جاهدة تحاول مؤسسات أن تعيد الروح إلى القصة القصيرة عبر جوائز أو مسابقات أو تشجيع نشر الكتب الخاصة بهذا الفن الجميل، لكن هيهات، القصة تتراجع في مستوياتها الفنية، وتترك ساحاتها لكتب أخرى، بعضها تتعدد صفحاتها فتصبح رواية متوسطة الحجم، هي (نوفيلا ) في التصنيف الغربي.

حيث إن القصة فن وافد عرفه العرب في النصف الأول من القرن العشرين، فأبدعوا فيه وتركوا بصمات واضحة على مسيرته، وليس أدل على ذلك من قصص الرائدين محمود تيمور وعلي خلقي.

تحولت القصة العربية نحو الرواية، ليس بفعل النضج والتعقيد الحكائي، ولكن بسبب حمى اجتاحت دور النشر التي تطبع الرواية باعتبارها اليوم ديوان العرب (!) وظناً من أحد ما في مكان ما أن الشهرة تصيب الروائي أكثر من القاص، في حين أن نجيب محفوظ بدأ قاصاً، وكذلك أُشتهر ماركيز ككاتب قصة..

ومن يفوقهما في عالم الرواية، لم تكن القصة طريقاً نحو الشهرة، بل نحو التمكن الفني، فالقصة رغم ضآلة حجمها تحمل تكثيفاً وتحتاج إلى نحات بارع ليحدد ملامحها الدقيقة.

إن لفظة (قصة) ليست من الألفاظ الجديدة التي دخلت اللغة العربية حديثاً، وإنما ورد ذكرها في التراث العربي، ولكن مدلولها المعنوي والفني طرأت عليه تغييرات كثيرة نتيجة للاتصال بالثقافات الأجنبية، فهي جنس أدبي حديث النشأة يرتكز على صفات وخصائص فنية؛ كوحدة الحدث والشخصية، وقصر المدة الزمنية، ويعتمد على تكثيف العبارة واللغة الإيحائية، وهو لا يعدو أن يكون ومضة مشعة من الحياة.

وجاء في لسان العرب انها تعني تتبع أثر الشيء، شيئاً بعد شيء، وإيراد الخبر ونقله للغير، وتعني أيضاً في القاموس المحيط للفيروزأبادي (قصّ أثره قصاً وقصيصاً تتبعه، والخبر أعلمه).

لكنها اليوم تتراجع من حيث قيمتها الانتشارية، فقد بات كتابها قلائل، سرعان ما تجذبهم الرواية فيطول السرد ويخشى المرء القول (تطول الثرثرة)، لأن كثير من روايات اليوم تحتاج إلى اختصار يشبه نحت الفنان لتصبح قصة، لكن من يفعل ذلك وسط حمى النشر، وفي ظل غياب نقد منهجي سيطول انتظار القصة الحقيقية، وها نحن نحتفي بأسماء لعشرات الروائيين، وفي المقابل لا نجد قاصاً واعداً يستحق احتفاءً مشابهاً.

hussain@albayan.ae