يتجسد أبرز ما يرصده الباحث «السيد يسين» في كتابه «شبكة الحضارة المعرفية.. من المجتمع الواقعي إلى العالم الافتراضي»، الصادر عن سلسلة العلوم الاجتماعية- هيئة قصور الثقافة 2009م، يتمثل في عكس تلك المتغيرات المجتمعية الجذرية التي بدأت تتشكل ملامحها مع الشبكة العنكبوتية (الانترنت)، في شتى أشكالها وبناها.

تتلخص ملامح محاور رصد الكاتب في مجموعة من المتغيرات، أدرجها في:«تحولات المجتمع العالمي»، و«من الحداثة إلى العولمة»، و«الأمن النسبي إلى مجتمع المخاطرة العالمي»، و«سقوط النموذج القديم للأمن القومي، و«صعود نموذج جديد هو الأمن القومي المعلوماتي»، وأخيراً «نحو حضارة عالمية جديدة».المجتمع المعلوماتي الكوني يتسم بالمنفعة المعلوماتية ومعه أصبحت صناعة المعلومات مهيمنة على البناء الصناعي. الهوية والعولمة ونجد أن يسين يتابع الاستشهاد بآراء «كاستلز»، ليرى أن الهوية «عملية بناء المعنى استنادا إلى سمة ثقافة ما»، ثم يصر على نقطة التمييز بين ثلاث هويات في هذا الخضم، فالهوية الأولى هي تلك التي تستند إليها المؤسسات في المجتمع، بينما تخص الثانية جماعة تخشى من هيمنة المؤسسات.

وتحوز الثالثة معيارا مختلفا، إذ تصيغها مجتمعات محلية أو «كوميونات»، لتكون بمثابة وسيلة لمواجهة قهر ما، وذلك مثل حال المقاومة الفلسطينية تجاه مؤسسات إسرائيل.المجتمع الحديث بات يتعرض لمخاطر نتجت عن التخلخل الجوهري في بنية التنظيم الاجتماعي، وهي الذرية والبيئية والصحية والأمن الوظيفي.

ويتعقب الكتاب في فصوله حيثيات وتشابكات هذه القضية كاملة، فيتناول ما يسميه بـ «المجتمع الشبكي»، ونلمس في هذا الشأن رأيا خاصا للكاتب، يفيد أن مجتمع المعلومات العالمي (أو المجتمع الشبكي)، دفع، بعد غزارته، بعض الباحثين نحو محاولة رائدة لإعداد خارطة للتراث العلمي بالمجتمع الجديد في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، وأبرز هؤلاء «ايزابيل الفاريز» و«برنت كيليورن» اللذين حاولا رسم خارطة تقوم على ثلاثة أبعاد، أولها الموضوعات، فهم يناقشون خمسة موضوعات:

(العولمة- الموضع، بمعنى أماكن الأشياء ومفاهيم الناس- التفاعل، ويشير إلى طبيعة الاتصالات بين الناس-التفريد، ويعني الحفاظ على الهوية أو المفاهيم- المعلومات، وتشير إلى الأفكار التي يقدرها الناس). أما البعد الثاني، فهو المنظورات (التكنولوجي-السياسي/الاقتصادي-الاجتماعي- التعليمي)، وتجسد رؤى العالم البعد الثالث.

ويفرد الكاتب فصلا موسعا بعنوان «من الحداثة إلى العولمة»، يشرح كيف تنتقل الإنسانية الآن إلى صياغة مجتمع جديد (مجتمع المعلومات)، وأبرز ملامحه، إنتاج المعلومات وتداولها من خلال الحاسوب الذي أحدث ثورة فكرية، بالإضافة إلى الأقمار الصناعية والبث التليفزيوني العالمي، ليحل هذا المنوال قدرة وقوة التأثير على الثقافات المحلية في ظل تلك الثورة في الاتصالات والمعلومات، والتي برز خلالها مصطلح «الوعي الكوني».

ومن وجهة نظره، فإن هذا المجتمع المعلوماتي الكوني يتسم بالمنفعة المعلوماتية (على شكل شيكات وبنوك المعلومات)، وأصبحت صناعة المعلومات فعليا مهيمنة على البناء الصناعي، وهو ما يدعو الكاتب للتشديد على أن المفهوم السياسي سيتحول إلى التأليف الخلاق بين عناصر المجتمع، ليتشكل البناء الاجتماعي من مجتمعات متعددة مختلفة ومتكاملة أيضا بطريقة طواعية، فيستفحل بمؤدى هذا، وكنتيجة حتمية، شيوع قيمة الاستهلاك أو الإشباع، فتبدأ ذروة المجتمع المعلوماتي مع المشاركة الجماعية في إنتاج المعرفة.النموذج القديم للأمن القومي سقط جراء صعود وهيمنة «الأمن القومي المعلوماتي».

تخلخل جوهري

كما يبحث يسين في بوتقة مفاعيل وتراكمات تلك المتغيرات، جوانب مخاطر العولمة، مبينا أنه إذا كان المجتمع معرضا للمخاطر طوال تاريخ البشرية، فإن المجتمع الحديث بات يتعرض لمخاطر ذات نمط خاص، نتيجة التخلخل الجوهري في بنية التنظيم الاجتماعي، ويعدد هنا مجموعة كبيرة من أنواع تلك المخاطر، تتمثل في: المخاطر المصنعة (مثل المفاعلات الذرية)، مخاطر البيئة (نتيجة تدخل الإنسان في التوازن البيئي)، والمخاطر الصحية (مثل ظهور أمراض جديدة).

هذا إلى جانب مخاطر أخرى برزت في المجتمعات الآن ومع التكنولوجيات الجديدة(تغير أنماط العمالة والاستخدام)، إذ بات يفضل من هو مؤهل بحرفية التقنيات الجديدة، مما نتج عنه الإحساس العام بعدم الأمن الوظيفي.ويقودنا الباحث ياسين إلى نتيجة أخرى أعمق وأكبر، لا مفر من تحققها في ضوء انصهار وتضاعف المخاطر السابقة.

حيث يشير انه تمخض عن هذا الواقع فعليا سقوط النموذج القديم للأمن القومي، جراء صعود وهيمنة نموذج جديد هو «الأمن القومي المعلوماتي»، ويبين بهذا الشأن أننا نستطيع فهم السبب برد العملية إلى ثورة الاتصالات والأقمار الاصطناعية.

ولا يفوت الكاتب مع المحطات الختامية في كتابه، أن يقارن ويعلل في خطورة هذه القضية المطروحة على مختلف الدول، فيلخص واقع المفارقة والخطورة معا في هذا الصدد، أن أكبر دولة في المعلوماتية وتقنياتها(أميركا)، هي أول دولة تتعرض لعملية إرهابية، ما زالت غامضة التفاصيل، هدفت إلى ضرب كل رموز مراكز القوة فيها، الأبراج( كرمز اقتصادي)، والبنتاجون (كرمز سياسي).

المؤلف في سطور

السيد يسين السيد محمد، كاتب ومفكر اقتصادي مصري. من مواليد أدفا-مركز سوهاج، حاصل على الدكتوراه في علوم الاقتصاد والسياسة. عمل مديرا لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ومساعداً في وزارة الخارجية.

ومديراً في وزارة البحث العلمي.لديه مؤلفات عديدة، ويعد صاحب دور بارز في توضيح فكرة العولمة.ويكتب حاليا في جريدة الأهرام، ويعمل مستشاراً في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام، وأستاذاً لعلم الاجتماع السياسي في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية.

الكتاب: شبكة الحضارة المعرفية.. من المجتمع الواقعي إلى العالم الافتراضي

تأليف: السيد يسين

الناشر: سلسلة العلوم الاجتماعية هيئة قصور الثقافة2009

الصفحات: 310 صفحات

القطع: الكبير

السيد نجم