يتضمن كتاب نصوص الثقافة العربية الوسيطة في الهند والصين، للباحث شمس الدين الكيلاني، والصادر عن اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2009، جملة من النصوص العربية المكتوبة عن الهند والصين في العصر الوسيط، حيث ينتقي المؤلف مختارات من كتب الأدب والمقابسات.

، ومن الأدب الجغرافي، والتأليف التاريخي، وأدب الرحلات، والمدونات الموسوعية والمعجمية، ومصنفات العجيب، بهدف تعريف وتنوير القارئ العربي بالنصوص الرئيسية، التي كتبها العرب في العصر الوسيط حول بلاد الهند والصين، وليذكر أيضا بقيمة وجودة مصادر المعرفة العربية وكتاباتها في الهند والصين، ضمن شتى فروع المعرفة.ويلفت الكيلاني إلى أن الهند والصين دخلتا في مجال التأليف العربي، منذ ظهور هذا التأليف، في عصر التدوين، القرنين الثاني والثالث الهجريين، والذي يعتبر عصر انبثاق التأليف العلمي والأدبي العربي.

ويعتبر ابن قتيبة أبو أحمد عبدالله بن مسلم الدينوري النيسابوري 276هـ 883 م من أوائل مدشني التأليف في هذا النوع من كتب الأدب، تبعه ابن عبد ربه، وأبو عمر شهاب الدين أحمد بن حمد 246ه- 1459م، وانفتح هؤلاء جميعا على ثقافتي الهند والصين والثقافات الأخرى.

ودوّن النيسابوري في كتابه عن الهند، أقوال حكمائها وحكماء الصين والترك، والعجم والعرب، واليونانيين والروم.وأورد عشرات الحكم الهندية، مثل: لا ظفر لبغي، ولا صحة مع نهم، وغيرها الكثير.

ويعمد الكاتب في هذا الشأن إلى التوسع في تفصيل مقارنات علمية، فيشرح أن الأبشيهي تميز عن زملائه من أصحاب المقابسات بأنه كان يضع القرآن والحديث على رأس قائمة مراجعه، ومن بين هؤلاء أيضا، كان أبو الحسن بن أبي ذر يوسف العمري النيسابوري 381ه، صاحب «مناقب الإسلام».

وهو من مارس التعددية الثقافية في إطار الحضارة العربية الإسلامية، دون تحزب لموروث ثقافي معين، كما أنه نوّه، أن أهم الأمم، أو الأجيال البشرية، هم الصينيون والهنود، والترك، والحبش، والبربر، والقبط، والروم والعجم والعرب.

واقتدى تلميذه مسكوية 421ه- 1030م المعاصر لأبي حيان التوحيدي، بهذا المسلك الثقافي نفسه، فكان كالعامري في اعترافه، بأن لكل أمة نصيبها من الحكمة والأدب، وهو أمرٌ ميّز المقابسات التي تنطوي على نوع من «الليبرالية الثقافية»، فكتابه «الحكمة الخالدة» يجمع فيه حزمة واحدة، حِكَم الهنود والصينيين وحكم الروم، وحكم العرب، وحكم ملوك الفرس وملوك الهند. ولخّص ابن الفقيه وجهة النظر العربية الإسلامية النسبية تلك على تأملاتهم للهند والصين.

وبالمقابل يشير الكيلاني، إلى أن الجغرافية قدمت، منذ القرن الثالث الهجري، التصورات العامة للعرب المسلمين ومعارفهم عن الآخر، وخاصة شعوب الصين والهند، ولخصت هذه الجغرافية معارف العرب، ومتخيلهم عن الصين والهند، والشعوب الأخرى، وامتزجت في بوتقتها جميع أصول الثقافة العربية.

وقد سيطر على منهجياتها، في ذلك الوقت، اتجاه جسّدته الجغرافية الرياضية الفلكية، وهذا ظهر في نقطة التقاء القرنين الثامن والتاسع الميلادي، نتيجة تأثر المؤلفين العرب بالعلوم الهندية والفارسية أولاً، ثم بالترجمات عن اليونانية، لاسيما مؤثرات شخصية بطلميوس بمصنفاتها الجغرافية الفلكية.

ويخلص الكيلاني إلى حقيقة ثابتة في هذا الصدد، مفادها أن الرحالة العرب صوروا الصينيين والهنود في تنوع أوضاعهم، كما ساعدت الرحلة على إنضاج الدراسات العربية.

ويتطرق الكيلاني إلى المدونة الثقافية العربية في العصر الوسيط، حيث يجدها تظهر ما تختزنه الذاكرة من صور مُتخيلة عن الصين والهند والعالم وعن الحضارات وأممها، التي شاركت العرب والمسلمين في بناء الأرض والعيش فيها، وقدمت فيها صفات وملامح الآخر، وأصدرت في حقه أحكاماً، وحملت مزيجاً من الأفكار والمشاعر والمواقف والدلالات الرمزية، والمعايير،.

وانعكست على صعيد الممارسة على شكل تدخلات واحتكاكات وتنافس واقتباس، وامتزج فيها الموقف الديني، بحدود معرفتها لنفسها وللآخر وبمصالحها التاريخية، وتأثرت بمدى انفتاحها على الآخر في الداخل والخارج، وبطبيعة العلاقات حرباً وسلماً، والتي ربطتها بالجوار الأقربين والأبعدين.

وتبين النصوص التي جمعها المؤلف في هذا الكتاب كثافة الصلات المعرفية والثقافية، والتأثيرات المتبادلة ما بين العرب والهند والصين، وجيرانهما في البحر والبر، إذ تمثلوها في ثقافتهم في العصر الوسيط، بما تتضمنه من معارف عن حال تلك الحضارات، ومن أنماط السلوك الثقافي لسكانها.

الكتاب: نصوص الثقافة العربية الوسيطة في الهند والصين

تأليف: شمس الدين الكيلاني

الناشر: اتحاد الكتاب العرب دمشق 2009

الصفحات: 470 صفحة

القطع: الكبير

عمر كوش