(نستطيع أن نقول ونحن أمام هذه الأعمال الكبيرة التي يصل عددها إلى ستة آلاف لوحة انه ليس من لوحتين متشابهتين. ومع ذلك فإن جميع هذه الأعمال مشمولة بوحدة خارقة) بهذه الكلمات يلخص (بريون) تجربة الفنان المعروف (بول كلي) مؤكداً على وحدة عجيبة تتسم بها أعماله الفنيّة رغم تنوعها. فمن هذا الفنان؟ ومن أين جاءت هذه الوحدة الخارقة في أعماله رغم تنوعها؟ والمرتبطة به دون غيره؟
مارس بول كلي في البداية فن الحفر وتعلق به. وبعد سفر قصير إلى باريس استقر في ميونيخ وتزوج فيها. ومن ثم بدأ يتعرف شيئاً فشيئاً على أجواء المدينة الفنيّة. فالتقى الفنانين (فاسيلي كاندينسكي) و(فرانز مارك) و(جان آرب) وغيرهم كما انضم إلى جماعة الفارس الأزرق التي كانت تدعو إلى فن جديد يختلف عن التكعيبيّة، وبعيد عن (الفوتوغرافيّة) أو الواقعيّة الحرفيّة الجامدة، كما تأثر بأعمال (فان كوخ، وهنري ماتيس، وبول سيزان، إضافة إلى معاصريه أمثال: أوغست ماك، وفرانز مارك، وفاسيلي كاندينسكي). عام 1912 سافر إلى باريس واحتك بفن (دي لانيه) والجمركي (هنري روسو) و(بابلو بيكاسو) و(جورج براك). بعد عام من العمل المثمر، طلبه المهندس المعماري (غروبيوس) للانضمام إلى مدرسة (الباوهاوس) أي (بيت المعمار) التي كانت قد أسست قبل عامين من وصوله وهي حصيلة دمج مدرستي (مدينة فايمر) في ألمانيا.
هذه المدرسة التي كانت تدعو إلى تطوير وإغناء الحذاقة الفنيّة، وإذكاء روح البحث وتأكيد العلاقة القائمة بين الفنون التشكيليّة والعمارة والفنون التطبيقيّة أو الحرف بشكل عام وضرورة تزاوجها.
في الباوهاوس قام كلي وكاندينسكي بالتعليم إلى جانب عدد آخر من أعلام الفن التشكيلي الألماني آنذاك، ضمن الخط الذي انتهجته هذه المدرسة، القائم على أبجدية العمارة ومذاهب فنية أخرى كالرسم على الزجاج الذي كان (كلي نفسه يُدرسه) والحفر والطباعة بواسطة المعدن .
وكان يدرسه الفنان (موهلي ناجي) وفن السيراميك وكان يُدرسه (غيرهارد ماركس) والطباعة على القماش وكان يُدرسها (جورج موش) وفن الطباعة عموماً وكان يُدرسها (ليونيل فينغر) و(غيرهارد ماركس) ومن الذين انضموا إلى هذه المدرسة أيضاً: أوسكار شليمر، كارل هوفير، ماكس بكمان.
كانت (الباوهاس) مستعمرة صناعيّة أيضاً أو ما يشبه البيت الجماعي توحّد أعضاءه الأخوّة والفن وتعمل على إكساب مجالات الحياة اليوميّة معنيً وظيفياً وفنياً معاً، غير أن بدايات النازيّة والفاشيّة استطاعت أن تشوه هذه المهمة تحت تأثير ردة الفعل الهتلريّة.
كان (بول كلي) مسكوناً بحنين غريب إلى الشرق العربي وبشكل خاص إلى المغرب العربي الذي أطلق عليه اسم (الجنوب) وكما قال ابنه (فيليكس كلي): (لقد كان أبي يستجيب بعمق إلى نداء الجنوب).. هذا النداء كان دائم الحضور والإلحاح على الفنان الذي سرعان ما لباه بزيارته إلى تونس عام 1914 مع عدد من الفنانين.
في تونس وفي (الفن العربي الإسلامي) وجد (كلي) وحدة أعماله الخارقة كما وجد أشياء أخرى تجسّدت في عبارته (سأتوقف عن التصوير الآن، لقد نفذت هذه الأشياء إلى أعماق روحي بكل وداعة، إنني أشعر بالامتلاء.
وهذا ما يزيدني ثقة وطمأنينة وليس علي أن أُجهد نفسي الآن، إن الألوان تتهافت عليَّ ولم يعد حاجة للبحث عنها وستبقى في أعماقي إلى الأبد، هذا هو معنى اللحظات المباركة: أنا واللون لا نُشكّل إلا واحداً... إنني مصور)!!.
ففي تونس شرد (كلي) في الحارات والأزقة المسكونة بالدهشة والألفة والحنان، تسلق أبراج الضوء في النهار، وبحذر العاشق وخفته، امتطى عرائش العطر الليلي في بيوت تونس، سكن الشبابيك والدرابزونات، رصد حركة الأقمار في الشرفات المغسولة بالوعود والانتظار الذي لا يمل، تسرب تحت جلد الموسيقى الطالعة من الصحراء العربيّة كخزامى المقالع.
وما استطاع تفسير هذا السحر الغامض الخفي، ففاضت نفسه بهذا الاعتراف: (علي الآن أن أكون متأنياً إذا أردت أن أفعل ما أريد، إن هذا الليل سيبقى في أعماقي إلى الأبد)!!.
عاد (كلي) إلى تونس أكثر من مرة، وما أدرك كنه هذا السحر الشرقي الغامض الكامن في الفن العربي الإسلامي، أشعل مجامر الحنين، حمل أشواقه، وتطلع إلى مصر، ليُجابَه من جديد، بسحر بلاد الشمس والفن المفعم بالشاعرية والغموض والجمال. توزع قلب كلى بين مصر وتونس، وأطلق على هذا الركن العربي الجديد اسم (الشمال).
كبرت حيرة (كلي) اشتعلت عواطفه وتوزعت، انقسم قلبه إلى قمرين، قمر الجنوب وقمر الشمال وما اكتشف السر.
يقول (بعيدة تلك البلاد... بعيدة جداً، ومع ذلك فقد كانت جد واضحة.
إنها قصة من ألف ليلة وليلة، إنها ليلة تقبع في أعماقي إلى الأبد، كثيراً ما كان ظهور القمر الشمالي الأشقر يذكرني بها، بصوت خافت وكأنه صورة باهتة تنعكس على مرآة، لقد أوضحت هذه الليلة عروسي، أناي الأخرى، ذلك أنني... أنا قمر الجنوب، في اللحظة التي يبزغ فيها)!!.
عام 1928 هجر (كلي) مدرسة (الباوهاوس) وعام 1930 عُيّن مدرساً في أكاديميّة (دسلدورف) بعد أن أقام عدة معارض كثيرة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، غير أن (كلي) و(كوشنر، وفينغر، وكوكوشكا) وغيرهم من الفنانين الذين كانوا يُقيمون هناك ما لبثوا أن أُعتبروا شيئاً فشيئاً من الفنانين المشوهين، وهذا ما دفع (كلي) للإقامة في (برن) غير أن هذا لم يمنعه من المشاركة عام 1937 في معرض (ميونيخ).
ظل هذا الفنان يرسم ويصوّر عشقه القديم الجديد الذي وجده في تونس ومصر، تغلغل في عمق الحياة العربيّة وحضارة إنسانها، وخرج بنوع من الشعور الإنساني النقي سرعان ما سكبه في أسلوب فني هو مزيج من الواقعية الشديدة الوضوح والخيال المفعم بالشاعريّة، وبقدر ما كان هذا الشعور مثيراً كان محيراً!!.
عام 1937 زار كلي المريض كلٌ من (بيكاسو) و(براك) ولم يكونا يعرفانه إلا من خلال أعماله. وفي 29 يونيو 1940 توفي هذا العملاق في (مورالت) قرب (لوكارنو) في سويسرا، تاركاً شاهدة جديرة بشاعر كتب فوقها عن لسانه: (إنني غير محسوس في عالم الوضوح أسكن بين الأموات والكائنات التي لم تولد بعد أقرب ما أكون إلى مركز الابداع مما هو في العادة، ولكن ليس كما أرغب على الإطلاق).
يصعب تصنيف تجربة الفنان بول كلي في اتجاه فني محدد، فهي ليست تجريديّة، ولا تشخيصيّة، تماماً كما هو الأمر بالنسبة لرفيقه ومجايله (فاسيلي كاندينسكي)، ذلك لأن كلي اختط لنفسه أسلوباً فريداً ارتبط باسمه، وامتلك مقومات وخصائص التفرد، إن لناحية الشكل، أو المعالجة، أو الأسلوب، أو لناحية الآفاق الرحبة الواسعة التي ارتادها، والفنون التي تأثر بها.
ومنها الفن الإسلامي، والفن الشعبي العربي، ما جعل من فنه، اختزالاً لفنون عالميّة عديدة، تفاعلت فيما بينها، متماهية بموهبته، وقدراته التقانيّة، وثقافته البصريّة والنظريّة التي مدت الجسور بقوة، إلى تراث الشعوب والأمم، بكثير من الحب والإعجاب والوعي، وفي نفس الوقت، مدتها، وبنفس القوة، إلى الحِراك الفني التشكيلي المعاصر الذي عاش كلي مراحل تحولاته وانعطافاته الكبرى والهامة.
وكان أحد الأقطاب الرئيسة في الفن الحديث، ما جعله يترك بصمته الخاصة فيه وبقوة، بحيث لا يمكن الحديث عن الفنون الحديثة والمعاصرة والتحولات الكبرى فيها، دون التعريج عليه، والوقوف المطوّل عند تجربته الفنيّة المتميزة والمتشعبة، ما جعل المؤرخين يطلقون عليه لقب (موزار الجديد)!!
د. محمود شاهين

