«الفرس: أكثر من صهوة لمعنى خفي لعله الأكثر قابلية للتأويل الفني، وجدارة بالتقريظ الذي يستحقه هذا الجامع بين برية يُعتدُّ بها وأهلية مسجلة، بين صهوة طليقة وأخرى يُتنافَس عليها، والشعر الجامح يبقيها في عهدة الريح!».

بسبب عراقته، لم يعد الفرس هذا الكائن الحيواني الأليف والبرّي معاً، ذلك المرئيَّ ملء النظر لما قيل فيه وعنه فقط، إنه أكثر من كونه اسمه المشار إليه، ذلك المجبول بالماء والهواء والنار والتراب، بأكثر من روح تجلوه.

على الأقل، يظهر لنا، للمتابع لتحولاته «النجمية» وتجلّيه النجوميّ، جلي الحضور في عالم الحداثة وما بعدها!

لعلها المعايشة الموغلة في القدم كانت وراء هذا التنويع في صفاته، هذا الانزياح المذهل في معالم صورته، لكنها القائمة الطويلة من المشاهد التي تعزّز فيه «نخبويته» البهائمية الخاصة:

أن يكون ربيب الليل الحالك السواد، وعرّاب المسافات الطويلة، والماخر كفُلك لبحره الواصل ما بين أرضه وسمائه، كما يكون تحفة النظارة والفُرجة نهاراً وهو مشدودٌ إلى قدح التحام حافره بصلب الأرض، إيذاناً بتحليق يحيله برهوائياً، كما هو البرمائي في حالات أخرى، أن يكون الجامع بين خيال مجنَّح في اندفاعته، وانتشاء روحي صفيٍّ بمشهده العنفواني العارم.

لا يكون الفرسُ مظهرَه العيني، إنما ما يقود النظر إلى ما وراء الهندسة الجسمية البلاغية في أتم فتنتها، بين متن قيدومي في المقدمة، وساق معزَّزة بدعامة عصبية وغابة عُرفية شريطية تلطّف حركة العدو الحصانية.

ووسط رحب يحيل نصف كرته اللحمية الثقيلة والخفيفة في آن إلى تشكيل فيزيائي يسهّل الحركة التوأمية: البطنية والظهرية ارتكازاً على الدعامات الهيدروليكية السريعة الاستجابة لقوى تحكم عامة، وموقع، هو محك المأخوذ بغواية الركوب ومواجهة اللامتوقع، الصهوة:

النفاثة رغم ثباتها المكاني، والمؤخرة المنبسطة في وعريها المسهّلين للدفع والمناورة الهوائيين، وما يلي المؤخرة: الشراع المشعر في تمام ليونته وروعة اتصاله بالمقدمة، ليكون بداية ونهايةً ما يبقي العين في أقصى أفق المتخيل الفرَسي، والقلب نابضاً على إيقاع خفته المدروسة مسبقاً.

كما لو أن الظاهر فيه، ليس أكثر من غواية جذب للتأمل في العصي على النظر مباشرة، كما هو المتردد عنه، مصادق الريح، نزيله، أو أصيله، مختبره التليد، المنطوي على سر قوى الظلمات، وهو حاديها، المسكون بأنفاس الجان. لهذا كان الشديد التحول في أهوائه، في المزج بين مجاز أنثوي وذكري فينا، في مسيرته المتعددة المهام.

الفرس: أكثر من صهوة لمعنى خفي لعله الأكثر قابلية للتأويل الفني، وجدارة بالتقريظ الذي يستحقه هذا الجامع بين برية يُعتدُّ بها وأهلية مسجلة، بين صهوة طليقة وأخرى يُتنافَس عليها، والشعر الجامح يبقيها في عهدة الريح!

إزاء الفرس تتقدم الفراسة كما هو الجواد عطاء، يأتي الاشتقاق: الفارس، خلاف الجامد اسماً كما هو الأسد العصي على الركوب هجوميٌّ، لحميٌّ، والفرس الجواد نباتي، وسيط إغارة يحيل إلى فارسه، إلى فاعله لا مفعوله الذي يكونه هو، وفي الجامد رهبة لافتة، أما المشتق اسماً فقدرة على التفاعل، وعقد قران بين الدال والمدلول!

بين اعتماد الفرس مطية متنافَس عليها، تليق بأولي قوة سلطوية وتأكيد فعلي للذات، ومكافأة على جسارة مغالِبة صعاب مفتوحة، وتحوله رمزاً متعدد الأبعاد، وحتى مشتهى في لحمه، لأسباب لا تتوقف على ما هو ذوقي حصراً، يمكن عبور حجابه الحاجز، ومكاشفة التكوين العضوي الداخلي له، وأي تلوين مستحدث يسم تكوينه هذا.

فأن يكون الفارس اسماً: لقباً يغطي عالماً قديماً يمتد في جهاتنا كافة، ويتراءى صنيع خيال فاره، وبقدر ما يمتد إلى عصرنا الحديث، لتكون الفروسية الحاسمة في تقرير مصائر شعوب ومجتمعات، حيث كانت صهوات الخيل منعطفات تاريخ، حدوداً فاصلة بين أجناس وأنواع، وجامعة فيما بينها معاً، كانت محكاً لذوات نوعية مختلفة، لتكون حنيناً بالتالي إلى ماض لا يفوَّت في قائمة روائعه القيمية، وصيغ البطولة المعتمدة ودرجاتها.

وتواصلاً مع الماضي ذاك، باعتماد أوسمة وجوائز تستنبتها صهوة الفرس في عالمية اسمه، بغض النظر عن التنافس اللغوي في تقاسم الاسم الواحد، أو عولمته بطريقة ما، في رحاب ألقاب وعروض منافسة، وكرنفالات قوى لا تخفي تصارعاتها والجهات المشاركة فيها. ثمة قواعد لعبة!

كأن الذي كان، لا يراد له المضي دفعة واحدة اسماً له هيبته ورصيده التاريخي، وعبر تحوير وتوليف آخر، ليكون للفارس بعد آخر، وكأن نيل حظوة بزيٍّ مقرَّر، في مناسبات محلية ودولية، لقاء خلف استعراضي للفارس مقابل ما كان فاصلاً في ساحة الوغى، حيث يؤخَذ بعين الاعتبار: المكان، ونوعية العدوِ، والوثبة، وحقل السباق، ومناسبته طبعاً..

لتكون صهوة الفرس نصاً اشتراطياً في نطاق عروض الأسعار والرهانات المتعلقة به، وربما في مشهد مأسوية مؤلِم، إذ لا طعان، لا مثار النقع فوق الرؤوس، لا تخوف من المصير المهدد لطرف دون آخر، إنما ساحة فرجة، أو سيرك أكثر انفتاحاً في مداه، والهتافات ملاصقة لمسار السباق أو عروض القوة الخيلية، في ميديا خاصة،.

وتمرير صور هي لقطات تمثل تحولات قوة وتخريجاً إعلانياً أو دعائياً أو تجارياً في أكثر من منحى، لتكون الصهوة رمزية والفروسية المجاز، ليكون الفرس الذي كان حداً فاصلاً بين حياة وموت وهو المسكون بهما، يجسّد ذاكرة حية لإبراز صراعات على الأرض، ليكون الفرس ذو الصيت حيواناً منزلياً للترفيه، أو أداء خدمات في المجمل.

ليس الفرس الجاري استحداثه تبعاً لنوعية الطلب عليه، هو الكائن الوحيد الداخل في لعبة تسمى: رياضية، ولكنه الكائن الذي يصلنا بما لا يفارقنا تاريخياً، بما كان عليه وركّب فيه أسطورياً وجمالياً، وهو محمول بقوى مختلفة لها صلة بمواقعنا الاجتماعية والنفسية، والذي لما يزل يحتفظ بالكثير من بريق حضوره في تاريخنا المعاصر.

وفي وسع الناظر إليه وهو يملأ سطح شاشة التلفزيون، أن يستشعر أي كائن مقاوم فيه يحفّزه على الخروج إلى العالم الذي يمتد بعيداً، والريح مهمازه، وقد توارت خلفه المدينة التي ينتمي إليها، مأخوذاً بالمدى المفتوح.

تلك رومانسية مشتهاة تهب الذات جرعة من الهدوء والشاعرية والحرية، لكن حذار من تجاوز سور المدينة!

ابراهيم محمود