يبحث الكاتب الأردني محمد فيصل يغان، في كتابه «وحدة العقل البشري»، الصادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، 2010، في بنية العقل الكوني وتشكلاته وفق أسلوب عرض وتناول نقدي، يستند فيه إلى رؤيته وتشريحه الخاصين حول بنية العقل العربي.
وهو يقترب في هذا المجال من كتاب كثر سبقوه في الحديث عن هذه القضية، لكنه يعمد إلى التقيد برؤى فريدة، يسجل معها طابع خصوصية وتمايز في الوقت نفسه، إذ يصر على كون النقد يوجه فقط إلى منتجات العقل. وإلى المعرفة تحديدا، كونها قائمة على نماذج تأتي من الفكر والتجربة، وتخضع للتعديل من خلالهما، أي أنَّها تاريخية بامتياز وخاضعة لظروف الزمان والمكان. كما يبين في المقابل، أنَّ مفهوم العقل حدسيا ويوحي بالاستقلالية عن المحيط، وهو شديد الذاتية ومكون رئيس لمفهوم هوية وإنسانية الإنسان.
وتشمل محاور كتاب يغان، عدة نقاط وحيثيات متشابكة في هذا الشأن، حيث يلفت إلى أن من نتائج النقد، التصنيف والتمييز، الأمر الذي يعني اشتراط وجود عقل ناضج وآخر بدائي، عقل متطور وآخر متخلف، وإلى ما هناك من تصنيفات ممكنة.
موضحا أن جانب وباب الخطورة يكمن هنا تحديدا، فهذه الصفات سرعان ما تدخل في تعريف (أنواع من البشر)، فتحل وترسخ معها معالم التخلف والبدائية وغيرها من النعوت، مثل العقل، أو بالأحرى بدلا منه، لتتموضع حدودا دائمة وأصيلة، ويخلص الكاتب في استنتاجه من هذه المسلمة، إلى أن تمرير منتج العقل على أنَّه العقل، ومن ثم تناسي العقل المكوِّن وإبعاده عن الصورة، يقود بالضرورة إلى أنْ يصبح تصنيف البشر على أساس شكل ونوع العقل ممكنا.
ويرتبط هذا العرض، برأي يغان، بنمط من التفكير قائم على أحد النماذج التي أنتجها العقل البشري في مرحلة تاريخية معينة، وهو في هذا الكتاب يخضع هذا النموذج للنقد، ويسجل مأخذه، ليقترح نموذجا مختلفا، يتأتى انطلاقا من الفهم القائم على حقيقة أنَّ العقل البشري، في تعامله مع الواقع المحيط به، يسعى إلى النظام.
ويبحث عنه في خضم التعدد والتنوع القائم في الواقع إلى درجة الفوضى، فإدارة محيطه والتحكم فيه تتطلب فهم العلاقات والقوانين التي تحكم تفاعل أجزاء هذا المحيط فيما بينها، كي يتمكن من إدارتها وتطويعها لصالحه، ويعني النظام هنا وضع الظواهر والأحداث في نسق مكاني وزماني (نموذج)، يسهل على العقل البشري استنباط القوانين المسيرة للعناصر المشكلة لهذا النسق، وبالتالي التنبّؤ في مستقبلها والتحكم فيه.
فالعقل البشري ومن مبدأ الاقتصاد في الجهد، يرى في محاولة استنباط قوانين خاصة لكل ظاهرة أو حدث على حدة، عبثية ومضيعة للوقت والجهد، فإمّا أن تتسق الأحداث في مجاميع وأنساق، وإمَّا أنْ تبقى خارج دائرة البحث العقلي.
تبدو آلية تشكيل المفاهيم التي يتطرق إليها متن هذا الكتاب، متركزة على أن العقل يقوم ببناء نماذج مثالية قياسية، تسمح له باستنباط القوانين العامة بأكبر درجة من العمومية والدقة الممكنة، ومن ثم تطبيق هذه القوانين على الظواهر والأحداث الفردية.
وأقرب الأمثلة إلينا من العلوم الدقيقة هي النماذج الهندسية المثالية التي استنبطها العقل البشري، بمثابة اتساق في المكان، من ملاحظاته للتنوع والتعدد الهائل في الظواهر المحيطة به، فكان المثلث المثالي، الذي سمح للعقل باستنباط العلاقات المعروفة بين أجزائه من زوايا وأضلاع. وكذلك الدائرة الكاملة وقوانينها.
ويؤكد الكاتب في فصول ومحاور بحثه اللاحقة، أن هذه الحقيقة العلمية التجريبية، لا تتوقف مع كينونة هذه الآلية العقلية، عند خلق النماذج المثالية للعلوم الدقيقة، بل تتعداها إلى العلوم الإنسانية.ويرى في هذا الخصوص أنَّ النموذج الأقدم.
والذي لا يزال حاضرا في الأذهان بدرجة كبيرة، هو النموذج العرفاني، أو ما يمكن تسميته بنموذج المركز المضيء المتشكل بفعل المماثلة مع المصباح الذي يبدد الظلمات، فبأشعته ينقلنا من الظلمات إلى النور، وعمليا فإن العقول البشرية دائما مماثلة للحوامات الليلية الطيارة، فمنها ما يقترب من المصدر ليشع ضياء.
ومنها ما يتحد معه ويحترق بوهجه، ومنها ما يبعد عنه فيلفه الظلام، وبناء على واقع وحقيقة هذا النموذج يخلص يغان إلى مجموعة استنتاجات، قاعدتها المبدئية، أنه من طبيعة النور، ينبع الاستعداد الطبيعي لدى المتلقي لأنَّ يعكس هذا النور، ومن ثم إلى المجاهدات المطلوبة للتقرب والاقتراب من مصدر النور.
ويدلل على سطوع هذا البرهان من خلال حيثية معمقة، مفادها أنه لا تزال لغتنا زاخرة بالمصطلحات الملازمة لهذا النموذج، لتعكس شاهدا واضحا على مدى تغلغل هذا النموذج في فكرنا، مثل:العلم نور، المدينة الفلانية كانت مركز إشعاع فكري، وإلى آخر هذه المصطلحات.
الكتاب: وحدة العقل البشري
تأليف: محمد فيصل يغان
الناشر: دار فضاءات للنشر والتوزيع عمان2010
الصفحات:280 صفحة
القطع: المتوسط
محمد الحمامصي

