تنبع أهمية كتاب «الدولة الفلسطينية..رؤية مستقبلية»، لمجموعة من الكتاب العرب، بإشراف السيد يسين.
والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2009،، من كونه يعالج موضوع «قيام الدولة الفلسطينية»، وفق رؤية علمية، متسلحا بمنهج مدروس ومحكم، يختص في دراسة إنشاء الكيانات الدولية الصغيرة، إضافة إلى تركيز محاوره على وجهة نقاش مغاير يبتعد عن تناول فكرة قبول أو رفض الدولة (الفلسطينية)، لينصب على توضيح وعرض المقومات السياسية والاقتصادية لها.ويتطرق الكتاب في مواضيع بحثه، إلى جوانب شاملة ومعمقة في هذه القضية، يستهلها بمدخل مركز ودقيق، يبين أن القضية الفلسطينية لم تعد عمليا قضية لاجئين، كما أرادت إسرائيل، بل هي قضية شعب احتلت أرضه، ويسعى لاسترداد حقوقه.
وانطلاقا من هذه الحيثية، يلفت الكتاب إلى أن هذا الأساس هو ما يبرر تضمين العنوان فقرة».. رؤية مستقبلية»، ثم يتحول هذا التقديم إلى الإفصاح عن دقائق إشكالية دراسة الكتاب، ملخصا إياها بسؤال محوري: ترى ما هي المقومات السياسية والاقتصادية لقيام تلك الدولة؟
يحتوى الكتاب على أربع دراسات، تختص دراستان منها بفكرة الدولة الفلسطينية وتطورها في بنية مضمون الفكر السياسي العربي والإسرائيلي، ودراستان أخريان تسبران ماهية الإمكانية السياسية والاقتصادية لقيام الدولة.
يجمل الفصل الأول في الكتاب، اتجاهات فكرة الدولة الفلسطينية في الفكر السياسي العربي، ليختصرها في ثلاثة اتجاهات حصرية، وذلك في مقالة بقلم محمد السعيد إبراهيم، بعنوان «فلسطين هي جوهر ولب القضية العربية، ومستقبل التطور مستقبلا»، حيث يرى إبراهيم أن الاتجاه الأول لا يعترف بالدولة، إلا على كامل أرض فلسطين.
وبشأن الاتجاه الثاني، الذي لقي- حسب الكاتب-بعض المؤيدين والمعارضين معا، فيتمثل في قيام الدولة الفلسطينية على جزء من أرض فلسطين (الدولة المرحلية) ويخلص إبراهيم إلى تعريف الاتجاه الثالث، بأنه ذاك المتركز على قيام الدولة الدائمة الفلسطينية على جزء من أرض فلسطين، أي تقسيم الأرض على دولتين (فلسطينية ويهودية).
وهو لا يعني الاعتراف بمقولات اليهود وادعاءاتهم كما يقول ـ لكن يجسد الحل العملي والسياسي المتاح، نظرا لسياسة الأمر الواقع وقهر القوى الدولية.ويشير الكاتب أن هذا الاتجاه يلقى تأييدا عربيا وفلسطينيا الآن، أكثر من أي وقت مضى.
يعنى الفصل الثاني في الكتاب «الفكر الإسرائيلي وقضية الدولة الفلسطينية»، بقلم السيد زهرة، بالتعرف على حيثيات وإشكاليات فكرة الدولة الفلسطينية، في موشور مواقف الأحزاب والقوى السياسية في إسرائيل، وأبرزها حزب «حيروت»، المصر على أن الضفة والقطاع جزء من أرض إسرائيل.
وكل من حركة «داش» و«حزب العمل»، المتمسكين بموقف دائم، يستبعد وجود نية للاعتراف بدولة بين إسرائيل والأردن(فلسطين)، ومن ثم حزب «المابام» الرافض بشكل قطعي لوجود الدولة الفلسطينية، حيث طرح فكرة الحل من خلال «الأردن»، وليس من خلال الفلسطينيين، وأخيرا قبول الحزب الشيوعي لفكرة الدولة الفلسطينية.
ويبحث الفصل الثالث من الكتاب في «إمكانية قيام دولة فلسطين، البعد الاقتصادي»، بقلم «إبراهيم متولي»، ويفسر متولي أن الاقتصاد في القطاع ، يتسم بالتشتت والتجزئة، وفقدان الشخصية الفلسطينية، جراء نقص الموارد الطبيعية.
وتأثير القوى الاقتصادية الأهم، ونقص رؤوس الأموال الاستثمارية، علاوة على نقص العمالة الفنية اللازمة، إلا أن الباحث، يجزم، ورغم تأثير جميع تلك العوامل، أن الخطوة الأولى، تقتضي ضرورة توفر شرط الاستقلال والسيادة الكاملة، لتحقيق الدولة الفلسطينية المتمتعة باقتصاد قادر على تقديم هوية وواجهه فلسطينية خاصة لأبنائها وللعالم.
ويختار الكاتب وحيد عبد المجيد منهج التحليل والتفكيك المعمقين في بحثه المكون للفصل السادس في الكتاب، بعنوان «الدولة الفلسطينية: السيناريوهات السياسية»، فنجده يحصر المراحل الزمنية ليعكسها في ضوء الأفكار المكونة، فيفيد مع هذه العملية بان فكرة الدولة مرت بمراحل متنوعة، منذ عام 1947م حتى 1967م، إذ لم تكن هناك فكرة الدولة الفلسطينية موجودة، سواء لدى العرب أو الفلسطينيين، ما يبرر شيوع فكرة الوحدة العربية، وإقامة دولة عربية واحدة.
وفي معرض تفصيله بهذا الخصوص، يسجل ويحلل عبد المجيد تلك الفترات والمراحل، فيشير إلى أن الفترة من 67 حتى 1973م (مرحلة السيناريوهات الغائمة)، هي فترة صراع حربي مباشر اختزنت احتمالات قيام حرب جديدة غير محددة النتائج.
وهو ما أفرز ثلاثة سيناريوهات، سيناريو الدولة الديمقراطية الفلسطينية (الدولة على كامل أرض فلسطين التاريخية)، على أن تستبعد تقسيم المواطنين حسب الديانة، وهي غلبت فكرة العلمانية، وهذا ما تحفظ عليه البعض، خوفا من أن تفقد القضية الفلسطينية تأييد القوى الإسلامية.
والسيناريو الثاني هو الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية (الدولة على جزء من أرض فلسطين التاريخية)، ومن قبله في إسرائيل، اشترط أن لا تشكل الدولة الوليدة أي خطر على إسرائيل، وثالثا سيناريو الدولة الفيدرالية، أو ثنائية القومية، وهو لم يعد مطروحا الآن.
ومن ثم يوضح الكاتب ان فترة الحرب التالية لحرب1973م، تميزت ببروز فكرة «السلطة» الفلسطينية كصيغة أولى، تحافظ على مكتسبات ما بعد الحرب.إلا أنه يشدد على عدم وجود أي محاولة لطرح سيناريوهات جديدة، توضح كيفية قيام الدولة الفلسطينية، أشار هنا إلى مشروع سيناريو طرحه وليد خالدي، في عدد يوليو من مجلة «مورين افيرز» عام 1978م، وهو جهد فردى .
الكتاب: الدولة الفلسطينية رؤية مستقبلية
تأليف: مجموعة كتاب
الإشراف: السيد يسين
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2009
الصفحات: 182 صفحة
القطع: المتوسط
السيد نجم

