تتردد على أسماعنا في أحيان كثيرة جملا مثل «أنا لست بحاجة كي أستيقظ في ساعة معينة» أو «أنا صباحي» أو «أنا مسائي»، ونشاهد ذات يوم من السنة طيور السنونو تحوم فوقنا ونفهم أن الربيع قد أصبح على الأبواب. فهل لمثل هذه الأقوال والمشاهدات مرجعيات علمية تعتمد عليها، بهذه الدرجة أو تلك؟
الباحث الفرنسي في ميدان «ضبط الإيقاع الزمني للأحياء» يقدّم كتابا تحت عنوان: «الساعات الحيّة». ويسأل بداية: هل هناك أي أثر على أجسادنا في الانتقال من التوقيت الصيفي إلى التوقيت الشتوي أو بالعكس؟
ثم من أين أتت أعراض الفروق في التوقيت؟ هذه الأسئلة كلها يقدّم لها المؤلف إجابة عريضة تتمثل في القول أن الساعات الحية ؟ البيولوجية- التي تقوم بعملية ضبط إيقاع حياتنا دون أن ندرك ذلك في أغلب الأوقات، تشكل بعدا جوهريا وأساسيا من عوالم الكائنات الحية من بشر وغيرهم والنباتات وحتى من عالم الجراثيم.
ويشرح المؤلف أن هذه «الساعات الحيّة» المسؤولة عن عمل آلية «ضبط» إيقاع الحياة، تسهّل في واقع الأمر، التأقلم مع دورات الأيام والفصول.
ووجودها هو الذي يفسّر بعض الظواهر الموسمية كالنشاط «العاطفي» لدى الحيوانات في هذا الفصل أو ذاك. وهذا الكتاب يشكل بالتحديد محاولة لشرح المنظومة الكامنة وراء التبدلات التي يعرفها الجسد بصورة ظرفية ؟ خلال هذه الفترة أو تلك من السنة ؟ أو الدائمة.
ويقول المؤلف لقارئه أنه إذا كان يقرأ ما يكتبه فهذا يعود أصلا لكون أن قلبه ينبض ورئتاه تتنفسّان «مرّة» كل أربعة ثوان، وأن «موجات كهربائية تجتاز القشرة الدماغية» بإيقاع معيّن.
ثم أنه حوالي الساعة السادسة من الصباح هناك هورمون معين «كورتيزول»، كان قد «بخّ في الدم إفرازاته» والكبد «أخذ بإنتاج السكّر» كي يحضّر صاحبه للنهوض «نشيطا» من الفراش بعد ساعة.
كما أن هذا المعمل المعقّد «الكبد» كان قد بدأ أيضا بعملية «تصنيع» عدد كبير من الخمائر «الانزيمات» الضرورية للاستهلاك خلال العمل اليومي. وهذه العمليات كلها لا تقبل الخلل، بل هي خاضعة لعملية ضبط دقيقة.
وهذه العمليات كلها تقوم على أساس ضبط «فيزيولوجي»، كما يقول المؤلف، ولكن «كثافتها» و«ترددها» يختلفان بشكل عفوي، ولكن على أساس قواعد محددة.
بتعبير آخر هذه العمليات كلها تمتلك «إيقاعا» تقوم «الساعات الحيّة» على عملية تشغيله وضبطه. وآلية الضبط نفسها تتأثر بالحالة الجسدية والنفسية لصاحبها، إذ يكفي مثلا حدوث انفعال طارئ كي تزداد سرعة نبض القلب وتردد التنفس.
بالنسبة للإنسان يحدد المؤلف القول أن أغلبية إيقاعات كل الجسد بصورها خلايا دماغية مسؤولة عن «محرّك» الضبط. وبالتالي يؤدّي خلل حمل هذه الخلايا «المولّدة»، لأسباب تتعلّق بتبدّلات في المورثات أو بسبب خلل في التطور الجيني بسبب الشيخوخة أو لإصابات دماغية، إلى عدد من الأمراض مثل فقدان القدرة على النوم الذي يعاني منه بعض الأشخاص الذين لم تعد تعمل «ساعاتهم الحيّة» بشكل صحيح.
ويحتوي هذا الكتاب جزء هاما يكرّسه المؤلف لدراسة التطورات التي عرفتها مسيرة الاكتشافات في هذا الميدان، وخاصة توصيف التجارب التي قامت بها المختبرات المختصّة بتحليل آلية عمل الأجهزة العصبية وأجهزة الضبط لدى مختلف الكائنات.
وإذا كان المؤلف يذهب بعيدا في شرح التفاصيل والعقبات التي واجهتها تلك المشارب يقدّم توصيفا للوضع الذي وصلت إليه المعارف في هذا الميدان اليوم. ويقوم المؤلف بنوع من النزعة التعليمية في تكريس نهاية كل فصل لملخص صغير يحمل عنوان: «ما ينبغي معرفته جيدا مما سبق». وتمتد الفترة التي يغطيها شرح المؤلف من عام 1790 وحتى أحدث ما وصل إليه العلم في ميدان البحث المدروس.
وفي المحصلة يؤكد المؤلف على أن جميع أنسجة الجسد الإنساني، خاصة تحتوي، كما يبدو، على «ساعات حيّة» لضبط إيقاع عمله على أساس وحدة زمنية هي اليوم بنهاره وليله. ويحدد القول أن «الشروط المفروضة على الكائنات الحية في النهار تختلف عن شروط الليل.
خلال التطور، استمرت الكائنات التي امتلكت قدرة نظرية على توقع مثل هذا التنقل، وبالتالي التحضير له بشكل أفضل، وهذا بفضل الساعات الحيّة التي تعمل على أساس اليوم بأكمله. لكن خلايانا هي في نهاية المطاف وريثة هذا التاريخ الطويل».
ويتم تحديد القول أنه لدى «الثدييات» توجد «الساعة الحية المركزية» على هيئة مركز موجود في الدماغ، وهو يعمل في ظل غياب أي مؤشر زمني خارجي ب«حرية» على أساس إيقاع خاص أعلى قليلا لمعدّل 24 ساعة بالنسبة للإنسان، والنور وتناوب الليل والنهار يسمحان بضبط «الساعة» اليومية لمدة 22 ساعة وبحيث يتم ضبط مختلف النشاطات تبعا ل«إشارات» لا تزال مجهولة الطبيعة.
في الختام، لعل عناوين فصول هذا الكتاب تشير جيدا على محتواه حيث تتحدث عن «في البدء كان النهار والليل» و«الخطوات الأولى حول العلبة السوداء» و«الزمن الذي يمضي بمعزل عن الزمن الخارجي» و«عندما تدل الحشرات والطيور المهاجرة على الطريق» و«فصول وأيام» و«فتح العلبة السوداء التشريحية» وتعدد ساعات ضبط إيقاع الحياة».
الكتاب: الساعات الحية
تأليف: اندريه كلارسفيد
الناشر: اوديل جاكوب باريس 2009
الصفحات: 317 صفحة
القطع: المتوسط
Les horloges du vivant
André Klarsfeld
Odile Jacob - Paris 2009
317P.
