قد يكون الحديث عن الغضب لدى أمير البسمة والسخرية وخفة الظل، الكاتب السوري حسيب كيالي، أمراً غريباً، إلا أن حسيباً- ولو ارتفعت حواجب القراء من الدهشة- كان غاضباً..، غاضباً بامتياز، ولغضبه خصوصية ومشروعية.

إننا- كما أرى- لا نستطيع فهمَ طابعه الساخر المائل إلى الحدَّة بين حين وآخر إلا بفهم غضبه، ولا نستطيع فهمَ غضبه إلا بفهم دوافع هذا الغضب، وهي عديدة، تلتقي جميعها حول محور واحد هو شعوره الفادح بحدة التخلف وطول استمراريته.

إن أشواكاً كثيرة ودبابيسَ ومسامير تنغرز في أجساد الناس وأرواحهم، لكنهم لا يصرخون!، كأنما سُحبتْ منهم الجملةُ العصبية!، أو كأن جملة الأعصاب تلك اخترعتْ حالةً من البلادة لتتكيف مع الظروف المريرة القاهرة،.

وكان عليه- بالكتابة- أن يحاول إعادةَ الحياةَ إلى تلك الأعصاب الميتة أو المتماوتة، من خلال أسلوب يجمع بين الوخز الذكي والإضحاك.

أدب هادف

نشأ حسيب في بيئة، مفاهيمها أصغر من عقله بكثير، لكنه لم يتعالَ عليها، إنما فتح لها قلبه وحواسه. أدرك أننا لا يجوز أن نحاسب البسطاءَ على تخلفهم، بل علينا أن ننظر إلى مُكوِّنات التربة التي حملتْ إليهم الاصفرارَ والجهلَ والنقائصَ ونومَ الفاعليات.

لذا كان الغضب لدى رائد السخرية حبيسَ صدره في أوقات عدة، وأبدله، بطريقة عبقرية، ابتساماً وخفةَ ظل، شأنه شأن الأم نحو أطفالها، تُظهر المرحَ واللين، ولو كان الموسى في حلقها، فهي تبتلعه على الحدين!، هذه الحالة نلمسها في غالبية نصوصه ذات الطابع الاجتماعي.

وعلى الرغم من أنه لم يكن مؤدلَجاً في أدبه، ولم يعلن عن أهداف كبيرة له، بقيت مراميه غير صغيرة ولا عابرة.

إنه ينتمي أصلاً إلى جيل من الكتَّاب، جعلتهم فترةُ الخمسينات من القرن الماضي يعتقدون بأن الكتابة تتمتع بمزايا الزلزال، وبإمكانها أن تفعل الشيءَ الكثير.

قال مراراً: إنه لم يعد من هؤلاء، وإنه يكتب عن الحياة وللحياة، غير أنَّ قوله هذا ممتلئ بالتوهج والحرارة، ويجعل من كتاباته أدباً منحازاً إلى الناس وقضاياهم الصغيرة والكبيرة، دون شعارات طنانة رنانة.اهتمامه بالمهمَلين والبسطاء، نابع من المحبة أولاً، ومن قناعته أن تغيير الشجرة يبدأ من جذورها، ومن الذي تحت التراب.

عينا الأدب الجريء

أما كتاباته السياسية، فكان الغضب فيها قريباً من السطح، وهي تنضح بالجرأة والمواجهة، وقال فيه أحد المتابعين لأعماله ذات يوم:«كان حسيب عندما يكتب ينسى الرقابة والرقيب، وكأنه يعيش في بلد أوروبي، أو كأنه لا بد له من أن يقول ما في صدره ولو وضع نفسه في مهبِّ النقمة والمساءلة».

تعرَّض بالنقد لنواب في البرلمان، مثل (طالب العبيان)، وحتى لمن هم أعلى من درجة نائب بكثير، كما انتقد أوضاعاً حساسة في هذه المؤسسة أو تلك، ولم يجد حرجاً في توجيه دبابيسه إلى الأحزاب نفسها، ومنها حزب اليسار الذي كان هو نفسه من أعضائه الأوائل، ثم هجرَهُ، فألَّف في بعض رجاله المنحرفين، قصة طويلة، عنوانها: (الأشكال).

عيناه كانتا تريان النورَ في مكان، والسوادَ في آخر، وما بينهما من حاجز، وحاول دفعَ ذلك الحاجز، أو التخفيفَ من سماكته، طوال مدة عقوده السبعة التي عاشها.

قلتُ في البداية: إن الغضب لديه يحوز خصوصية، وأعني أنه لم يكن حمقاً ولا طيشاً، لكنه حالة انفعالية مدجَّجة بالوعي، وحدَّةٌ في الموقف من مجتمع يمشي مشيَ السلحفاة، ويستكين للرطوبة والعفونة.

وقلت: إنَّ لغضبه مشروعية، ومشروعيته نابعة من رغبته في الأفضل والأجمل لكل الناس بدءاً من حامل ألواح الثلج(1) إلى حلاق الحارة إلى النائب النائم على كرسي البرلمان، الذي يجب أن يكون في عينيه أكثر من صحو، وفي رأسه أكثر من وعي.

حسيب والإمارات

في القسم الأخير من حياته لم تهادنه الدنيا رغم شغفه بها، بل حملتْ إليه صدمتين قاسيتين: الأولى أنه اضطر إلى ترك الوطن الذي عاش فيه، مبتعداً بنفسه عن سماسرة الثقافة ونجَّاريها وحداديها، ففي الثمانينات من القرن العشرين، بدا أن كثيراً من المثقفين العرب بردتْ نارهم.

وتحوَّلتْ مشروعاتهم الثقافية إلى مشروعات مالية، فصار القاص يكتب مع القصة شعراً ومسرحاً وأعمالاً إذاعية وتلفزيونية بالعشرات كلَّ سنة، وكأن العمل الأدبي صار أسهلَ من طبخ الشوربا وسلق البيض!

الصدمة الثانية: أن حصان التطور العربي أخذ يراوح في مكانه، بل تبيَّنَ أنه ليس حصاناً، ولا حماراً حتى. إنه مجرد حمحمة سرعان ما تلاشتْ دون أن تثمر نقلةً حقيقية نحو الأمام، بينما معظم دول العالم تتقدم وفق متواليات عجيبة خارقة!، وكأن جهود المفكرين والأدباء العرب ماءٌ سُفح على البلاط!.

أمام هذا كلِّه زادت النار في صدر حسيب كيالي، وغضبه ارتفع أشباراً فوق أشبار، ولو تأملنا ما كتبه في هذه الفترة، وجدنا قسماً واسعاً منه يغلب عليه أسلوب الهجاء الساخط أكثر من أسلوب السخرية الفنية.

أمضى حسيب في دولة الإمارات قرابة خمسة عشر عاماً ودُفن فيها، أحب أهلَ الثقافة فيها وأحبوه، مع أنه لم يكن يسكت عن أي عيب يراه فيهم. والظاهر أنهم قَبلوا منه ذلك لجمال صراحته وبراءة قلبه وإشعاعه بالظرف والنباهة حتى وهو غاضب!

نجيب كيالي