يقوم المناضل الفرنسي المعروف عن حقوق الإنسان «برنار دريانو» منذ أكثر من 4 سنوات بجولات لا تتوقف في مختلف البلدان الأوروبي، ويقيم صلات مع مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني المهتمّة بمسائل الوصول إلى حلول سلمية للنزاعات ولمسائل الهوية ولممارسات التمييز العنصري.
وبالتوازي مع اهتماماته الأوروبية أقام برنار دريانو عدة سنوات أيضا في منطقة القوقاز وخبر مشاكلها عن قرب. وهو يقدّم كثمرة لذلك كتاب «الحروب والسلام في القوقاز» كعنوان رئيسي و«الإمبراطوريات والشعوب والأمم» كعنوان فرعي.
وهو يوجّه تحليلاته في هذا العمل في منحيين، الأول هو تعريف القارئ الفرنسي، والقارئ عامة، بواقع بلدان منطقة القوقاز، والثاني هو محاولة تقديم عدد من المفاتيح من أجل فهم الرهانات القديمة والتاريخية والجيوسياسية، وخاصة رهانات الطاقة للمنطقة وتداعياتها بالنسبة لمحيطها الأوروبي والآسيوي.
إن المؤلف ينطلق من «حرب الأيام الخمسة» التي جرت خلال فترة 7-12 أغسطس من عام 2008 في اوسيتيا الجنوبية بين القوات الجيورجية والقوات الروسية التي خفّت إلى المنطقة إثر محاولة الجيورجيين فرض قانونهم على اوسيتيا.
ويشير المؤلف إلى أن الأوروبيين فهموا تلك الحرب بأشكال مختلفة. ذلك أن البعض منهم رأى فيها عنوانا صريحا ل«عودة الدب الروسي» بينما لم يتردد آخرون في اعتبارها نتيجة مباشرة للسياسة العدائية، التي انتهجها الرئيس الجيورجي ميخائيل ساكشيفيلي حيال اوسيتيا من موقع أنه «مجرد دمية بيد الإمبريالية الأميركية».
ويولي المؤلف اهتمامه خاصة ببلدان جنوب القوقاز، أي اذربيجان وارمينيا وجيورجيا ودورها وتداخلاتها فيما يسمى ب«اللعبة الكبرى» بين القوى العالمية وفي مقدمتها روسيا وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية. ولا يتردد في وصف علاقات هذه الدول مع «الجار الروسي» أنها في «غاية التعقيد».
ويشير هنا إلى أن هناك خطورة حقيقية في فهم رهانات القوقاز من خلال المقالات الصحفية السريعة، إذ ينبغي الخوض أعمق وأبعد في أسباب الأزمات المتكررة في القوقاز.
وهذا ما يشرحه المؤلف عبر أقسام الكتاب الثلاثة التي يحمل الأول منها عنوان «جيوسياسة أزمة». والأزمة المقصودة يطلق عليها تسمية «فخ اوسيتيا» الذي يعتبره «مسرحا للعبة كبرى بسبب البترول والغاز».
ويحمل القسم الثاني عنوان: «إمبراطوريات وأمم» حيث يتحدث فيه المؤلف عن «سقوط الإمبراطوريات» و«حروب الاثنيات والحروب الأهلية».
ثم قسم عن «المجتمعات المدنية» من خلال «الحوارات وأشكال التضامن» والقسم الأخير من الكتاب يحمل عنوان «حرية الشعوب وحروب الأمم» الذي يتم البحث فيه عن العلاقة بين «الحرب المحلية والحروب الشاملة».
وفي جميع هذه الأقسام هناك «خط ناظم» لتحليلات المؤلف يتمثّل في الربط بين الرهانات المحلية لبلدان المنطقة وبين الرهانات الجيوستراتيجية الدولية.
هذا دون أن يغيب عن هذه التحليلات منظور حق الشعوب في تقرير مصيرها. وبالوقت نفسه يؤكد على أنه من واجب الأوروبيين إظهار تضامنهم الحقيقي مع أبناء منطقة القوقاز «البعيدين جغرافيا»، ولكن «القريبين جدا» من حيث تداخل الرهانات والمصالح.
ولعل من أهم ميزات هذا الكتاب هو أن مؤلفه يفتح باستمرار آفاق الرؤية إلى أبعد من إطارها المحلي، هكذا مثلا يتحدث بصدد الحرب «الاوسيتية» خلال شهر اغسطس 2008 عن أن أطرافا خارجية عديدة كان لها دورها وحساباتها في الأزمة وليس روسيا فقط .
ولكن أيضا الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا وإسرائيل والصين وإيران ويشرح «اللعبة الكبرى» في المنطقة على خلفية خارطة تواجد الغاز والبترول وحيث أن فلاديمير بوتين يريد أن يتصرف كأحد القياصرة.
ويلاحظ المؤلف على أساس نفس النهج من التحليل أن حروب نهاية القرن العشرين في القوقاز جرت في «نفس الأماكن» التي شهدتها حرب 1914-1922.
ويرى المؤلف أن الحرب الروسية ـ الجيورجية لخريف عام 2008، هي قبل كل شيء انبعاث لنزاع «مجمّد» منذ عام 1993، وأن عقدة النزاع ليست اوسيتيا الجنوبية ولكن ابخازيا.
وكان ستالين ذو الأصول الجيورجية-الاوسيتية قد قام بتنظيم عملية فرز لمنطقة جنوب القوقاز تصب في صالح «الاوسيتيين» و«الابخازيين» على أساس أنهم أكثر إخلاصا لموسكو. وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي «استيقظت عفاريت الماضي».
وهذا أمر خطير في منطقة القوقاز أكثر من غيرها بسبب ما يمثله واقعها من «موزاييك» قومي واثني. ففي جيورجيا، كما يشير المؤلف، لا يمثل الاوسيتيون والابخازيون الأقليتين الرئيستين، ولكن هناك أيضا الأقليات الازربيجانية والأرمنية والروسية.
ويضاف إلى هذا التنوع القومي والاثني تباين التوجهات على صعيد السياسة الخارجية. فجيورجيا ذات ميول أطلسية كاملة وازربيجان وارمينيا في نزاع دائم حول كرباخ العليا ولكنهما تحرصان معا على أن لا تسيئ علاقاتهما مع الولايات المتحدة لعلاقاتهما التاريخية مع روسيا وإيران. وإسرائيل نشيطة دبلوماسيا في المنطقة وقد دعمت الجيورجيين ضد الروس في الحرب الأخيرة.
كما لها صلات قوية مع أرمينيا وازربيجان.وإذا كان المؤلف يولي اهتماما خاصا لدراسة تباين التوجهات الخارجية لبلدان القوقاز فإنه لا يهمل أبدا النزاعات الداخلية، الدامية غالبا، والتي انتعشت غاليا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991. وتكتمل الصورة مع دراسة دور المجتمع المدني وتعبيراته بصناعة «الدبلوماسية من أسفل».
الكتاب: الحروب والسلام في القوقاز
تأليف: برنار دريانو
الناشر: نون ليو باريس 2009
الصفحات: 211 صفحة
القطع : المتوسط
Guerres et paix au Caucase
Bernard Dreano
Non Lieu - Paris - 2009
211P.
