«الحيوانات الأكثر ذكاءً في العالم» ليس كتابا مكرّسا للأطفال وليس تحقيقا مصوّرا عن الحيوانات، لكنه كتاب علمي أنجزته باحثتان أميركيتان لهما باعهما الطويل في حقل السلوك الحيواني.
وتبدأ المؤلفتان باستعراض تاريخية الاهتمام بالبحث في إمكانية أن لا يكون السلوك الحيواني هو مجرد «ردود أفعال غريزية»، لا تمتلك أي قدر من الإدراك أو المحاكمة، وحتى بالنسبة للجنس الأرقى منها المتمثل في القرود.وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن علماء الحياة «البيولوجيا» قد شرعوا منذ بدايات القرن العشرين وبدراسة سلوك بعض الأنواع الحيوانية عبر الرصد المستمر لها. وهكذا لاحظوا أن بعض الأجناس تقوم بتصرفات تنمّ عن أنها تستخدم «لغة» للتفاهم فيما بينها. وهكذا مثلا تستطيع النحلات أن تدلّ «زميلاتها» إلى مكان بعض الزهور البعيدة عدة كيلومترات عن طريق «الرقص». ولم يتردد عالم اللغويات الفريد دوسوسور، عن اعتبار أن هذا يمثل «لغة» يتم عبرها نقل المعلومات.
وحيوانات «الدلفين» البحرية تستطيع هي الأخرى عبر استخدام مجموعة من الأصوات المعقّدة التواصل فيما بينها في أعماق المحيطات. ومن المعروف أن الدلفين قادر على ممارسة بعض الحركات الرياضية. وتعرف طيور الغربان «الزاغ» كيف تجذب الدود الموجود تحت قشرة جذوع الأشجار بواسطة نوع من القضبان ومثل هذه العملية تحتاج إلى مهارة حقيقية.
هذه الحيوانات وغيرها هي التي تعتبرها المؤلفتان من فصيلة «الحيوانات الأكثر ذكاءً في العالم». ذلك على أساس أنها تنتمي إلى فئات، أو تمتلك درجات من «الوعي» بحيث أنه أصبح للبعض منها «سلوكا اجتماعيا».
بل ويصل الأمر ببعضها إلى امتلاك نوع من «الوعي الفردي بالذات» و«تعلّم أسلوب للتواصل» و«التعاون بين المجموعة». وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن بعض الحيوانات تستطيع «التعبير» عن الحالة التي نعيشها بواسطة «ما يرتسم على وجهها».
وبالتأكيد ليس جديدا الحديث عن أن بعض الحيوانات تمتلك قدرا هاما من الذكاء. ولكن مثل هذا الرأي قوبل دائما بنوع من الشك، كما تشير المؤلفتان، ذلك على خلفية صعوبة إمكانية التحقق من الإجابة القاطعة المانعة في اتجاه أو في آخر.
ولا شك أيضا أن هذا الكتاب يمثل جهدا علميا نحو محاولة فهم «الذكاء» الحيواني بحيث يتم تقديم البراهين على أن بعض الحيوانات قادرة على «التفكير» على «حل المشاكل» و«استتباب أشكال جديدة من السلوك بل وقائمة الحيوانات التي يتم التعرض لدراسة مؤشرات ذكائها طويلة، ومن بينها القرود والدلافين والفيلة والفئران والأحصنة والنحل والأسود وكثير غيرها».وتتم دراسة السلوكيات الحيوانية التي تمتلك قدرة ما من السلوك غير الغريزي بشكل كامل، عبر درجة ونوعية «إدراكها».
وهذا ما يجد صداه في فصول الكتاب السبعة التي يخص كل مها درجة «ذكاء» الحيوانات المعنية بها. وتحمل هذه الفصول العناوين التالية: «استخدام الأدوات» و«القدرة على التواصل» و«التقليد والتعلّم الاجتماعي» و«المرآة والتعرّف على الذات» و«الكفاءات الحساسة» و«دراسة اللغات الحيوانية» وأخيرا: «التعاون والاهتمام بالآخر».
ويتم تحديد أن أهداف العمل بالإجابة على أولئك الذين يشككون من وجود أي ذكاء حيواني، وذلك عبر تبيين كيف تتواصل الحيوانات فيما بينها وكيف «تتعلم هذا النمط من السلوك أو ذاك وكيف تستخدم الآلات، وذلك كله وصولا إلى كيف يمكن لبعض الأنواع الحيوانية أن «تتعلم» لغة أجنبية.
تجدر الإشارة إلى أن الباحثتين الأميركيتين قد درستا خلال سنوات عديدة سلوكية القرود. ومن هنا تحتل هذه جزءً هاما من تحليلات الكتاب. كما تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الصور العديدة التي ترافق الشرح هي ذات قيمة توضيحية عالية مثل تلك التي تخص عملية طرد الفيل للذباب «الذي يتكاثر عليه خلال بعض الفترات ويثير ضيقه».
وفي هذا الكتاب يستطيع القارئ العادي أن يفهم كيف أن أرتال النمل بفضل ما تمتلكه من «قدرات حسابية رقمية» تعرف دون عناء العودة إلى النقطة التي انطلقت منها .
وتشرح المؤلفتان أن النمل يمتلك نوعا من «العدّاد الداخلي» الذي يسمح للنملة أن تحسب بقدر كبير من الدقة المسافة التي عليها أن تقطعها للوصول إلى حيث انطلقت. وقد تمّ الوصول إلى هذه النتيجة عبر ربط أجهزة لحساب الخطوات بأرجل النمل حيث تبيّن أنها نفس العدد من الخطوات بوجود الأجهزة وبدونها.كذلك يمكن للقارئ معرفة كيف يستطيع حصان «ذكي» اللجوء إلى الحساب وكيف «يعبّر» السنجاب عبر اللجوء إلى بعض الأصوات والصفير.
وهذا كله عبر الجمع بين ملاحظة «القدرات الطبيعية» لدى الحيوانات المعنية في وسطها وبين المعطيات العلمية لقياس الذكاء من أجل تحليل سلوكيات الحيوانات «غير الداجنة» في مواجهة أوضاع محددة. والقارئ مدعو للمشاركة في الملاحظة والتحليل.
المؤلفتان في سطور
تحمل سيللي بوازن، مؤلفة هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه في حقل البسيكولوجيا المقارنة، والأعمال التي قامت بها حول «ذكاء» قرود الشامبانزي نالت شهرة عالمية. لها العديد من الدراسات وعرضت شاشات التلفزيون نتائج بحوثها.
والمؤلفة الثانية ديبورا كوستانس هي أيضا دكتورة في علم النفس المقارن ولها العديد من الأبحاث المنشورة في الدوريات العلمية العالمية. وكانت قد تولّت إدارة عدّة برامج حول قدرة الحيوانات على «التعلّم».
الكتاب: الحيوانات الأكثر ذكاء في العالم
تأليف: سيللي بوأزن ديبورا كوستانس
الناشر: فايرفلاي نيويورك 2009
الصفحات: 192 صفحة
القطع : الكبير
The smartest animals on the planet
Sally Boysen, Deborah Custance
Firefly - New York - 2009
192P.

