بين أول فيلم أرجنتيني حاصل على أول جائزة أوسكار عام 1984 والذي جاء تحت عنوان «القصة الرسمية» وآخر فيلم أرجنتيني حاصل على هذه الجائزة المرموقة عام 2010 والذي يحمل عنوان «سر عينيك»، ثمة قصة تروى.

شكلت السينما الأرجنتينية واحدة من أهم ثلاث تجارب سينمائية في أميركا اللاتينية إلى جانب التجربتين المكسيكية والبرازيلية. فلقد تحول الإنتاج السينمائي الأرجنتيني على طول القرن العشرين إلى أحد الانتاجات السينمائية الرئيسية باللغة الاسبانية في العالم مدعوماً من الدولة وبقائمة طويلة من المخرجين والممثلين اللامعين. بدايات السينما في الأرجنتين بعد عام على ظهور الفن السينمائي في العالم، شهد مسرح «أوديون» في بيونس أيريس في 18 يوليو 1896 أول عرض سينمائي في البلاد، كما تم عرض الأفلام القصيرة الأولى للأخوين لومير .

والتي كانت قد عرضت قبل سنة واحدة من ذلك التاريخ في العاصمة الفرنسية باريس علماً أن تلك العروض لم تكن تشكل حتى تلك اللحظة أكثر من وسيلة للهو والنشاط التجاري.الأفلام الوطنية الأولى في عام 1897، أخرج الفرنسي إيجينيو بي الفيلم الوثائقي «العلم الأرجنتيني»، الذي يقوم على رؤية وثائقية للعلم الأرجنتيني وهو يرفرف في ساحة «بلازا دي مايو»، التي تتوسط العاصمة الأرجنتينية.ويمكن اعتبار هذا الفيلم الوثائقي أول عمل سينمائي وطني أرجنتيني وتبعه «رحلة إلى بيونس أيريس» في عام 1900 و«مجلة المنتخب الأرجنتيني» في عام 1901، ما دفع إلى ظهور أول دور العرض السينمائية في بيونس ايريس.

خلال السنوات الأولى من القرن العشرين، واصل عدة مبدعين أرجنتينيين اختبار إمكانيات الوسيلة الإعلامية الجديدة وقاموا بإعداد نشرات إخبارية وأفلام وثائقية، فلقد صور إيجينيو كارديني «مشاهد من الشارع» في عام 1901 بينما أخرج ماريو غايو «إعدام دوريغو» عام 1908، الذي يعتبر أول فيلم فيه حبكة درامية يظهر في الأرجنتين.

التاريخ والأدب الوطنيان زودا السينما الأرجنتينية وهي في مهدها بمواد رئيسية، فكان فيلم «نبل أميركي جنوبي»، الذي ظهر عام، 1915 على يد أومبرتو كايو وإدواردو مارتينيز دي لا بيرا وإرنستو غونشي والمستوحى من رواية «مارتن فييرو» لخوسيه هيرنانديز. لكن أول فيلم طويل كان «أماليا» الذي ظهر عام 1914 والمأخوذ عن رواية لخوسيه مارمول.

أما عام 1917، فلقد شهد ظهور فيلم «الرسول»، الذي يعد أول فيلم طويل للصور المتحركة في تاريخ السينما ويقوم على هجاء للرئيس الأرجنتيني آنذاك هيبوليتو يريغوين. في تلك السنة نفسها مثل كارلوس غارديل في السينما في فيلم «أزهار الخوخ» من إخراج فرانسيسكو دفيلبيس نوفوا.

وصول السينما الناطقة

كان لدخول الصوت على خط التجربة السينمائية الأرجنتينية تأثير كبير على الجمهور، وأول فيلم ناطق ظهر هناك كان في عام 1931 وحل اسم «دمى من بويرتو» من إخراج خوسيه فريرا وهو أول فيلم ناطق يعتمد على نظام الصوت «فيتافون»، لكن في عام 1998، اكتشف الصحافي والباحث المعروف فيديريكو فايي أول فيلم سياسي أرجنتيني بعنوان «في سبيل أرجنتين عظيمة وعادلة ومتمدنة»، 1931.

ويتكلم فيه ليساندرو دي لا توري، ماريو برافو، خوليو نوبلي وآخرون، وهو فيلم ظل الأرجنتينيون يجهلون وجوده حتى تاريخ اكتشافه على يد الباحث المذكور. ومع حلول عام 1930 وصل نظام «موفي تون» .

وهو أول نظام يعمل من خلاله الصوت والصورة في آن واحد، كما ظهر في تلك السنة الاستوديوهات السينمائية الأولى في البلاد ومن ثم وصل نظام الصورة الصوتية الذي ابتكره ليدي فورست ويدعى «فونو فيلم» والذي مكن من تسجيل العديد من الأدوار الموسيقية التي أداها كارلوس جارديل على طريقة الفيديو كليب الحالي.

ويمكن القول إن صناعة السينما في الأرجنتين استهلت مسيرتها عملياً مع وصول نظام الصورة الصوتية إلى البلاد ذلك أن الصوت ساعد على ظهور الراديو وساهم في تطور صناعة الاسطوانات ومسرح المجلات.

وهي مؤسسات راحت تساهم في ظهور ممثلين يعرفهم الناس وبلغت أهمية تقنية الصوت حدودها القصوى حين فرضت على الممثلين الغناء رغم عدم استعدادهم لذلك، وهكذا يمكن اعتبار أن تقنية الصوت مهمة في السينما الأرجنتينية إلى أبعد الحدود لما لعبته من دور كبير في هذه الصناعة بينما لم تتمكن السينما الصامتة من الوصول إلى جمهور عريض في البلاد.

أول فيلمين صوتيين (بدون أقراص) عرضا كانا فيلم «تانغو»، 1933، من إخراج لويس خوسيه بارث ومن إنتاج شركة «أرجنتينا صونو فيلم «وتبعهما أفلام ناجحة أخرى في تلك الحقبة مثل «روح الباندونيوم»، 1935،.

و«سجناء الأرض»، 1939، و«فتاة على متن الطائرة»، 1936، وفيلم «العودة إلى العش»، 1938، تلك الأفلام سجلت لحظة نضج السينما الأرجنتينية في الثلاثينات التي برز خلالها نجوم كبار مثل ليبرتاد لامالركي، تيتا ميرييو، بيبي آرياس، لويس ساندريني ونيني مارشال.

نظام «موفي تون» كسب الكثير من الأموال بالنسبة لشركات الإنتاج التي راحت تنتشر على نطاق واسع كما راح يتشكل جمهور عريض بفضل تقنية الصوت في تلك الحقبة وبالتالي فإن الصوت شكل ولا يزال مرادفاً للسوق حول السينما إلى منتج للاستهلاك الشعبي.

فما كان يباع في هذه الحقبة الأولى كان منتجاً معروفاً، لكن يمكن التمتع به في عتمة الصالة السينمائية حيث نشأت علاقة قربى بين الصوت والمغنين والراقصين والفرق الموسيقية الشعبية يمكن للمتلقي ان يتمتع بها مقابل قروش معدودة ثمن بطاقة الدخول.

السينما الكلاسيكية

اعتباراً من عام 1940 دخلت السينما الأرجنتينية في أزمة طويلة مفرداتها المنافسة التجارية للسينما الأميركية وسيطرة السينما المكسيكية التي كانت تمر بعصرها الذهبي آنذاك .

وكانت تسيطر على السوق في البلدان التي تتحدث اللغة الإسبانية.

بعض الأفلام المهمة التي ظهرت في تلك الحقبة جاءت تحت عناوين مثل «قصة ليلى»، 1941، و«السيدة العفريتة»، 1945، وكليهما من إخراج لويس ساسلافسكي.

كما ظهر فيلم «غاوتشه»، 1942، و«مالامبو»؟ 1945، للمخرج لوكس ديماري وهوغو فريغونيسي، «كرة من القماش»، 1948، و«جريمة اوريمي»، 1950، للمخرج ليوبولدو توريس ريوس وأخيراً فيلم «المياه تنزل عكرة»، 1952، للمخرج هوغو ديل كارير كما لمع في عالم الشهرة في تلك الحقبة نجم الشقيقتان التوأمان الممثلتان ميرثا ليغران وسيلفيا ليغران.

السينما الأرجنتينية الجديدة الأولى

منذ عام 1957 تمكن جيل جديد من المخرجين من جمع المهارة التقنية مع جماليات مصقولة مثيرة للإعجاب، ما سمح للسينما الأرجنتينية بالمشاركة في مهرجانات عالمية مهمة.

ليوبوردو توري نيلسون، فرناندو أياله، ديفيد خوسيه كوهون، سيمون فيلدمان وفرناندو سولانس كانوا أبطال هذا التجديد في السينما الأرجنتينية في سيتينات القرن الماضي.

الحالة الاستثنائية كانت حالة هوغو سانتياغو، مبدع الفيلم الثقافي «غزو وآخرون»، الذي هاجر إلى فرنسا بصورة نهائية، لكن في وقت لاحق تمكن مخرجون آخرون من اتقان أسلوبه الفني السينمائي، مثلما برز آخرون في ميدان سينما الأطفال، لكن لعل أبرز ما قدمته السينما الأرجنتينية الجديدة في مرحلتها تلك إنما يتمثل في فيلم «القصة الرسمية»، 1984، والذي يتناول موضوع سرقة الأطفال أيام الديكتاتورية الأرجنتينية وهو أول فيلم أرجنتيني يفوز بجائزة أوسكار.

السينما الأرجنتينية في مرحلة ما بعد الديكتاتورية

في ثمانينات القرن الماضي تمكن مبدعون سينمائيون مثل ماريا لويسا بمبيرغ مع فيلم «كاميليا»، 1984، بينو سولاناس مع «منفى غارديل»، لويس بوينزو مع فيلم «القصة الرسمية» وادولفو أريستارين مع فيلم «زمن الانتقام، مكان في العالم»، من جذب انتباه جماهير جديدة.

السينما الأرجنتينية الجديدة الثانية

في تسعينات القرن الماضي، نشأ تيار جديد عرف باسم «السينما الأرجنتينية الجديدة»، التي تميزت بالطابع المستقل للمشتغلين في الشأن السينمائي وبتغيير ملحوظ في الرؤية والوجهة.

رائد هذه الحركة هو مارتن ريجتمان، الذي أخرج عام 1991 فيمله الأول «مسروق»، وهناك فيلم آخر يستحق التأمل من ناحية الإخراج هو «خطيئة رقيقة»، 1994، للمخرج ستيبان سابير.

إلا انه كان يتعين على هؤلاء المخرجين الانتظار حتى عام 1998 حتى تحقق أعمالهم انتشاراً واسع النطاق، وأول فيلم في هذا التيار الذي كان له صدى جماهيري حقيقي هو فيلم «بيتزا، بيرا، فاسو» لبرونو ستاغنارو وإسرائيل أدريان كايتانو ويليه «عالم غروا»، 1999، لبابلو ترابيرو وأفلام أخرى سارت على درب ذلك الخط من الأفلام ذات النبرة والشخصيات الحقيقية في ظل ميزانيات وممثلين غير معروفين.

منذ البدايات وحتى يومنا هذا عرض حوالي ألفين و500 فيلم أرجنتيني مع ملاحظة أن عامي 2004 و2005 كانا أبرز عامين في هذا الميدان إذ تم فيهما عرض 66 و63 فيلماً على التوالي.

أما في عام 2009، فلقد عرض فيلم «سر عينيك» الذي فاز بجائزة أوسكار عن فئة أفضل فيلم غير ناطق باللغة الانجليزية، مؤخراً، وهو من إخراج خوسيه كامبانيا ومقتبس عن رواية «سؤال عينيك» للكاتب إدواردو ساشيري .

ومن تمثيل ريكاردو دارين، سوليداد فياميل، جييرمو فرانسيا وقائمة طويلة من الممثلين، والذي شاهده أكثر من مليوني متفرج، ما جعله الفيلم الأرجنتيني الأكثر رواجاً في تاريخ السينما الأرجنتينية كله متجاوزاً بذلك «نازارينو كروز والذئب» لليوناردو فافيو، الذي عرض عام 1970.

السينما الأرجنتينية المستقلة

يعرض ألبيرتو فيشرمان عمله الأول «ملائكة ساقطين»، الذي يعتبر عملاً تجريبياً بعناصر معروفة في ثقافة الـ «بوب»، وهو يعرض بصفته نموذجاً لما يعرف باسم «سينما- مشاركة» أو الفيلم المفتوح من منظور السينمائي الإيطالي أمبيرتو ايكو الخاص بالعمل المفتوح.

في عام 2002، عرض هيرنان أندرادي وفكتور كروز في صالة تغص بالناس في إطار مهرجان بيوينس أيريس الرابع للسينما المستقلة فيلمهما الوثائقي «ليلة الكاميرات المستيقظة» المأخوذ عن نص متجانس لبياتريز سارلو يدور حول أعمال الرقابة والمنع التي جرت تحديداً في مطلع السبعينات والتي مورست على أعمال ما سمي آنذاك «جماعة الخمسة».

وسط هذا التجربة السينمائية يتكثف خط تاريخي مشوش وكثيف في آن عرف باسم «السينما الأرجنتينية المستقلة».

قصة الفيلم سر عينيك

ظل بنيامين إسبيستو يعمل طوال حياته مستخدماً في محكمة جنائية. تقاعد للتو من عمله ومن أجل شغل أوقات فراغه يقرر كتابة رواية، لكنه لا يفكر في تأليف قصة متخيلة.

فهو لا يحتاجها، ذلك أن جعبة ماضيه الخاص مليئة بالحكايات التي يبرز من بينها جميعاً حكاية الموظف القضائي، حكاية حقيقية مؤثرة ومأساوية كان شاهدها المحظوظ. يمضي عام 1974 ومحكمته توكل له مهمة التحقيق في حالة اغتصاب امرأة وقتلها. إسبيستو يذهب إلى مسرح الجريمة ويصبح شاهداً على انتهاك حرمة تلك الفتاة والعنف الذي تعرضت له.

يتعرف على ريكاردو موراليس، الذي كان قد تزوج منها قبل الحادثة بوقت قصير ويحبها بكل جوارحه. إسبيستو يحاول مساعدته على إيجاد الفاعل.

يقول مخرج «سر عينيك»

«دفعنا في الأرجنتين باتجاه نمو نوع من السينما تقوم على القصة السينمائية، سينما لا تتوقف عند حدود الشكل، سينما تضع نصب عينيها هدفاً مغايراً للهدف الحسي الذي يعطي الأولوية للأحاسيس على حساب القصة.

وهذا الجانب قد ينظر إليه بما يكفي في عالم هوليوود، الذي منحني جائزة أوسكار ولا أعرف لماذا فزت بها. فأنا أعتقد أن المستوى السينمائي قد ارتفعت سويته في جميع الأرجاء ما عدا في هوليوود، حيث المنافسة في هذا الميدان هائلة».

باسل أبو حمدة