الأستاذ الجامعي ومدير الأبحاث في جامعة «ويتن» الألمانية اختار لكتابه الأخير عنوانا هو «حروب المناخ»، مع عنوان فرعي يقول: «لماذا يقتلون في القرن الحادي والعشرين»؟ وهو لا يتردد في إطلاق صرخة تحذير قوية أمام «التبدّل المناخي الذي يمثل الحدث الكوني الأول حقيقة العائد للسلوك الإنساني والذي يأخذ أبعادا هائلة».
وما يؤكده المؤلف بحزم كبير هو أن العالم يسير نحو كارثة حقيقية، وهو يشبه مساره الحالي بسفينة تتجه صوب حبل جليد تعرف مكانه تماما وتعرف أنها سوف تصطدم فيه وتعرف أنه يهددها بالغرق لكنها تبدو عاجزة عن تغيير مسارها. إن «سفينة العالم» تواجه، كما يرى المؤلف، خطرا شاملا ذا نتائج لا يمكن لأحد حسابها منذ الآن.
وهي نتائج لن تكون البشر والطبيعة فحسب، ولكن لن تكون هناك وسائل للسيطرة عليها.إن المؤلف يقدّم سلسلة من الوقائع والبراهين على حقيقة التهديد الذي يواجهه العالم.
ويشرح كيف أن التغير المناخي سوف يؤدّي إلى تغيّر في توزيع ثروات الأرض ومواردها مما سينجم عنه بالضرورة نزاعات ومجابهات مفرطة في عنفها، بينما سوف تزداد حدّة النزاعات القائمة اليوم في أكثر من منطقة في العالم.
ومنذ الصفحات الأولى يؤكد هارالد ويلزر على مجموعة معطيات أساسية تتسم بها حالة العالم اليوم. وهو يؤكد أن تركّز غاز الفحم الميتان في الطبقات الجوية هو أعلى من المعدّل الذي عرفته هذه الأجواء على مدى ال650000 سنة الأخيرة. وبفعل عمليات انبعاث الغازات باستمرار سوف ترتفع درجة حرارة الأرض بحوالي 2, 0 درجة خلال كل عقد من الزمن.
كما تتم الإشارة هنا إلى أن معدّل التركيز للغازات في الأجواء اليوم مرشح للزيادة. والنتيجة المباشرة لكل هذا الواقع هي أن مستوى البحار سوف يرتفع من الآن وحتى أفق عام 2100 من 18 إلى 59 سنتمتر. أما درجة حرارة الأرض فسوف ترتفع من 1, 1 درجة إلى 4, 6 درجة.
والإنذار الذي يؤكد عليه المؤلف بمناسبات مختلفة في هذا الكتاب مفاده أنه انطلاقا من عتبة زيادة سخونة الأرض بحوالي درجتين، لن يكون ممكنا السيطرة على النتائج.
ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن المسؤولية الأكبر عن انبعاث الغازات تقع على البلدان الصناعية المتقدمة.
ويشير إلى أن كل فرد في البلدان الغربية هو وراء انبعاث ما يزيد عن عشرة أضعاف مما يخص الفرد في البلدان الفقيرة. هذا مع أن البلدان هي التي ستتأثر أكثر بنتائج سخونة الأرض. هذا فضلا عن أنها هي الأقل قدرة على مواجهة نتائج التغيّر المناخي.
وفي إفريقيا وحدها سيكون هناك، حسب الأرقام المقدمة، ما بين 75 و250 مليون نسمة لا يتوفر لديهم ما يكفي من المياه الصالحة للشرب. كما أن الإنتاج الزراعي سوف ينخفض إلى النصف في بعض المناطق بينما أن عدد سكان البشرية سوف يصل إلى 9 مليار نسمة في أفق عام 2050.
وفي الفصول الأخيرة من الكتاب يركز المؤلف على تحليل «الآثار البسيكولوجية التي سوف تترتب على سخونة الأرض.
وهو يؤكد أنه في أعماق كل كائن إنساني شحنات كامنة من العنف بحيث يمكن لأية ظروف استثنائية خارجية «تحريرها». ومن هنا يعتبر «العنف» كأحد محركات «العلاقات الاجتماعية». ويرى أن هذه هي النتيجة الأساسية التي توصّل إليها في أبحاثه «النفسية ـ الاجتماعية».
التطبيق الواقعي لمثل هذه النتيجة تجده في حالتين لهما علاقة بسخونة المناخ. الحالة الأولى تتمثل في مأساة دارفور التي تجد جذورها، برأيه، في اختفاء قسم كبير من الأراضي القابلة للزراعة مما دفع موجات كبيرة من البشر إلى ترك مناطق تواجدها بحثا عن مناطق أخرى تتوفر فيها مصادر العيش.
الحالة الثانية يحددها المؤلف في إعصار «كاترينا» الذي ضرب اورليان الجديدة في الولايات المتحدة الأميركية. هنا أيضا كانت الكارثة كبيرة وتبعتها هجرات جماعية من المناطق المنكوبة إلى مناطق أخرى.
هاتان الحالتان لن تكونا أبدا الأخيرتين، ولكن سوف تتبعهما على الأغلب، كما يؤكد المؤلف، كوارث اجتماعية جديدة «على خلفية التغيّر المناخي». فهذا التغير هو السبب المباشر في تسارع ظاهرة التصحّر وزيادة ملوحة التربة وتعاظم حموضة المحيطات وتلوّث البحيرات، الخ.
بالتالي سوف تؤدي المجاعات ونقص المياه إلى نشوب نزاعات جديدة وإلى تسريع ما يسميه المؤلف ب«الهجرات المناخية» التي ستتوجه بشكل واضح نحو «جزر الازدهار» التي تمثلها أوروبا الغربية ومنطقة أميركا الشمالية، أي الولايات المتحدة وكندا.
ويصل المؤلف من خلال هذا النهج في التحليل إلى القول أن واقع وجود حوالي ملياري نسمة من سكان الأرض يعيشون في أحوال بائسة ومع وجود خلل كبير في العلاقة بين الشمال والجنوب لصالح أغنياء الشمال، و«سيكون للعنف مستقبل زاهر».
وعن الحلول، يذكّر المؤلف بمقولة عالم الرياضيات الكبير انشتاين والتي مفادها أن «لا يمكن حل المشاكل بالاعتماد على نفس أنماط التفكير التي قادت إليها».
لذلك لا يطالب المؤلف بأقل من «ثورة ثقافية» يطرح أصحابها مسألة الطريقة التي تريد الإنسانية العيش على أساسها. والبدء قبل كل شيء بخلق «مناخ» اجتماعي أفضل. لكنه يميل للاعتقاد أن سخونة المناخ سوف تُنهي عقلانية «عصر التنوير» من الآن وحتى نهاية القرن.
المؤلف في سطور
هارالد ويلزر، مؤلف هذا الكتاب، هو أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة «ويتن» الألمانية، وهو مدير للأبحاث في هذه الجامعة. وقد أولى اهتمامه لأشكال العنف الكامنة التي قد تنفجر تحت ضغط الظروف الخارجية.
الكتاب: حروب المناخ
تأليف: هارالد ويلزر
الناشر: غاليمار باريس 2009
الصفحات: 362 صفحة
القطع : المتوسط
Les guerres du climat
Harald Welzer
Gallimard - Paris 2009
362p.
