تحيط بنا الألوان من كل جانب: فهي موجودة في الطبيعة، وبيوتنا، وثيابنا، والأدوات التي نستعملها في مرافق حياتنا اليوميّة كافة، بما في ذلك أكلنا وشربنا وأقلامنا وصحفنا ومجلاتنا ووسائل الاتصال البصري المختلفة، بدءاً من التلفاز والسينما والإنترنت وانتهاءً بالصورة الضوئيّة، والعمل الفني التشكيلي ووسائط الإعلان والإعلام والإشارات والرموز الاصطلاحيّة التي اتفق عليها العالم.
وباتت تذهب بنا مباشرة، كلما وقع عليها بصرنا إلى مرفق حياتي أو معنى محدد (مطعم، وسيلة نقل، بنك، مشرب مخرج، مدخل، درج، أو سلالم، أداة لإطفاء الحريق أو الإنذار؛ مشفى، إسعاف، شرطة، ممنوع أو مسموح، موقف سيارات، استراحة ... الخ).الألوان إذاً، موجودة فينا وحولنا، لكل لون رمزه ودلالته وتفسيراته التي اتفق البشر على بعضها، واختلفوا على بعضها الآخر، لكن الجميع توصلواً إلى حقيقة تقول: الألوان زينة العالم، وعالم بلا ألوان عالم ممل وحزين، ولا يمكن تصور العالم بلا ألوان، لا سيما إذا علمنا أن اهتمام الإنسان بها، قديم وفطري ولصيق بكل شيء في حياته.
بل لقد باتت الألوان مقياساً لبلوغ الأكمل في كل شيء: في علاقة القميص والحذاء وربطة العنق وساعة اليد والمحفظة والزنار والنظارات وغطاء الرأس وحمالة المفاتيح، ببعضها البعض. وفي علاقة ألوان جدران المنزل بأثاثه وفرشه والأعمال الفنيّة المسطحة (اللوحات المعلقة) والمجسمة (التماثيل وقطع الخزف والصمديات) والسجاد والبرادي ... وحتى النباتات والأزاهير. وعلاقة ألوان مقاعد وسيلة النقل (سيارة، طيارة، قطار، باخرة) بألوان هيكلها، وحتى في العلاقة التي كانت قائمة بين لون ثياب الإنسان ووسيلة نقله الأولى (الحيوانات، العربات) التي كان يزينها ويزخرفها بالألوان لأكثر من سبب، وانتقلت هذه الظاهرة في ما بعد، إلى وسيلة النقل الحديثة، فلوّن وزخرف سيارته، ودراجته الهوائيّة والناريّة، وحتى حافلة النقل الجماعي، فرض سائقها ذائقته البصريّة عليها!!.
ولشدة ولع الإنسان وشغفه بالألوان والتزين قام بتزويق وتلوين جسده، لأكثر من سبب وغاية ذاتية، تتعلق بمن يحب ويقدر ويحترم، أو بما يؤمن به من أفكار ومبادئ، واتفاقيّة تتعلق بطقوس قبليّة أو اجتماعيّة، أو برموز دلاليّة محددة.
مقياس الذوق
ولأن الألوان تغلغلت في حياة الإنسان إلى هذا الحد، فقد باتت مقياساً للأناقة والذوق، وعاكسة لشخصية مستعملها، ومستواه الثقافي والاجتماعي، لا سيما بعد أن قطع الإنسان أشواطاً بعيدة، في سلم التطور والحضارة.
بحيث تحللت عملية استعماله للألوان والزخارف، من قسم كبير من فطريتها وعفويتها، مكتسبة شيئاً من العلم والدراسة والتخصص الذي يقوده اليوم، مهندسون، وفنانون تشكيليون، ومخرجون، وحتى علماء اجتماع ونفس، بعد أن دخلت الألوان في معالجة العديد من الأمراض النفسيّة، وباتت إحدى وسائل التكيف البيئي والاجتماعي، لدى البعض.
فحتى فترة ليست بعيدة، كانت عملية اختيار الألوان لدى الإنسان، ناجمة عن الفطرة، أو عن الخبرة المكتسبة من تعاطيه المتشعب والطويل معها، لكن الدراسات والبحوث التي وضعها فنانون وعلماء، بعد قيامهم بإجراء تجارب عديدة وطويلة في هذا المجال، أكدت وجود قوانين جديدة، تتحكم بالذائقة البصريّة اللونيّة للإنسان المعاصر، وبمنظومة الألوان أيضاً، حيث أصبح لها علم قائم بذاته، يدرس نوعها، والفصائل التي يمكن سحبها منها، بمزج لونين أو أكثر.
فقد صنفت الألوان بالباردة والحارة، الفاتحة والغامقة، القوية والضعيفة، الصاخبة والهادئة، المتنافرة والمنسجمة، المنرفزة والمريحة، الصارخة المثيرة للبصر والأحاسيس، والمتوافقة القادرة على أن تريح البصر والأحاسيس والكيان المادي والنفسي للإنسان بشكل عام.
تعدد الاستعمالات
نتيجة التطور الكبير في علم الألوان، أصبحت لها قوانين ونظم مختلفة، وفقاً لمجال استعمالها. فهي في الثياب غيرها في المنتوج الصناعي. وفي العمارة الداخليّة (الديكور) غيرها في العمارة الخارجيّة (تصميم البناء).
وفي وسائط الإعلان وفنون الكتاب والإخراج الصحفي غيرها في اللوحة والمحفورة المطبوعة وقطعة الخزف والمنحوتة. وهي لدى الرسام الفطري الذي لم يدرس الفن أكاديمياً، غيرها لدى الدارس الضليع. فهي لدى الأول، خاضعة لشعوره الفطري، ولدى الثاني، خاضعة لما تعلمه وخبره وجرّبه.
ولأن الألوان تأتي من مصادر مختلفة، طبيعيّة كالنباتات والأتربة وبعض الحيوانات، أو كيميائيّة صنعيّة، تُحضر في المخابر، من مواد وخامات عديدة، بعد معالجتها وفق معادلات علميّة خاصة، فقد تعدد وسائط مدها في الأمكنة المخصصة لها، وتالياً قوة تأثيرها ونوعه.
فهناك الألوان الزيتيّة والمائيّة، الكتيمة والشفيفة، اللماعة والناشفة (المت) أو البين بين، العادية التي تمد بالفرشاة، أو بالبخ، أو بالحرارة. منها ما يستخدم لطلاء الجدران، أو الأثاث، أو الأدوات والآلات الصناعيّة، أو الإعلانات وشاخصات الطرق، وحتى على إسفلت الطريق نفسه، ومنها الآخر، ما يأخذ طريقه إلى الوسائط المرئية كالسينما والتلفاز والإنترنت والأفلام وأجهزة المحمول والكاميرات ... الخ.
دلالات ورموز
وللألوان أيضاً، دلالاتها ورموزها العديدة التي حافظت عليها منذ أقدم العصور، وهي مختلفة ومتنوعة من شعب لآخر، ومن عمر إلى آخر أيضاً، لكن ثمة قواسم مشتركة تجمع الأمم والشعوب، في نظرتها إلى الألوان، وبالتالي تحميلها رموزاً وإشارات ومعانٍ شبه واحدة.
وهذه النظرة شكّلت ما يمكن أن نطلق عليه (قوانين) أو (نواظم) للألوان ومداليلها، مع الاستدراك والتأكيد، على أن اختلاف نظرة الإنسان إلى الألوان، تتأثر بجملة من العوامل نذكر منها: المحيط، الإقليم، السن، الجنس، الصحة، المرض، الثقافة ... الخ.
من جانب آخر، خضعت دلالات الألوان ورموزها، لعوامل تاريخيّة هي نتيجة تداخل جملة من الأمور، منها البيئة، المعتقدات، الموروث، العادات، التقاليد، والوضع الاقتصادي والسياسي.
من ذلك الأعلام والرايات والشعارات التي جاء معظمها تمثلاً لهذه العوامل، وانعكاساً لهذه الأمور. مع ذلك، اتفقت الشعوب والأمم، على تحديد معاني ورموز غالبية الألوان، وربطتها بعناصر الطبيعة، أو بموروث تناقلته جيلاً بعد جيل، وحقبة تاريخيّة إثر أخرى.
من الألوان التي باتت شبه إشارات ودلالات اتفاقيّة عالميّة، اللون الأزرق الذي يرمز للسماء والغيوم الماطرة، والحماية من الشر والنظرة الحاسدة، والبحر، والماء، وروح القدس، وقوة الحياة، والخلود، والرحمة، والشرق.
أما اللون الأصفر فيرمز للنور، والجلالة، والعظمة، والأرض، والحسد، والحبوب الناضجة، والذهب، والنور الأبدي، والجبروت، والقدسية، والقوة، والعقيدة، والنصر الإلهي، والسمو. ويرمز اللون الأخضر إلى الحقول الخصبة، والأمل، والسرور، والصحة، والحياة النابعة.
واللون الأخضر مريح لأعصاب العين، ومهدئ للنفس، ومسبب للانشراح. ويدل على الحياة والشباب، والثقة، والاتكال على الله، والإيمان، والأرض.
ويرمز اللون الأحمر إلى الدم الذي يعني الحياة بالنسبة للإنسان والحيوان، والقوة، والشباب المتفجر حيويّة، والنار، والحب الحارق، والشمس المشرقة أو الغاربة، وهو أقوى الألوان لفتاً للنظر، والتضحية بالحياة، والشجاعة، والحماية من المخاطر.
أما اللون الأرجواني المشتق من اللون الأحمر، فقد كان أجمل وأفخم لون في العصور القديمة، وهو من الألوان الثابتة التي لا تكلح تحت أشعة الشمس، بل تزداد إشعاعاً وقوة تحتها ، وقد اعتبر لوناً خالداً. أما الأحمر البنفسجي بدرجاته العديدة، فقد ارتبط بثياب رجال الدين، وقد شهد عدة تحولات رمزيّة ودلاليّة.
أما اللون الأسود، فقد رمز إلى الليل، والحزن، والإبادة، والموت، والظلام، والخطيئة، والشيطان، والشر، والخطر، والفزع، وأقرب الألوان إليه رمزاً ودلالة هو البنفسجي الذي حل محله اعتباراً من نهاية القرن الثاني عشر.
كما رمز اللون الأسود إلى الخضوع، والخشوع، والقناعة. في مقابله يأتي اللون الأبيض الذي هو لون النور المستقيم، الدال على الاحتفال والسرور، والنقاوة، والطهارة،.
ويمثل اللون البرتقالي شعاع الشمس الدافئ المنير على عالم المادة، أما الأحمر البرتقالي، فيرمز إلى الثورة وشعارها، ويرمز اللون البني إلى الأرض ولون ثياب سكانها. ويمثل اللون الرمادي لون الظل، والخيال، وهو لا ينطق بشيء، وغير قابل للتحديد، وخطه لا يحوي ذروة، ولا منخفضاً، لذلك فهو ممل، ويعني الهم والشقاء.
د.محمود شاهين



