«استسلمت دمشق تماماً لوحش المال، رفعت كل راياتها البيضاء، وكأي أنثى ضعيفة منكسّرة وقعت بين يدي مغتصبين هائجين، كان استسلامها تاماً من دون أية صرخة أو صيحة استغاثة، من دون أية مقاومة أو عنف».

هكذا تصف الكاتبة إيمان وردة، في روايتها الأولى «للحب وقت.. للبقية وقت»، الصادرة عن دار الطليعة الجديدة، دمشق2009 ، العاصمة السورية دمشق، بعد أن تفتح سجل المتغيّرات التي طرأت عليها خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مستعينة بمصائر ثلاث شابات جمعتهن الدراسة الجامعية أواخر سبعينات القرن الماضي، فانزلقن في تجارب الحياة إلى مواقع غريبة، لم تكن في حسبان ذاك الجيل الذي آمن بفكر اليسار والحرية الفردية.«استسلمت دمشق تماماً لوحش المال، رفعت كل راياتها البيضاء، وكأية أنثى ضعيفة منكسرة، وقعت بين يدي مغتصبين هائجين»اتبعت الكاتبة أسلوب القص التدويني في رصد التفاصيل، واستفادت من توظيف ذكي لسارد خارجي، انشغل بتوصيف الشخصيات والحالات والأمكنة، كما قسّمت الأحداث والمنعطفات الأساسية في ستة فصول، سمتها «لقاءات».

حيث افتتحت كلا منها بتحديد المكان والتاريخ، وبدأت من اللقاء الأول في جامعة دمشق، مبنى شؤون الطلاب 1978، مروراً باللقاء الرابع، مطار دمشق الدولي 1995، وانتهاء باللقاء السادس في منتجع البيت الدمشقي 2007.

وهو ما أضفى على الرواية طابعاً واقعياً صرفاً، اقترب من صيغة التوثيق الأدبي في غالب الأحيان، بحيث كان القارئ أمام شاهد حي يدوّن انطباعاته وملاحظاته على مرحلة من التحولات الصاعقة.

حبكة مغايرة على خلاف البنية الأفقية لعمارة الرواية وتسلسلها الزمني المنطقي، حملت الشخصيات الرئيسة مكونات نفسية واجتماعية متعددة المستويات، كانت الأساس لبروز إشكالات وبؤر انقلابية ذات دلالات عامة، ما جعل المسار الخطي يغتني بأبعاد ومؤشرات مفاجئة ومدهشة في كثير من الأحيان.

وبدأت سيرورة حيثيات وماهية الشخصيات مع أحلام ابنة موظف محترم في وزارة النفط بحمص، اعتنقت الفكر اليساري بتأثير شقيقها الأكبر قاسم، الذي يدرس الاقتصاد في ألمانيا، وحسب وصف الكاتبة، تبرز لنا مواصفات هذه الفتاة، في ظهورها الأول، بينما هي أمام مبنى شؤون الطلبة في جامعة دمشق، فتاة سمراء، قصيرة، وشعرها مجعد.

عيناها عسليتان تضجان بالحيوية والفرح والجرأة، وترتدي بنطال جينز مع كنزة سوداء وحذاء رياضي، إذ تمسك بيد حبيبها سعيد بينما تنجز إجراءات التسجيل في كلية الهندسة المدنية.

رسمت الكاتبة في عكسها لعالم شخصيات الفتيات بطلات روايتها، شبكة واسعة من العلاقات الأسرية والاجتماعية التي اضطربت بتراجع القي والشخصية الثانية في بيت الفتيات، هي زينب، ابنة تاجر ومزارع من منطقة ريف حماة: جميلة، نحيلة، بيضاء شفافة، وعيناها زرقاوان، ووجنتاها بلون الدم. تلم شعرها الأشقر بجديلة تداعب خصرها، وأتت إلى الجامعة لتسجل في قسم الأدب الانجليزي.

أما الشخصية الثالثة فهي شغاف: سمراء، جميلة، ووالدها مسؤول في الدولة، اشتهر بعلاقاته النسائية، ووالدتها أيضاً عرف عنها الارتباط بعلاقة مع مسؤول كبير، ما أدى إلى مقتل الأب. وفي سيارة شغاف الفخمة، وهي في طريقها للتسجيل في كلية الصيدلة، نقرأ أول توصيف أدرجته الكاتبة وردة حول مدينة دمشق أواخر السبعينات:

«شوارع جميلة عريضة، أشجار عتيقة، وبيوت تعبق برائحة الثراء، دمشق جميلة، وأجمل ما فيها قلبها الأصيل الأخضر المترع برائحة النارنج والكباد والياسمين والورد والجوري، قلبها المليء بالبيوت العربية والأبنية الدمشقية الأصيلة». لكننا سنجد لاحقاً في محطات ووقفات متنوعة، أن هذا الجمال سوف ينقلب إلى قبح خالص على مستويي المكان والشخصيات في الفصول التالية.

نهايات بداية

جميع شخصيات الفتيات تشترك في قربها من التجمعات اليسارية، وعشن في ضوء هذا تجارب حرية الجسد، ومع انتهاء مرحلة الدراسة الجامعية تخرجّن بنجاح وتزوجّن عن حب، فانخرطّن في الحياة العملية، لتبدأ مرحلة جديدة من التحولات، يتضح لنا فيها زواج أحلام من زميلها ماهر، الذي قبض عليه بعد شهور من زواجهما، وأُودع المعتقل السياسي، وحين خرج لم تعد العلاقة بين الطرفين إلى سابق عهدها، فتحوّل ماهر إلى الشذوذ الجنسي، وبالمقابل وجدت أحلام طريقها إلى تجمع «القبيسيات»، فأصبحت من أهم الناشطات في إطاره.

وفي شأن زينب نتلمس في حبكة الرواية مساراً خاصاً لها في الحياة، إذ تزوجت من ابن عمها، وعملت في التدريس، ثم في دار للترجمة بعد سفره للاختصاص في بريطانيا، بهدف أن تعيله وتعيل أسرتها، لكنه حين عاد، ضاقت ذرعاً من خياناته لها، فطلّقته وعاشت وحيدة بعد أن كبر أولادها، وذهب كل منهم في طريق حياته المستقلة.

وأخيراً يبدو لنا اتجاه خط الحياة مع شغاف ليس بعيداً عن زميلاتها، حيث تزوجت من زميلها الثري عامر، لتعاني من خياناته المتكررة، ما اضطرها أن تطلّقه في نهاية المطاف، إلا أنها وقعت في حب غامر إثرها، وهي في عقدها الخامس.

شرحت وردة مختلف التحولات التي اعترت دمشق بناسها وأحيائهامن خلال تقلبات مصير هؤلاء النسوة المتعلمات والعاملات، رسمت الكاتبة شبكة واسعة من العلاقات الأسرية والاجتماعية التي اضطربت بتراجع القيم والمبادئ العامة، لترجح كفة المصلحة الشخصية الضيقة، فتفتح عبر تجسيداتها، العديد من الملفات الساخنة ذات الصلة بتغير المفاهيم، كعودة السافرات إلى الحجاب، وانتشار ظاهرة النساء «القبيسيات» والتطرف الديني، وانتشار ظاهرة الخادمات الأجنبيات المقيمات من كل لون وجنسية، مثل العودة إلى زمن الرقيق، إضافة إلى انتشار الفنادق الخاصة بترفيه الأثرياء وإمتاعهم.

قص روائي ذكي يتقصى المتغيرات الاجتماعية من خلال تجارب شخصية حية وواقعية.

الكتاب: للحب وقت للبقية وقت

تأليف: إيمان وردة

الناشر: دار الطليعة الجديدة دمشق 2009

الصفحات: 183 صفحة

القطع: المتوسط

تهامة الجندي