اندلعت الأزمة المالية العالمية منذ خريف عام 2009 لا تزال قائمة كما يصعب القول كيف سوف تنتهي. ويتفق المحللون والأخصائيون على أن أحد أسبابها الرئيسية يتمثل في غياب أية آليات حقيقية لضبط التعامل المالي العالمي.

بل هناك «حرب ضد الضبط»، كما جاء في عنوان الباحث الجامعي فيليب ج. كوبر، الأستاذ في جامعة بورتلاند. وهو يحدد سنوات هذه الحروب ما بين إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وحتى إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش. هذا يعني أن إدارات أميركية عديدة، جمهورية وديمقراطية، مارست «الحرب ضد الضبط» المالي.

إن المؤلف يحاول أن يشرح على مدى فصول هذا الكتاب الكيفية التي مورست فيها الحرب ضد قيام أية آليات للضبط المالي والاقتصادي عامة وأشكال ممارستها من قبل مختلف الإدارات الديمقراطية والجمهورية.

كما يدرس أيضا آثارها المفرطة في سلبيتها بالنسبة لملايين الأسر الأميركية التي فقدت بنفس الوقت مساكنها بسبب قدرتها على دفع المبالغ المترتبة عليها. كما خسرت كل ما كانت قد ادخرته من أجل سنوات ما بعد نهاية فترة العمل، أي لفترة التقاعد.

وما يؤكد المؤلف عليه منذ البداية هو أن فهم الأسباب الحقيقية للأزمة المالية الراهنة يستدعي بالضرورة توسيع أفق التحليل فيما هو أبعد من سياسة القروض التي اتبعتها البنوك والمجموعات والمؤسسات المالية خلال السنوات الأخيرة. ذلك على خلفية تأكيده أنه يوجد خلف «الواقع الحالي المأساوي» تاريخ طويل.

إنه تاريخ عقود طويلة من «الحرب» ضد ممارسة الضبط الحكومي وما يمكن أن يجلبه من حماية المواطنين بل وتحسين أوضاعهم. وبالتالي ينبغي البحث عن جذور الظروف الحالية في سنوات السبعينات المنصرمة.

ويشير المؤلف إلى أن الرئيس جيمي كارتر كان قد قام بعمليات ضبط مشهودة على صعيد التعامل مع البيئة ومحاولة الحدّ من التلوث. إلا أن فترة إدارته عرفت أيضا غياب أي ضبط، بل وترك الحبل على غاربه فيما يتعلّق بعمل البنوك.

واتجه رينالد ريغان نحو اتخاذ إجراءات إدارية وليس تشريعية ضد الضبط، الأمر الذي لم يكن مفهوما أو حتى لم يكن معروفا إلى حد كبير من قبل الجمهور العريض. ويصف المؤلف الرئيسين بيل كلنتون وجورج دبليو بوش أنهما «محاربان جديدان في المعركة ضد الضبط المالي».

ويشرح المؤلف أن عملية الضبط المالي والاقتصاديـ باعتبارها إحدى الأدوات التي يستخدمها رجال السياسة، إنما هي ليست سيئة ولا جيّدة ب«ذاتها» ولكن المهم هي طريقة استخدامها وتوظيفها.

ذلك أن الإفراط في تغييب الضبط يمكن أن يتضمن على مخاطر كبيرة، الأمر الذي تدلّ عليه بوضوح الأحداث التي عاصرت وواكبت نشوب الأزمة المالية الراهنة والتي لم يكن أقلها انهيار مجموعة من البنوك والمؤسسات المالية التي كانت تبدو في غاية الصلابة.

ولا يخفي المؤلف أن هدفه الحقيقي من هذا الكتاب عن «الحرب ضد الضبط» هو طرح الأسئلة الجوهرية الهامة المتعلقة بآليات الضبط ونتائجه «السلبية والإيجابية» وبتحديد وظيفته في عصر العولمة.

وقبل كل شيء فتح باب النقاش واسعا عن أكثر السبل فاعلية في استخدامه. ويرى المؤلف أن البحث الجدي في هذه المسائل كلها قد يكون هو الوسيلة الأفضل التي يمكن أن تساعد العالم اليوم للخروج من الأزمة المالية الاقتصادية الراهنة.

وتمثل إحدى النقاط الأساسية في تحليلات المؤلف قوله أن آليات الضبط الاقتصادي والمالي، أو غياب هذه الآليات، هي بالتأكيد ذات علاقة مباشرة مع عالم الاقتصاد والمال. ولكنها تتعلق دائما بمركز القرار السياسي.

ومن هنا يقوم بتحليل دور «البيت الأبيض» من جيمي كارتر حتى جورج دبليو بوش ليصل إلى نتيجة مفادها أن الإدارات الأميركية المعنية كلها ساهمت عبر النزاع نحو تبنّي توجه مناهض للضبط المالي والاقتصادي في صياغة سياسات كانت لها نتائج مأساوية بالنسبة للأمة الأميركية، ومن خلالها بالنسبة للعالم أجمع.

وعلى الصعيد الأميركي، يشير المؤلف إلى النقاشات القائمة اليوم على فكرة إيجاد «سلطة ضبط» مالي واحدة تعود إلى البنك الفدرالي. لكنها تواجه معارضة شديدة من قبل أولئك الذين لا ينظرون، من حيث المبدأ، بشكل إيجابي، لمسألة تعزيز سلطات البنوك المركزية.

كما تواجه معارضة القائمين على البنوك أنفسهم فهم يريدون أن لا يحدّ أحد من حريتهم، وكذلك معارضة مجموعة الهيئات التي تتولّى تقليديا مهمّة الإشراف على عملية ضبط المنظومة «البنكية» الأميركية.

لكن هناك توجه عام اليوم لإعطاء دور أكبر للبنك الفدرالي الأميركي لممارسة نوع من «الضبط» في آليات عمل مختلف البنوك وصناديق الاستثمار وشركات التأمين وكل المؤسسات المالية التي يمكن لعملية إفلاسها أن تؤثر جديا على المنظومة الاقتصادية كلها.

لكن يبقى الهم الأكبر المعلن للإدارة الأميركية الحالية هو تأمين حماية المستهلكين من «فوضى التعامل المالي». وبهذا المعنى يرى المؤلف أن إدارة باراك اوباما تحاول أن تتبع نهجا جديدا مغايرا لما سلكته الإدارات السابقة منذ ثلاثة عقود من الزمن.

وتبقى إحدى الأفكار المركزية في هذا الكتاب هي التأكيد على أن فهم الأزمة المالية العالمية الراهنة يتطلّب حكما العودة إلى عدة عقود مضت لمعرفة أن جميع الإدارات الأميركية السابقة قد «غيّبت» عن قصد آليات الضبط المالي، وبقرارات سياسية.

الكتاب: الحرب ضد الضبط «المالي»

تأليف: فيليب ج. كوبر

الناشر: جامعة كنساس 2009

الصفحات: 288 صفحة

القطع : المتوسط

The war against regulation

Phillip J. Cooper

University Press of Kansas- 2009

288p.