يبحث كتاب «ميشال فوكو.. الفرد والمجتمع»، لمؤلفه حسين موسى، والصادر عن دار التنوير، بيروت 2009، مسألة العلاقة بين الفرد والمجتمع في الفلسفة «الفوكوية». وذلك خلال مناقشته لعلاقة الفرد بكل من: الملذات، السلطة، الحقيقة وماهية العالم. ويعرج في هذا السياق على دور المجتمع في السمو بمكانة الفرد من جهة، وفي إحكام السيطرة على رغباته الجسدية من جهة ثانية.
ويبين موسى أن فوكو أصر على أن العودة إلى تاريخ العلاقة بين الفرد والمجتمع، بدأت عندما أراد المجتمع أن يصبح الفرد مجرد كيان يمتثل لأوامره وعاداته، وهذا الأمر لا يستطيع الفرد تحقيقه إلا من خلال «التحكم بالذات»، وامتلاك القدرة على توجيهها نحو غايات إنسانية. ولذلك لم يجد الإنسان أمامه سوى كبح الدوافع والشهوات، والتدرب على إماتتها والسيطرة عليها، ومع هذا أصبح يقال عن الفرد إنه متوازن أو معتدل.
الفرد والمجتمع
كما نجد برهاناً واضحاً لدى الكاتب على أن فوكو لا يخفي البعد السياسي لعلاقة التوازن بين الفرد والمجتمع، فالذي يستطيع تثقيف نفسه والسيطرة عليها إزاء الأحداث والعوارض، ليس مجرد شخص يستطيع التعامل مع الحياة بشكل مقبول اجتماعياً، بل هو قادر أيضاً على أن يسوس الآخرين، ويقودهم ويفرض سلطته عليهم.
وهذا هو سر احترام المجتمع للإنسان الفاضل، فالإنسان الفاضل لدى اليونان مثلاً، ليس الإنسان المتدين، بل الذي يستطيع أن يتصرف وفق أخلاقيات المجتمع وأدبياته. وهذا ما يفسر عدم اهتمام اليونان كثيراً بالمسائل الدينية، بحسب فوكو.
ويشرح لنا الكاتب في عرضه، أنه بخصوص نقطة علاقة الفرد مع الآخرين، يذهب فوكو إلى أن الطبيعة تحث الأفراد على الزّواج وتدفعهم إليه، لأن الكائن البشري هو كائن ثنائي بطبعه، وقد خُلق ليعيش في خلية ثنائية ضمن علاقة تتيح له أن يؤمن خلفاً له، وأن يقضي حياته مع شريك. فالطبيعة والعقل يلتقيان في الحركة التي تحث على الزواج.
ولا يختلف فن القيادة الأسرية عن فن القيادة السياسية، فإنه على الزوج أن يتحكم بذاته ودوافعه ويستطيع السيطرة على رغباته، حتى يكون سيداً للأسرة ومسيراً لشؤونها، فالتحكم بالآخرين مرتبط دائماً بالتحكم بالذات قبل كل شيء. وخير مثال على التحكم بالذات بالنسبة للأسرة، الامتناع عن إقامة علاقة جنسية خارج الزواج.احتكام الفرد إلى ذاته يحرره من شبكة الأنظمة المعرفية والسلطوية التي تسد منافذ وجوده.
حالة مرضية
ويبدي لنا موسى في تحليلات متنوعة للكاتب المذكور، أن مبدأ «اعتناء الفرد بذاته» ظهر ضمن هذا الإطار، لأن الشخص الذي يكبت الدوافع الجنسية ويسيطر عليها ويحرم نفسه منها، يحتاج إلى مجاهدة كبيرة وقدرة عالية على ضبط شهواته.
ولذلك برز تاريخياً مبدأ «الاعتدال» في إشباع الدوافع الجنسية، وتقنينها من خلال الفلسفات والأديان، بحيث غدت تلك الدوافع تشكل خطراً على هيبة الإنسان وأخلاقه ومنزلته الاجتماعية، وهنا كان لابد من عكسها وترجمتها بطريقة شرعية تقوم على الزواج.ويفرد المؤلف موسى فصلاً كاملاً لمناقشة قضية «حب الغلمان» لدى الشعوب اليونانية والرومانية والعربية، ليجد أنها كانت ظاهرة منتشرة ومعروفة، بل إن بعض الشعوب اليونانية كانت تتفاخر بها،.
كما أن إدانة الأديان لهذا السلوك الشاذ لم تؤد إلى القضاء عليه. ويدلل على أن فوكو ينظر إلى ظاهرة اللواط على أنها علاقة تخفي حالة مرضية وعجزاً رجولياً عن بلوغ الأهداف الطبيعية للبشر، فحب الغلمان، هو في جوهره، حالة عدائية للإنسان، وتشويش لنظام الطبيعة يفسح المجال أمام تصرفات عنيفة وخداعة، علاوة على كونه مضراً بأهداف الكائن البشري.
ويلاحظ فوكو أن هذا السلوك الشاذ يتراجع كلما ارتقى المجتمع في سلم الثقافة والتربية، إذ تنتج مسألة الاهتمام باختيار المربين الجيدين، تجنيب الأولاد جميع السلوكيات الشاذة وغير المقبولة اجتماعياً.
ويتابع الباحث تقليب وعرض آراء فوكو في مختلف أركان بنائية هذه القضية، فيتوقف عند وجهة نظره في الآليات السلطوية التي أنتجتها الحضارة الغربية، بغية مراقبة الفرد والسيطرة عليه نفسياً واجتماعياً واقتصادياً، لدرجة التحكم بتفكيره ومشاعره حتى، وتوجيه حياته بشكل كامل بالتالي، ليصبح الفرد اليوم، في عالم ما بعد الحداثة، «منزوع التاريخ» و«ميتاً مجازياً».
وهذا تجلى في تهميش الفرد لمصلحة المؤسسات الكبرى وجعله مجرد سلعة أو شيء يدخل كرقم إلى معادلات الاقتصاد، خاصة أن الإنسان تحول إلى مجرد «آلة» تدار وتوجه من قبل النظام الاستهلاكي العالمي، ما أدى إلى بروز «الإنسان ذي البعد الواحد»، بحسب رأي ماركيوز.
عودة إلى الذات
ويصل الكاتب مع مساقات بحث فوكو إلى خلاصة واضحة تفيد بأن الفرد أضحى راهناً، محكوماً بسلسلة لامتناهية من السلطات المحيطة به وبشكل دائم، سلطة الدولة والاقتصاد والشركات والأخلاق والدين والأعراف الاجتماعية.
وأما عملية التحرر من مختلف تلك السلطات، فلا تتم إلا عندما يخضع القوة من أجل امتلاكها لذاته، وانطلاقاً من الذات نفسها، ما يعني أن على الفرد جعل إرادته وإمكاناته قوة تؤسس الحقيقة، عبر طي الخارج عنه كي لا يصبح داخلاً فيه.
ويسوق موسى في معرض برهنة وإيجاد الحلول، عدة استشهادات من آراء فوكو تشدد على ضرورة عودة الفرد إلى ذاته والاحتكام إليها، ومقاومة كل السلطات الخارجية التي تحاول أن تسيطر على وجوده ومصيره، لأنه بذلك فقط يتحرر من شبكيات الأنظمة المعرفية والسلطوية التي تسد منافذ وجوده، وعندها نصل إلى الفرد بوصفه قيمة بحد ذاته.
الكتاب: ميشال فوكو الفرد والمجتمع
تأليف: حسين موسى
الناشر: دار التنوير بيروت 2009
الصفحات: 159 صفحة
القطع: المتوسط
رشيد الحاج صالح
