ما هو التنوير؟ هذا هو عنوان الفصل الأول، وإجابة هذا السؤال يمكن أن نجدها متناثرة على مدى صفحات كتاب «التنوير» للمؤلفة دوريندا أوترام، وترجمة ماجد موريس إبراهيم، الصادر عن مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم ودار الفارابي.

كما أننا نجدها ملخصة في عبارة كانط القصيرة التي يعرف فيها التنوير بكونه عملية خلاص الإنسان من سذاجته التي جلبها لنفسه وذلك عن طريق استخدامه للعقل دون أن يشوه التعصب تفكيره ودون أن يوجه الآخرون هذا التفكير.. إلى جانب كانط كانت اجتهادات وأعمال زمرة من الكتاب الآخرين مثل فولتير ومونتسكيو وديدرو وداليمبرت وروسو وليسنج.

يمضي الكتاب ليوضح أن عملية التنوير لم تكن مقصورة على أوروبا فقط أو على فرنسا بالتحديد ولكنها كانت تتم على نحو مواز في أميركا، إذ تبنت الثورة الأميركية شعار الحياة والحرية والسعادة ويذكر من بين كتاب التنوير في أميركا بنيامين فرانكلين وتوماس جيفرسون.

يوضح الكتاب أن التنوير لم يكن فترة وانتهت ولكنه عملية متواصلة من إعمال العقل للإجابة عن المستجدات والإشكاليات. ويتلخص هذا في انحياز المفكر الألماني المعاصر يورغن هابرماس إلى رؤية كانط في استمرارية وتواصل التنوير.

يسهب الفصل الثاني في شرح التغيرات والتحولات الاجتماعية التي مثلت آلام المخاض التي ولد التنوير في ظلها.. تميز القرن الثامن عشر في أوروبا بعدد من الظواهر مثل:

الهجرة من الريف إلى المدينة والنمو السكاني وزيادة الإنتاج الزراعي في دول الشمال وبدايات الثورة الصناعية في كل من بريطانيا وهولندا وشمال إيطاليا.. والأهم من هذا وذاك كانت حركة الاستكشافات الجغرافية وما أعقبها من تأسيس مستعمرات في الشرق وإمبراطوريات في الغرب..

وكان الاتصال بين الشرق والغرب آنذاك ليس أحادي الاتجاه كما قد يتبادر إلى الذهن ولكنه كان اتصالا ثنائي الاتجاه يصدر الغرب على الشرق فضلاً عن المواد الخام والمحاصيل الزراعية، طرائق المعيشة البدائية ونماذج للحياة الفطرية. وكان في خضم هذا الحراك الاجتماعي في المجتمع الأوروبي أن ارتفع معدل القراءة لأنها أصبحت لازمة لمقتضيات المعيشة كما تغيرت سبل وطرق القراءة .

في بداية القرن الثامن عشر كانت المقروءة هي الكتب المقدسة والدينية والسير التقليدية ومع نهاية القرن أصبحت المادة المقروءة تشتمل على الروايات والصحف وكتب الأطفال والرحلات وكتب التاريخ الطبيعي..

وتعددت سبل القراءة والاطلاع ما بين المقاهي التي تعرض الكتب إلى المكتبات التي تقدم المشروبات الخفيفة وحضور الصالونات وإصدار سلسلة الكتب الزرقاء الرخيصة التكاليف بحيث تكون في متناول القارئ البسيط..

وظل التحدي القائم في هذه الفترة هو كيفية انتقال فكر التنوير من النخبة الثقافية إلى طبقات الشعب الدنيا من الفلاحين وصغار الحرفيين.

الدين والتنوير هذا هو موضوع الفصل الثالث من الكتاب وتتلخص نقاط التقاطع بين الاتجاه التنويري وبين الدين في ثلاث قضايا... هي .. أولاً، ظهور حركات الإصلاح الديني. ثانياً، قضية معقولية الدين أو العلاقة بين الدين والعقل، والقضية الثالثة هي قضية الدين والتسامح.. أو الدين والتعددية..

وقد كان الشغل الشاغل للمفكرين في هذا العصر هو البحث عن صيغة للتدين لا تعوق التقدم والإصلاح ولا تحول دون إعمال العقل ولا تؤدي في الوقت نفسه إلى الفوضى والكفر، كانت القضية الثالثة هي قضية التسامح بين الطوائف ومعتنقي المذاهب المختلفة .

وإن كان السعي نحو تطبيق قوانين التسامح قد قوبل في بعض الأحيان بصعوبات أو بمقاومة إلا إن الحروب الدينية التي اندلعت في أوروبا بسبب الرغبة في توحيد الكنائس تحت النظم الملكية لم تسفر إلا عن رماد وخراب وانتهت بصلح وستفاليا في 1648 الذي وضع حداً للنزاع بين الطوائف وفتح المجال للدول المختلفة أن تستوعب في حدودها أفراداً من انتماءات دينية مختلفة..

أيد جوزف الثاني جهود التسامح وسعى إليها على العكس من والدته ماريا تيريزا التي تمسكت بفكرة وحدة الملكوت (أي نبذ غير الكاثوليك من إمبراطوريتها).

وبرع في مجال إرسال دعم التسامح الديني فريدريك الثاني ملك بروسيا الذي منع الجدل في المواضيع الدينية واللاهوتية وتحمل نفقات بناء كاتدرائية كاثوليكية وكانت أغلبية رعاياه من البروتستانت.

شهد القرن الثامن عشر أيضاً جهداً فكرياً حثيثاً في موضوع علاقة التنوير والعلم، وهذا هو موضوع الفصل الرابع، في بداية القرن تكرس مفهوم أن العلوم اللاهوتية هي ملكة العلوم وكانت الخطوة الأولى، وهي الأشق، في انفصال العلم عن الدين هي الفصل بين الفلسفة وبين علم اللاهوت، ثم أتت بعد ذلك خطوة انفصال العلم الطبيعي عن الفلسفة.

كانت المؤسسات العلمية هزيلة فقيرة، وكانت حالة المشتغلين في مجال العلوم مزرية، ولم يكن بالإمكان أن يتفرغ أي شخص للعلوم والأبحاث، ومثال ذلك أن تجد فولتير الذي كتب شروحاً لنظرية نيوتن كان يتكسب في الوقت نفسه من كتابة المسرحية والشعر والقصة القصيرة ومقالات النقد السياسي.

في بداية القرن كان الدين هو الشيء الوحيد المصدق، وكل ما يطلق عليه «علم» كان مشكوكاً في صدقه، والمفارقة التي يجب توضيحها هي أن كلمة علم لم يكن لها المفهوم الذي نعرفه حالياً وإنما كانت «معلومة».

أو «أن تعرف» ولم تستعمل بالمعنى الدارج اليوم إلا في نهاية القرن التاسع عشر في فرنسا. التحدي الكبير أمام العلم في ذلك الوقت كان الانتقال من مرحلة تسجيل الملاحظة والانطباع الحسي إلى مرحلة تكوين النظرية العلمية المتكاملة.

كان على العلم أن يوفق بين مفهوم «الطبيعي» الذي هو جيد وحسن وغير اصطناعي ولم تلوثه المدنية، ومفهوم «الطبيعي» الذي هو مادة طبيعية قابلة للفحص من العقل البشري كي يستخدمه لخدمة الإنسان ويستنتج منه القوانين الرياضية.

تضمن الجهد الفكري في مجال العلم الإجابة عن سؤال: هل الإنسان في الطبيعة هو أسمى المخلوقات التي أبدعها الله، ولذا يتربع بثقة على قمة الخليقة (المفهوم اللاهوتي)؟ أما أنه كائن حي في سلسلة المملكة الحيوانية يكمل ويتكامل مع النظام الطبيعي المتسع والمتشابك( مفهوم التاريخ الطبيعي)؟

في الفصل الخامس تتناول الكاتبة العلاقة مع الآخر أو مع الغريب. فرضت هذه العلاقة نفسها فرضاً بعد عمليات الاستكشاف الجغرافي في المحيط الهادي، وما تبعها من تكوين الإمبراطوريات والمستعمرات.

كان الاحتكاك مع شعوب الباسيفيكي مثيراً للشغف في محاولة معرفة ما إذا كان الحال الذي تعيش عليه هذه الشعوب يمثل نموذجاً لما كانت عليه حياة الأوروبيين في العصور الكلاسيكية وما قبلها. وهذا ما جعل من الممكن المقاربة بين «الآخر» و«الذات»، باعتبار أن الآخر يمثل مرحلة من مراحل تطور الذات.

وبناء على هذا المفهوم كان الجدل حول مفهوم الرق..وهل يكون من الأخلاقي أن تستعبد الشعوب القوية الشعوب الضعيفة، أم أن هذه الشعوب الضعيفة الثانية يجب أن تتمتع بالحرية والمساواة.

حملت رياح التنوير الكثير مما حرك وضع المرأة في المجتمع(الفصل السادس)، وكانت الصورة السائدة في بدايات القرن، هي الصورة التقليدية للمرأة المتفرغة لرعاية زوجها وخدمة أولادها وهي الصورة التي يساندها التراث والدين، هي أيضاً الصورة التي أوضحها «روسو» في كتابه التعليمي «إميل»، من خلال وصفه لشخصية» صوفيا»، ويقول في خلاصة وصفه إن تخلى المرأة عن صورتها الرقيقة والضعيفة يجردها من أقوى أسلحتها في علاقاتها مع الرجل والمجتمع.

في الوقت نفسه ألقى على عاتق المرأة مهمة نقل القيم والأخلاق للجيل الجديد.يحمل إلينا الفصل السابع من الكتاب جملة الجدل حول العلاقة بين التنوير ونظام الحكم والعجيب أن عنوان الفصل لا يشي بالزمن لأننا لو كتبنا اليوم مقالاً نتساءل فيه عن نوع نظام الحكم.. هل هو نظام جديد أم انه محض حكومة إدارة أعمال؟

هل يستغرب أي قارئ .. أو هل يعتقد أن العنوان لا يصلح ليومنا هذا؟ أظن لا.. إن أي نظام حكم يفترض يحدد أولوياته في تحقيق مصلحه المحكومين وذلك عن طريق إدارة الاقتصاد وتحديد هوية الدولة وعلاقاتها الخارجية وعلاقة نظام الحكم بالدين.

الكتاب: التنوير

تأليف: دوريندا أوترام

ترجمة: ماجد موريس إبراهيم

دار النشر: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم ودار الفارابي

الصفحات:381 صفحة

القطع: المتوسط

خالد عزب