي اكتسب النظام فيها خبرات كبيرة زوّدها بها الاتحاد السوفييتي السابق وغيره من «البلدان الشقيقة».
وهذا ما يشرحه المؤلف على مدى الأقسام الأربعة التي يتألف منها الكتاب والتي تحمل العناوين التالية: «السجن، مجال حر في كوبا» و«أشكال من المقاومة الجماعية لا يدري بها أحد» و«المثقفون» وأخيرا «معارضون وهامشيون: الجميع مذنبون».
ومن بين الذين يتضمّن هذا الكتاب شهاداتهم رفاق درب سابقون لفيدل كاسترو وهاربون من الملاحقة وأدباء وشعراء رفضوا الصمت والخضوع وصحفيون معارضون ونساء رفعن صوتهن احتجاجا على المظالم ومواطنون عاديون «على الشبهات».
ويضاف إلى هؤلاء جميعا فئة السجناء السياسيين الذين رفضوا «إذلال إعادة تربيتهم بواسطة العمل أو بواسطة جلسات التثقيف العقائدي».
أغلبية الذي يعطيهم المؤلف حق الكلام كانوا قد أمضوا في السجون والمعتقلات الكوبية ما بين 20 إلى 30 سنة. وعلى رأس قائمة هؤلاء الكاتب الكوبي رينالدو اريناس، والثوري منذ البداية جورج فانس، وقائد حركة التمرد «هوبير ساتوس» والمعارضة «مارتا فرايد» التي كانت أحد مساعدي فيدل كاسترو أثناء فترة نضاله ضد سلطة «باتيستا» وكثيرون غيرهم.
وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن «ذكريات الغرق» التي يستعيدها أصحاب الشهادات المقدّمة لا تلقي الضوء على الواقع الصعب الذي يعيشه الكوبيون من حيث هامش الحرية المعدوم لديهم فحسب، ولكنها تبيّن أيضا تجدد أشكال المقاومة من قبل بشر عديدين ويكاد لا يسمع بهم أحد.
المثال البارز الذي يتم تقديمه لهؤلاء هو «رامون هومبيرتو كولاس»، صاحب مبادرة «حركة المكتبات المستقلّة» الذي تجاوز رقابة النظام الصارمة على المعلومات ولم يتراجع عن مواقفه رغم إغلاق مكتبته مرّات عديدة.
«كولاس» هذا اضطر للهرب، كما يقول، عام 2001. وهو يشرح كيف أن آليات الخوف والتخويف تتم المحافظة عليها بإصرار كبير ذلك أنها تشكّل «جزءاً لا يتجزأ من إستراتيجيات الأنظمة الشمولية-التوتاليتارية».
وتجرأ «كولاس» أيضا وهو أسود البشرة- على انتقاد أسطورة غياب أي تمييز عنصري في كوبا منذ وصول النظام الثوري إلى السلطة عام 1959.
وهو يؤكد أن أغلبية الكوبيين هم من السود أو من «المهجّنين» بينما أن سليلي المستعمرين البيض هي التي تحظى بحصّة الأسد في الوظائف العليا بمختلف دوائر الدولة.
وهناك مبادرة أخرى يتم ذكرها وهي التي قام بها «بيدور كورزو» والتي أسس بموجبها، بمشاركة بعض المساجين السابقين. ما سُمي ب«معهد الذاكرة التاريخية ضد التوتاليتارية الكوبية».
وكان هذا الصحفي قد أمضى سبع سنوات في السجون بكوبا كي يكرّس كل وقته بعد خروجه للتأريخ ل«حركة المقاومة»، وهذا ما يمثل «شرف الصحافة» كما يشير أحد العناوين الأخيرة من الكتاب.
الكتاب: كوبا، ذكريات غرق
تأليف: جاكوبو ماشوفير
الناشر: بوشيه وشاستل باريس 2009
الصفحات: 251 صفحة
القطع: المتوسط
Cuba، méoires d'un naufrage
Jacobo Machover
Buchet Chastel Paris 2009
251p.

