أجرت مجلة «بروجريسف» الثقافية الأميركية المتخصصة هذا الحوار مع الروائية الأميركية ذات الأصول الألمانية ـ الأميركية الأصلية لويز إريدريك التي اشتهرت بانتمائها لتيار الواقعية القذرة في الأدب الأميركي، حيث بادرت إلى الإعراب عن اعتقادها بأن الإنجليزية هي اللغة الكولونيالية المطلقة التي ابتلعت في مسيرتها العديد من ثقافات العالم.

وأشارت إلى أن حبها للغة يضرب جذوره في نشأتها بعيداً عن مشاهدة التلفزيون وقالت إن روايتها الثالثة عشرة الصادرة، أخيراً، بعنوان «تجاذب الظل»، شأن رواياتها الأخيرة، تركز على قضايا الهوية بتعقيداتها العديدة وشددت على أن طموحها أن يتاح لها الوقت والمجال للمزيد من التأمل في هذه القضايا بصفة خاصة، وفيما يلي نص الحوار:

هل لك في الحديث عن عملية الكتابة كما تمارسينها؟

أحمل كراسات صغيرة معي عندما أتنزه، وأحتفظ بكراسات حول الأحداث الغريبة التي أسمع بها. ويحدثني أبي بأنه اعتاد تجميع القصص الغريبة التي تدور حول السطو على المصارف، ولدي الكثير من قصاصات البحث التاريخي أيضاً، بعضها من تاريخ عائلي، والكثير من تاريخ محلي.

وأنا أحب متاحف التاريخ المحلي، وأحب الانطلاق بالسيارة إلى نورث داكوتا. وأنا أحب حقاً أن أكون موجودة هناك في انتظار العمل الذي يفرض نفسه علي، حيث أمضي إلى غرفتي الصغيرة وأجلس، ما أجمل أن تتاح لك حرية الجلوس في مقعدك وألا تعرف من أين سيأتي أي شيء. وأحسب أن ذلك بمثابة مغامرة كبيرة في حياتي الآن، ألا أعرف من أين ستأتي الرواية.

إلى جوار الرواية والقصة والشعر هل انخرطت في أي قوالب أخرى للكتابة؟

ليس بصورة حقيقية، ولست أعتقد أنني سأكتب في أي قالب آخر، مثل الكتابة للمسرح، فأنا غير درامية على الإطلاق على ذلك النحو، ولم أنشأ بأي إحساس نحو المسرح، الدراما. وليس بمقدوري إنجازه أبداً.

ولست مهتمة بالكتابة للشاشة أيضاً، فقصصي منغمسة بعمق في أفكاري، ولم أشهدها أبداً بصورة نشطة وهي تتحول إلى مشاهد، وقد نشأت بلا تلفزيون، حيث حرص والداي على ذلك، وأعتقد أن حبي للغة يضرب جذوره إلى حد كبير في ذلك، وقد أحببت شكسبير حقاً خلال دراستي بالمرحلة الثانوية، وتركت «الملك لير» تأثيراً قوياً علي، وكانت على الدوام النص الأساسي بالنسبة لي، وأحببت على الدوام كتابات فلانري أوكونور وجي. اي باورز. وأنا أحب توني موريسون وفيليب روث.

بعد إصدار روايتك الثالثة عشرة، أخيراً، بعنوان «تجاذب الظل» ما هو طموحك الآن؟

كل ما أريده هو تعميق فهمي للأشياء التي لم أتفهم إلا ظاهرها، وعلى سبيل المثال الصوفية عند فيليه أو جيبوي الأميركية الأصلية التي أنتمي إليها، وقد تفهمت الحياة السياسية بطريقة محدودة فحسب.

وقد تفهمت أي شيء كتبت عنه عند هذا السطح فقط، فقد تمتعت دوما بما هو عادل ومألوف، ولكنني لم أدرس حقاً بمزيد من الدأب والجد، ولم أكن دارسة جيدة لكل شيء حولي، وأعتقد أنني كنت أعيش بإيقاع سريع للغاية، ولكن المرء يفعل ذلك عندما يكون لديه العديد من الأبناء، وأنا أتطلع إلى القيام بالمزيد من التأمل، وأحتاج إلى التطلع إلى الوراء ورؤية كل شيء على نحو ما حدث.

في أعمالك الصادرة أخيراً تبرز قضايا الهوية بشكل أكبر؟

أعتقد أن هناك الكثير من التركيز على الهوية الأميركية الأصلية في كتابي «دواء الحب» و«مسارات» ولكن الآن يتعلق الأمر بالهوية بمعنى أنها تشمل العائلة، النوع، الهوية الجنسية وكل نوع من أنواع الطرق التي نصنف بها أنفسنا أو نحاول الوصول إلى جذورنا. إنه السؤال المتعلق ب«من أنا؟»، وهو أمر يفوق كثيرا من نكون بالمعنى الاجتماعي. وهو سؤال ديني في نهاية المطاف. ونحن جميعا نعرف كيف نصنف أنفسنا.

والسؤال الحقيقي يصل إلى ما إذا كنا مخلوقات مباركة أم كتلة من الخلايا المتباينة. هذا هو السؤال المطلق المتعلق بالهوية. ومن المستحيل ألا نحاول طرحه.

وأنت بحاجة إلى إجابة شخصية عنه. إنك بحاجة إلى نوع من الطمأنينة. وأنا على الأقل أواصل الكفاح لمنح نفسي نوعاً ما من الطمأنينة، حتى وإن كانت طمأنينة سلبية.

ما هو شعورك فيما يتعلق باللغة الإنجليزية؟

الإنجليزية هي بصفة خاصة اللغة الكولونيالية المطلقة، وقد ابتلعت العديد من الثقافات، وهي بمثابة كيان لغوي كلي، وتعد هوية قيمة للكاتب، والأمر محزن على نحو من الأنحاء، لكن الإنجليزية هوية هائلة، وأصولها وامتدادها متعلقان بموت اللغات والثقافات الأخرى، لكنها اللغة المتاحة لك فحسب، والمرء يتمنى ألا تكون الحال على هذا النحو بالنسبة لشخص ينتمي إلى قبيلة أوجيبوي الأميركية الأصلية.

تعلم لغة الأوجيبوي هو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لك، وهذه اللغة تثري أعمالك. ما هي مخاوفك فيما يتعلق بهذه اللغة التي يجري تدريسها خارج السياق وبعيداً عن العالم الذي يتمحور حول القبيلة؟

أعتقد أنها مشكلة كبرى. فالحياة الحقيقية، الدم، وقلب اللغة، كل ذلك يكمن في تفاعلات الحياة اليومية بين الناس، إنه يكمن في كل شيء تقوله لأبنائك ويردون به عليك. إذن فكيف نسترد لغة الأوجيبوي إذا كان يجري تعليمها في الصفوف الدراسية فحسب؟

وإذا لم يجر تعليمها في الدار منذ البداية ذاتها فهل تغدو لغة حقيقية أم ممارسة أكاديمية؟ أتراها تمنحنا بعض بريق كون المرء من قبيلة أوجيبوي ولكنها ليس لها معنى؟

لربما تسمح للناس بالصلاة بلغة الأوجيبوي. فهل تصح مثل اللاتينية في الكنيسة أو لغة الغال في أيرلندا؟ إن الناس لا يتحدثون الأيرلندية أو الغالية غالبا في الشوارع، ومع ذلك يجري تدريسهما في المدارس، لأن اللغة جزء قوي من الهوية الوطنية، ولكنها ليست حية بالطريقة التي نريد بها للغة الأوجيبوي أن تكون حية.

هل ستقام كل مراسمنا الاحتفالية بلغة الأوجيبوي؟ هل هذه هي اللغة اللاتينية التي نحن بسبيلنا إلى تعلمها؟ إنها مشكلة كبرى. ووالد ابني هو متحدث رائع بلغة الأوجيبوي، وليس بمقدوري فهمه. بوسعي فهم القليل هنا وهناك مما يقوله، وهذا يمنحني ذلك الشعور الهائل والموجع بما نفقده.

والطريقة التي أعتقد أننا يمكننا إنجاز الأمر بها إذا تمتعنا جميعا بالانضباط هي أن ننشئ أوكاراً لغوية تضم أناساً قالوا منذ البداية «سأحدث طفلي بلغة الأوجيبوي وأعلمها له» وعندئذ سيكون لدينا جيل من الأطفال الذين يتحدثون لغة الأوجيبوي. ولكن هل سيحدث هذا؟ هل يمكن أن يحدث؟

أعتقد أن هناك بعض الأمل. هناك الكثير من كبار السن الذين يدركون أنه ليس هناك أطفال يجيئون إليهم متحدثين بلغة الأوجيبوي. وهذه خسارة هائلة، فأنت لا يمكن أن تعلم رؤية للعالم. ولكنني أعتقد أنه إذا كانت لديك مدارس لغرس اللغة تجمع معاً كبار السن والعائلات المكرسة للغة، فإن هذا يساعد كثيراً.

يبدو أنك قانعة بعالمك. هل تظنين أنه سيكون بمقدورك البقاء حيث أنت؟

ليس ذلك بمقدور أحد. وأن أخشى ألا أكون في وضعية متوازنة، فالألم حتمي في هذه الحالة، وإذا كنت محظوظاً فحسب، فإن بمقدورك أن تحظى بفترات لا تكون فيها في فترة فقدان ويغلب عليك الشعور بالقهر. وأنا أود البقاء حيث أنا، وأحاول ذلك بمزيد من الجهد، أحاول البقاء على هذا الوضع.

وحيث إنه من الحتمي أن تتعامل مع الألم في الحياة، فإنك بحاجة إلى أن يكون لديك الكثير من الروتين اليومي. وقد حاولت أن أكون هادئة تماماً في ما يتعلق بالمضي في العمل، وأنا أحب ما يجري في المكتبة الصغيرة التي أمتلكها، فهي تستغرق الكثير من وقتي وطاقتي ومالي، وهي لا تغطي مصاريفها، وأنا أشعر بالقلق عليها كثيراً، ونواصل الصراع، ولكن السرور الذي تمنحه لنا من خلال حضور الناس إلى هذا المكان والحديث عن الكتب والاهتمام بها هو أمر مرضٍ تماماً.

منى مدكور