الشعر بعين إبراهيم محمد إبراهيم مونولوج داخلي صرف يستجيب لحاجة الإنسان إلى الكلام والبوح مع الذات أولا وأخيرا بعيدا عن أي اعتبارات محيطة، لكن عندما يصبح المنجز الشعري جاهزا فلا بأس في وضعه بين أيدي الآخر.
كما هو، ولعل هذا ما يفسر تذبب دفق القصيدة وغزارة المنتج من عدمه في هذه التجربة الشعرية التي ارتبطت منذ عام 1990 بفترات كان وحي الشعر ينهال على صاحبها كزخات المطر في فترة ما، بينما ينقطع فجأة في فترات أخرى قد تطول لسنوات أحيانا، فكل شي هنا يتوقف الحالة النفسية للشاعر.
البيان التقت الشاعر الإماراتي إبراهيم محمد إبراهيم وأجرت معه حوارا جال فيه مؤلف ديوان «فساد الملح» عبر العديد من المواضع في تجربته الشعرية التي لم تسلط وسائل الإعلام الضوء عليها بعد، مواضع تتعلق بكينونة الشاعر وكيانه الإبداعي والعلاقة الجدلية بين الموهبة وحرفة الشعر وأنواعها، فضلا عن طبيعة الخطاب الشعري الذي يشتغل عليه الشاعر والبيئة الشعرية المحيطة بتجربته.
عندما يتعلق الأمر بأنواع الشعر واختيارات الشعراء للتعبير عن مكنوناتهم، يعتقد البعض أن ميدان قصيدة النثر أرحب القصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة، التي يعتمدها الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم في نظم أشعاره، هل تفي قصيدة التفعيلة بأغراض البوح في تجربتك الشعرية؟
لي رأي خاص في هذا الموضوع، إذ أني على قناعة تامة بأن كل ما يطلب لأجله كتابة القصيدة يفسدها، أي أنه إذا طلب شكل معين للقصيدة أفسدها، لأن الذهن والعاطفة يكونان قد ذهبا بهذا الاتجاه أو ذاك وأصبحا أسيرين لهذا الهدف المرسوم مسبقا، وكذلك الأمر بالنسبة للمضمون.
فإذا حددنا هدفا بعينه وكان المطلوب الغموض لأجل الغموض، على سبيل المثال، فإن هذا يفسد القصيدة، أن نطلب التبسيط لأجل إفهام الناس، هذا يفسد القصيدة، أن نطلب الشكل العمودي ونعتمده في الكتابة، هذا يفسد القصيدة،أن نطلب التفعيلة ونعتمدها في الكتابة.
هذا يفسد القصيدة،أن ننوي كتابة قصيدة نثر، هذا يخدشها أيضا، أنا أرى الشعر بشكل آخر، فالشعر ليس نية بأن أكتب قصيدة، الشعر هو أن تحس أن لديك شيء ما تريد أن تكتبه، الشعر حالة بوح قد تعكس نوع من التململ أو الفرح أو الحزن، الشاعر حالة تعبر عن اختلاج من الاختلاجات سلبا أم إيجابا، حالة تبدأ بالبوح بهذا المكنون، وبمجرد ما تبدأ هذه الاختلاجات وهذه الحالة، فإنها تقودك إلى الكلام.
وهذه الحالة هي التي تجر مخزون اللغة من الداخل ومن العقل الباطني، أنت لا ترتب كلاما، الكلام تستدعيه هذه المشاعر وهذا الضغط النفسي أو هذا التحفيز النفسي الذي يجر الكلام.
هنا ندخل في قضية أخرى. لو قاربنا القضية وقلنا كم نسبة الجانب الآلي في عملية الكتابة وكم نسبة الجانب التلقائي؟ الكثير من الشعراء يتطرفون ويقولون بأننا نكتب من اللاوعي مباشرة وآخرون يقولون بحضور العقل بشكل كبير إلى حد أن بعضهم يكتب القصيدة ثم يخضعها للوزن.
أنا ضد هذين الضربين من الكتابة،أنا أقول إن التلقائية لها الأولوية ثم تدخل الحرفة والمعرفة لكنهما لا يدخلان على الخط كتابعين بل إنهما يدخلان بشكل متواز وكلما زادت خبرة الشاعر وعلاقته باللغة وكلما كان الوهج الداخلي والتحفز للكتابة كبير، يكون التقارب أكبر ما بين اللغة وما بين هذه المشاعر، فينصهران وتخرج هذه السبيكة التي اسمها القصيدة.
ما هي المحفزات التي تدفع الشاعر إلى نظم قصيدة ؟
المحفزات كثيرة وهي بحجم كل الموجودات المادية والمعنية في الحياة، لكن ذلك يعتمد على نفسية الشاعر في لحظة ما، إذا كنت حزينا ورأيت أناسا يضحكون، فهذه حالة،إذا كنت فرحا ورأيت أناسا يضحكون.
هذه حالة، إذا كنت فرحا ورأيت طفلا يبكي، هذه حالة، إذا كنت في بلد يستحيل فيه وجود النخل ويقدم إليك الرطب، هذه حالة،إذا كنت في الصحراء ونزل عليك الثلج، هذه حالة. المحفزات هي تلك الأشياء الصارخة سواء من حيث الشكل أم التأثير النفسي، وتلك المحفزات هي التي تستدعي ما لديك من مشاعر ولغة.
الوجود كله محفز بالنسبة لي، لكن ذلك يعتمد على الحالة التي أمر بها في هذه اللحظة أو تلك، فما يستثيرني اليوم قد لا يستثيرني غدا والعكس صحيح أيضا.
ما هي الأسماء أو التجارب الشعرية التي أثرت في نفس الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم وحفزته على نظم الشعر وساهمت في تشكل المخزون المعرفي واللغوي والأدبي الذي ينهل منه الشاعر؟
في بداياتي حرصت على قراءة الشعر الجاهلي ووضعت لنفسي منهجا في القراءة، حيث قرأت الشعر الجاهلي وشعر صدر الإسلام والدولة الأموية والعباسية والأندلس وصولا إلى العصر الحديث.
قرأت لكل هؤلاء وتأثرت بهم جميعا، فأنا أرى الشنفرى قامة عظيمة، المتنبي أراه شاعرا كبيرا، السياب، مظفر النواب، محمود درويش، أمل دنقل، كل هؤلاء شعراء كبار، لكن ثمة فرق كبير بين أن تتأثر وأن تصبح أسيرا له، لا بد لك من أن تتمرد عليه وإلا أصبحت في جيبه، وأنا من الشعراء الذين يرفضون أن يقبعوا في جيب أحد..
عندما كنت صغيرا وكان يطرح اسم المتنبي أمامي أو اقرأ له، لم أقل بيني وبين نفسي قط أنني أتمنى أن أكون بقامة المتنبي، بل كنت أقول إن بوسعي الكتابة أحسن منه، قد لا أستطيع ذلك، ولكني أحدثك عما كان يسكنني ولا يزال، عندما انظر لشاعر وأعجب به، أقول أن أستطيع أن اكتب أحسن منه، مع أني تأثرت بالكل بما فيهم الشعراء غير الجيدين وذلك عن طريق تجنب أخطاءهم.
يقال إن نزار قباني كان لديه 100 عبارة يستخدمها في جميع قصائده، بينما كان محمود درويش يلجأ إلى المعاجم دائما، أين الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم من هذه المقاربة ؟
لكل شاعر قاموسه وهذا القاموس يتسع ويضيق، هناك شاعر قاموسه ضيق، لكنه أبدع وهناك شاعر قاموسه واسع إلى درجة أنه تبعثر فيه ولم يحسن لملمته رغم أنه لغته الثرية ولكن عندما يأتي إلى فعل سبك القصيدة وصياغة هذا الكم الهائل من المعادن والمترادفات والكلمات والمصطلحات فإنه لا يحسن أن يخرج منها تمثالا جميلا.
وأنا لا أقول ذلك لكي أقلل من شأن صاحب المعجم والواسع ولا لكي أمجد صاحب القاموس الضيق، فتلك ليست قاعدة، لكن من يملك قاموسا واسعا، فلا شك أن هذه حسنة شرط ألا يشكل هذا القاموس عبئا على الشاعر فلا يستطيع التعامل معه. بالنسبة لمحمود درويش، أرى ان قاموسه أثرى بكثير من قاموس نزار قباني.
والسؤال هو: هل استطاع درويش أن يسخر ذلك القاموس الغني في إنتاج ذلك التمثال الجميل؟ أنا أقول: نعم، فمحمود درويش شاعر لا يشق له غبار، لكن هل محمود درويش شاعر لا يشق له غبار ولن تلد الأمهات مثله كما كان يقال في المتنبي؟ أنا ضد هذه النظرية تماما وأقول إن الأمهات ولادات ولا أحد يعلم من أي بطن سيخرج ذلك الشاعر الفحل.
ما مدى اسهام ذلك القاموس اللغوي في تشكيل الصورة الشعرية، وكيف تتشكل هذه الصورة الشعرية؟
تشكل الصورة الشعرية سر من الأسرار التي لم يقنعني إلى اليوم أي تفسير لها وأعتقد أن الصورة الفذة، الصورة المتفردة، الصورة المختلفة، الصورة التي لم تشتق ولم يقلد فيها الشاعر شاعرا آخر، تعتمد على مدى رهافة الحس .
كما تعتمد اعتمادا كبيرا على الذكاء والفراسة وعلى مدى التصاق الشاعر بالأشياء التي يتناولها، مع الأخذ في الاعتبار أن ذلك الالتصاق ليس جغرافيا ولا مباشرا،.
فالحديث هنا يدور عن التصاقه النفسي أولا، فقد يتحدث رجل من الصحراء، على سبيل المثال، عن مدينة مثل باريس ربما لأنه رأى صورة لها ولكنها سكنته وعندما سكنته صارت أقرب له من النخلة التي يراها كل يوم. اقتراب الشاعر من الأشياء التي يتحدث عنها قد يكون جغرافي وقد يكون نفسي والتعويل الأكبر في مسألة اجتراح الصورة الشعرية الفذة يعتمد بالدرجة الرئيسية على مدى ذلك التقارب النفسي.
ما بين الحسي والمجرد، أين يكمن الخطاب الشعري في تجربة إبراهيم محمد إبراهيم، ألا ترى أن خطابك يميل إلى المباشرة أكثر من التجريد؟
دعني أكون موضوعيا في هذه القضية، ديواني الأول يختلف عن الثاني وعن الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن، وأنا أرى أن إبراهيم محمد لم يتكرر في تلك الدواوين السبعة، التي هي عبارة عن أطياف مختلفة إلى حد كبير.
قد يتقارب الديوان الأول مع الثاني قليلا ولكنه ليس مثله بل إنه مختلف عنه وكذلك الثالث وهكذا دواليك. كانت قصائدي في البداية أقرب إلى الخطاب المباشر، بينما أتهم من الكثيرين في يومنا هذا بأن قصائدي لا تفهم وكأن لسان حالهم يقول:
لمن تكتب. أنا لا أحب أن أصنف ما أكتب ولكني أسمح للآخرين بأن يصنفوني كيفما يشاؤون، لكن ما أنا على يقين منه هو أن إبراهيم محمد اليوم غير إبراهيم محمد الذي كان قبل خمس سنوات وغير ما كان عليه قبل عشر سنوات وهكذا دوليك. ولكل قصيدة حالة خاصة بها والقصيدة ليس خطاب في آخر الأمر بل إنها حالة بوح بما يحس به الشاعر.
كيف تنظر إلى البيئة الشعرية المحيطة بك؟
أنا منعزل. ويمكن أن أقول انه ليس هناك حركة شعرية حقيقية، هناك شعراء فرادى، أما أن نقول بوجود حركة شعرية تتشكل من خلالها مدارس شعرية، فذلك غير صحيح، فعندما نقول حركة، فإن تلك الحركة لها سمات، لكن الموجود في يومنا هذا شاعر يكتب على النمط الجاهلي وكأنه واحد من ذلك العصر وشاعر آخر يكتب الواقع ويخرجه.
كما هو وهذا أيضا ليس له ضرورة لأننا نعيش ذلك الواقع ولسنا بحاجة لمن يعرفنا به وهناك من يعيش مستقبلا غير مرئيا على الإطلاق وهذا ليس له داعي أيضا وهناك شاعر يبوح بما يشعر ويترجم فلسفته لهذا الكون والمحيط ويعبر عنه انطلاقا من رؤية خاصة جدا لا يتقمص فيها أحدا ولا يغيب في هذيان بلا جذور.
لكن كيف تنظر إلى كل هذه الفعاليات والمهرجانات التي تحتفي بالشعر عموما وبالعامي منه على وجه الخصوص؟
دعنا نبدأ من الشعراء كأفراد، هناك شعراء في الوطن العربي وفي العالم، لكن يجب ألا يرتبط المنتج الشعري بالأحداث الشعرية أي أن أبرمج ذهني على إيقاع مهرجان أو مناسبة معينة، فهذا يهشم القصيدة ويقتلها.
الشاعر طائر حر ويجب أن يكون كذلك والبلبل يغرد من دون ثمن وبلا مقابل أو سبب، فالأسباب التي تدفعه إلى نظم الشعر فطرية تسكنه أصلا، لكن لا غاية له من وراد ذلك التغريد، هو يغرد لأنه فطر على التغريد. وهذا يعني انه يتعين على الشاعر أن يكون مستقلا.
أما بالنسبة للمهرجانات والأمسيات والأحداث الثقافية، فإن القائمين عليها إما أنهم ينظمونها لكي يقال أنهم مهتمون بالشعر والثقافة أو أنهم يريدون فعلا وبنية صادقة أن يعلوا من شأن الشعر والأدب والثقافة ويخونهم الاجتهاد فتخرج تلك الفعاليات بلا شيء، ذلك أن المؤسسات التي تنظمها لا تمتلك مشروعا ثقافيا أو سياسيا أو حتى اقتصاديا، ليس لدينا مشاريع، نحن نتخبط على خلاف مجتمعات أخرى مثل فرنسا، التي تعرف بمبدعيها لأنه لديها مشروع ثقافي متراكم.
بينما لا تستطيع في الحالة العربية أن تربط شي بشئ فتبقى الفعاليات جزرا منعزلة وحتى الفعالية الواحد تفتقر إلى التناغم، بحيث تضيع الفكرة الأساسية هذا إن كانت موجودة أصلا.
ما الذي يشتغل عليه الشاعر إبراهيم في هذه الأيام؟
أكثر مرحلة كتبت فيها هي مرحلة العزلة التي أمارسها حتى هذه الساعة وبدأت منذ سنة تقريبا وكان فيها زخم كبير في الكتابة، وهذه المرة الأولى التي أخرج فيها بثلاث دواوين خلال سنة واحدة وأحس أن داخلي مليء بالكثير مما أريد البوح به إلى درجة الخوف في مشهد هو أشبه بلفظ الأنفاس الأخيرة، قد تأتي بعد هذه المرحلة مرحلة ركود، قد أنتهي أنا، من يدري؟
أنا لا أخطط شعرا على الإطلاق بل أستسلم للحالة الشعرية تماما،ففي عام 1990 صدر ديوان الأول «صحوة الورق» وفي عام 1997 صدر الديوان الثاني وبعدها بسنتين صدر الثالث وبعده بأربع سنوات صدر الديوان الرابع ومن ثم ظهرت ثلاثة دواوين ظهرت في سنة واحدة، وهناك ديوانان سيظهران في معرض أبوظبي الدولي للكتاب المقبل وهما «هكذا قهوتي» و« ليست ألأرض لي».
باسل أبو حمدة
