ينطلق الكاتب الأميركي من أصل صيني ها جن في مجموعته القصصية الصادرة مؤخراً بعنوان «سقطة طيبة» لمواصلة استشرافه الماهر والمتعمق للصراعات التي يخوض غمارها المهاجرون إلى أميركا، وهو يركز في قصص المجموعة الاثنتي عشرة على شخصيات متنوعة اجتماعياً واقتصاديا تعيش وتعمل في حي فلشنج في كوينز بنيويورك.

ويضم هذا الحشد من الشخصيات مساعدة صحية تحاول أن تتجنب تحرشات عجوز يتعرض لنوبات من العته من دون أن تفقد عملها في القصة التي تحمل عنوان «خطة معاش».

ونقابل مدرساً خصوصياً في قصة «اختيار» ونراه قد تورط في قصة حب ثلاثية مع تلميذته وأمها، وتصادف أستاذاً جامعياً يستبد به القلق إزاء خطأ لغوي وقع فيه في كلمة واحدة في الطب الذي تقدم به للعمل في منصب أكاديمي، وذلك في قصة «أستاذ لغة إنجليزية».

وبالنسبة لهؤلاء القادمين الجدد إلى أميركا فإن العلاقات والوظائف تبدو ثمينة ومتقلقلة في آن وترتبط إحداها بالأخرى، وتبدو في بعض الأحيان معلقة بشعره واهية، يمكن أن تنقطع في أي لحظة.

وتبدو الروابط بين الزوج والزوجة والوالد والابن، التي يفترض أنها أكثر قوة ومتانة في الصين، عرضة للتمزق في كوينز، وها جن، الذي عرف تقليدياً ببراعته في اجتذاب القراء إلى قصصه يستهل قصته «الأبناء باعتبارهم أعداء» بعبارة تظل عالقة طويلاً بذهن القارئ وتفرض عليه الإمعان في تأملها، حيث يقول: «أحفادنا يكرهوننا».

وشخصيات ها جن المهاجرة التي تفتقر إلى عناصر الدعم التقليدية في مجتمعاتها تواجه في أميركا نقاط ضعفها في غمار ما يقترب. من العزلة، ويحدثنا الجد الراوية في هذه القصة قائلاً: «هذه هي أميركا، حيث يتعين علينا الاعتماد على النفس والاهتمام بأمورنا».

والنجاح في أميركا التي يصورها لنا ها جن على امتداد المجموعة يتم تحديده من خلال السيولة الباردة والقاسية، ومن هنا فإن الأستاذ الجامعي، الذي يتوقع طرده من الجامعة نتيجة خطأ في كلمة واحدة في طلب تعيينه، لا يتردد في تأمل البدائل التي سيلجأ إليها في حالة حدوث ما يتوقعه، ومن بينها العمل كبائع متجول للموسوعات ودوائر المعارف والقواميس.

وهو يردد في ذلك أصداء ما يقوله لنا الجد الساخط: «هذه هي أميركا، حيث لا وجود لعال أو منخفض بين كل المهن طالما أنك يمكنك الحصول على راتب كبير».

وشخصيات ها جن تخوض طريقها عبر المفارقة والغموض، فالأسطح خادعة وتخفي أسراراً مهمة. وفي قصة «الجميلة» وهي أقرب إلى حكاية شعبية حافلة بالحكمة نجد أنفسنا في مواجهة زيجة يكتنفها سوء الفهم، وتراوغ الحميمية والحقيقة الشخصيات، ولكن مثلما في رائعته «الانتظار» فإن التحول المفاجئ في المنظور في لحظة مهمة يمكن أن يغير كل شيء.

ويصورها جن حي فلشنج باعتباره مطهراً للمهاجرين، ملاذا يكتنفه الخطر، وهنا ليست اللغة الانجليزية بعد لغة مشتركة، ويظل الترحيل خطراً مرهوب الجانب، ويمكن للالتزامات حيال الوطن الأم أن تعرقل تقدماً اقتصادياً هشاً.

ومن الحتمي أن تتصادم الأعراق والاحتياجات، مفسحة المجال لبروز أعراف جديدة، والرجال والنساء الذين انفصلوا عن أقاربهم في الصين ربما يشكلون عائلات كتلك التي تتشكل في زمن الحرب، وتمنح العزاء والعاطفة..

وفي قصة «حب مؤقت» نجد أن بانين، الذي تخلت عنه حبيبته لينا عندما يصل زوجها أخيراً إلى نيويورك، ويقول لها: «لم يكن بمقدورك أن تنزعي عتقك من نير الماضي». وفي وقت لاحق سترد عليه قائلة: «من دون الماضي كيف يمكننا فهم معنى الآن»؟.

وفي القصة التي منحت المجموعة عنوانها، وهي القصة الأخيرة، نجد أو راهبا بائساً يعمل معلماً للكونغ فو يسلبه رب عمله أجره، ويواجه خطر الترحيل.

وفي غمار البأس يقفز من أحد المباني، ولكن بفضل تدريبه على الفنون القتالية فإن محاولته الانتحار تتحول إلى «قطة طيبة» وهي عبارة تستحضر أصداء مفهوم ملتون عن سقطة الإنسان التي واكبها حسن الطالع من البراءة إلى التجربة. والصين ليست فردوساً مفقوداً، وأميركا بدورها لها مشكلاتها، ولكن هذه القصة والمجموعة بكاملها تحتفي بصمود المهاجر، بشجاعة معانقة الكارثة والارتطام بالرصيف ومواصلة السير نحو مستقبل أكثر إشراقاً.

وفي هذه القصة على وجه التحديد تتوقف عند عمق إدراك الراهب الشاب للمفارقة في الحلم الأميركي، وهو يحدثنا عن الناس: «الذين يتباهون بالفرصة التي يتم العثور عليها في أميركا، ولكنهم لا يكشفون عن المشقة التي اجتازوا غمارها هنا».

وشأن العديد من أعمال هاجن السابقة، فإن مجموعته الجديدة ظفرت بقدر كبير من الاحتفاء والإشادة من الكثير من النقاد والصحف والمطبوعات المتخصصة.

وتصدرت مطبوعة «بيلشرز ويكلي» هذا الحشد بمبادرتها إلى القول: «بوضوح مذهل يستكشف جن التحديات، الوحدة، التسامي المرتبط باكتشاف مكان المرء في أميركا».

وبالإيجاز نفسه تقول: «إنترتينمنت ويكلي» عن هذه المجموعة إنها: «رائعة» إحدى أقوى المجموعات القصصية الصادرة أخيرا والتي تتميز بثراء نسيجها وتقديمها لوحة جذابة للفنان باعتباره مهاجراً صينياً».

وتشير مطبوعة «لايبراري جورنال» بدورها إلى أن: «جن يمسك مجدداً بأدق التفاصيل ليقدم صوراً ذات أصداء فريدة لأناسي الحياة اليومية».

أما صحيفة «هوفنغتون بوست» فتقول: «ربما كان هذا العمل هو أفضل عمل أصدره جن حتى الآن، وغالباً ما تحلق هذه القصص إلى الآفاق الأسطورية التي نتوقعها من سينفر أو مالمود أو أوكونور».

وتقول «أتلانتا مجازين» عن هذا العمل: «في مجموعة القصص الجديدة هذه يتأمل بروفسور ها جن حياة المهاجرين الصينيين في أميركا، مبدعاً كل صورة هاربة بدقة بالغة واهتمام بالتفاصيل يثير الدهشة من جانب قادم جديد إلى الكتابة باللغة الانجليزية».

وتشير مطبوعة «بوك بيج» إلى أن: «هذا العمل يضم كل خصائص الأعمال التي جعلت هاجن أعظم كاتب على قيد الحياة في بوسطن».

وبدورها تقول صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»: «يواصل جن استكشافه الماهر والعميق لصراعات المهاجرين. والمجموعة ككل تحتفي بصمود المهاجرين وشجاعتهم وقدرتهم على مواجهة الحياة ومواصلة المسيرة بمزيد من التفاؤل».

وتؤكد مطبوعة «إيشيان ريفيو أوف بوكس» لقرائها أن هذا العمل: «لا ينبغي ان يفوت، وقد كتب بصورة جميلة ومتألقة ومراوغة، ومع ذلك فهو يتسم بالدقة، ويوضح النضال اليومي في حياة المهاجرين، وفي نهاية المطاف الأمل الذي يمكن ان يجيء مع البدء من جديد».

أما موقع «بارنز أند نوبل» المتخصص في عروض الكتب فهو يرى في هذه المجموعة من القصص التي أبدعها هاجن أنها الأفضل على امتداد فترة طويلة.

ومن المؤكد ان بوسعنا ان نمضي طويلاً على هذا النحو في سرد إشارات النقاد بهذه المجموعة، غير ان ذلك لا ينبغي ان يحجب عن عيوبها، وهي عيوب لا موضع لإنكارها، وليس بالإمكان حجبها عن العيون لأنها قائمة وموجودة.

ربما كان من أبرز هذه العيوب التي تشوب المجموعة أنها خلافاً لرائعتيه المتوجتين بالجوائز «الانتظار» و«نفاية الحرب» فإن هذه القصص تبدو في بعض الأحيان دراسات كارتونية للمهاجرين الصينيين إلى أميركا، يتم إطلاقها عبر وفرة من النثر الممزق عمداً ليبدو كما لو كان ترجمة مرتبكة لفيلم أجنبي.

ومن ناحية أخرى فإننا نلاحظ ان القصص الأثنتى عشرة تدور جميعها حول أفراد يكافحون ويدورون في فلك الحياة في بلد يعد بالثروة وبحياة مريحة على نحو أكبر، والجميع يصارع عناصر معقدة مثل العزلة العاطفية والتمزقات الايديولوجية والاغتراب عن هذه الأرض الجديدة والغريبة، والكل يتوق إلى ذلك الشعور بالانتماء والأمن الذي تعرضت للفقدان في غمار عبور المحيط، لكننا نظل في كل الأحوال بعيدين تمام البعد عن الاقتراب من لمحة من تحقق هذا كله من عدمه، ربما لأنه في الغالبية الكاسحة لا يتحقق من هذا الحلم إلا هوامشه الكابوسية.

وهذا قول جميل حقاً، ولكن لكي نقتنع به علينا أن ننسى الحقيقة التاريخية المروعة، ان الصينيين في أميركا تعين عليهم ان ينتظروا حتى منتصف القرن العشرين، قبل ان يتحقق لهم قانوناً أن يعاملوا بحد أدنى من الإنصاف في أميركا التي طالما تشدقت بالحديث عن قيم الحرية والعدل والمساواة.

الكتاب: سقطة طيبة

تأليف: ها جن

الناشر: بانثيون

نيويورك 2010

الصفحات: 256 صفحة

القطع: المتوسط

A Good fall

He jin

Pantheon, ny. 2010

256P.