عكست لنا نصوص العصر الإسلامي الوسيط صورة للآخر بأشكال متنوعة، سواء في قالب رحلات أو مدونات جغرافية أو أشعار. وتظهر هذه الصورة المتخيل العربي الأوروبي في حضارته، ونمط عيشه، وتأثيرات مناخه في ثقافته، ما جعلها تقدم بوضوح، موقف العرب والمسلمين الحضاري والإنساني من الآخر.

يتناول كتاب النصوص العربية الكبرى في أوروبا، للكاتب والباحث السوري شمس الدين الكيلاني، الصادر عن وزارة الثقافة ؟ دمشق 2009، هذه القضية بتوسع وأسلوب تشويق وبحث ممنهجين، حيث اختار الكيلاني مع قالبهما، نماذج نصوص «تأسيسية» من ثلاث مراحل: مرحلة ما قبل الحروب الصليبية، وإبانها، وبعدها. كما نجده ينتقل في هذا السياق إلى مستوى آخر يلج معه بنية تلك النصوص في ذروة النهضة الأوروبية، ويبين خلالها الكاتب أن هذه النصوص تصدرت وتموضعت في تكوين المدخل المرجعي للمعرفة العربية حول أوروبا.

والذي يتمركز في دائرة الإسلام ومفاهيمه، لتتوضع بمثابة المعيار الأساس في خصوص هذه النظرة وذلك الفهم، وطبعاً إلى جانب معايير جغرافية ومناخية (دور الفلك والنجوم والرطوبة والحرارة على طبائع البشر)، وأخرى ثقافية وعمرانية.

نماذج الانفتاح

ويخصص الكيلاني مستهل محاور بحثه في هذه المسألة، للتعمق بإبداعات ونصوص معروفة، فيوضح أن الجاحظ يشير إلى الصين التي برعت في الصناعات، واليونان في الحكم والآداب، وآل ساسان في الملك، والأتراك في الحرب..، ويستمر الكاتب في استعراض هذه النماذج، ليبحر بنا في عالم فكر ابن الفقيه في هذا المجال.

حيث إنه يذكر في كتاب (مختصر كتاب البلدان)، أنّ لكل أمة ما يميزها (فالروم قد خصها الله عز وجلّ من العلوم والآداب والفلسفة والأحكام والهندسة والحذق بالأبنية والمصانع والقلاع.. وفي بلادهم الميعة والمصطكى ).

ويتدخل الكاتب مع هذه المحطة، ليطرح قضية علمية نفسية في نظم فكر المجتمعات، مفادها أنه طالما كان تشكل فكرة الجماعة والأمة مركزاً لهذه التجربة، من غير استبعاد للآخر، فآيات القرآن الكريم تعترف بالآخر، بمعنى أن الثقافة الإسلامية تعترف بالاجتماع الإنساني:

(ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) النحل: 93، (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) الروم: 22، وهنا يؤكد الكاتب الكيلاني أن الذمي بموجب عهد الذمة، يصبح مواطناً في دار الإسلام، وذلك طبقاً لمنطوق الحديث الشريف:

(لهم ما لنا، وعليهم ما علينا)، وهي - من وجهة نظره -، معايير تتقدم بأشواط على معايير الإغريق والرومان، الذين أطلقوا على الأغيار اسم البرابرة، وحتى إنهم عندما وصفوا أقواماً بالوحشية، قصدوا بها مفهوماً يقابل العمران، لا كما نفهم نحن من هذه الصفة حالياً.

شهادات وبراهين

وينطلق الكيلاني إثرها، في حجج وبراهين تأكيداً على أن هذه النصوص كانت مفاتيح التعارف، وأهم هذه المفاتيح هي السفارات:(سفارة يحيى الغزال، الذي بعثه عبدالرحمن بن الحكم أمير قرطبة إلى القسطنطينية، وسفارة إبراهيم بن يعقوب إلى الإمبراطور اوتو)، وأيضاً شهادات الجاسوسية: (سيد الغازي الذي دسّه هارون الرشيد على الروم مدة عشرين سنة)، علاوة على الأسرى:(رحلة الأسير لدى بيزنطة مسلم الجرمي إلى بلاد البرغر «البلغار».

والتي حفظها قدامة بن جعفر والإدريسي والنويري والغرناطي، والأسير هارون بن يحيى في بلاد الروم)، وكذلك الرحلات الاستكشافية: (رحلة سلام الترجمان إلى سد يأجوج ومأجوج)، والأخرى الدينية: (رحلة عبادة بن الصامت والهروي ومحمد بن موسى).

ويركز الكاتب بعدها على شرح وعرض أهم هذه النصوص، التي تتجسد - برأيه- في المقتطف السابع من موسوعة ابن رسته، ذات الأجزاء السبعة:(كتاب الأعلاق النفيسة)، كونه يجمل فيها صورة لشرق أوروبا ولمدينة روما (رومية)، على لسان الأسير هارون بن يحيى، وسيرة الأسير الجرمي، حيث إنه لولا أسرهما، لما حظينا بهذه الصورة النفسية من تلك الحقبة .

كما يقول ـ ويتابع في هذا الصدد ليسوق مقتطفاً من كتاب ابن خردذابه (المسالك والممالك)، يعرض صورة لبيزنطة، ومقتطفاً من رسالة ابن المغامر فضلان، تدور حوادثها في بلاد الصقالبة (السلاف وروسيا)، قبل دخول المسيحية إليها، ولبلاد الشمال الاسكندينافية.

ونصوصاً للمسعودي من كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر)، يعرف فيها حول الصقالبة في شرق أوروبا، وبلاد الفرنجة (فرنسا وما حولها)، وفقرات من (كتاب التنبيه والإشارة)عن اليونان والإنجاز الإغريقي، وكتابات لأبي الحسن الهروي من (كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات)، تروي مشاهدات هذا الكاتب في قبرص والقسطنطينية فترة الحروب الصليبية.

كما يقتبس المؤلف الكيلاني في كتابه، نصوصاً لابن دحية أبو الخطاب، عمر بن حسن، تقص أسفار الغزال إلى بلاد النورماند في القرن الرابع الهجري، ومقاطع من كتاب أبو عبيد البكري (المسالك والممالك)، يثبت فيها انطباعات الرحالة السفير إبراهيم الطرطوشي عن بلاد الإمبراطور اوتو الأول في بلاد الصقالبة، والسلاف والألمان في القرن العاشر الميلادي.

الإدريسي وابن خلدون

ولا يفوت الكيلاني في مباحث كتابه، أن يغني استشهاداته وبراهينه، بجماليات توثيق شيق ورد في كتاب (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) للإدريسي، ومجاله أوروبا الشمالية الواقعة، حسب تقسيماته، في الإقليم الخامس والسادس والسابع.

ويعرج الكاتب في استمرارية هذا الخيار البحثي الاستدلالي، على مجموعة من النصوص لأدباء وكتاب بارزين في الموروث الحضاري العربي والإسلامي، فيقتضب اقتباسات من (كتاب الجغرافيا) في أوروبا، لابن سعيد المغربي، صاحب الأسبقية والتفرد في افتراض وجود الإقليم المعمور في أقصى الشمال البارد، وكذلك من (كتاب الاعتبار) لأسامة بن منقذ، أمير «سيجر» في عهد الزنكي، حوت انطباعاته وصداقاته وحروبه مع الصليبيين ومجالات إعجابه بهم وسخرياته من طبهم وحكمهم.

هذا إضافة إلى عدد من النصوص من مؤلفات أخرى لكتاب مشهورين، مثل ابن جبير في رحلته إلى بلاد الشام في العهد الصليبي، وابن خلدون في مقدمته الشهيرة.

الكتاب: النصوص العربية الكبرى في أوروبا

الكاتب: شمس الدين الكيلاني

الناشر: وزارة الثقافة دمشق 2009

الصفحات: 279 صفحة

القطع : المتوسط

أحمد عمر