يتألف كتاب «الفكر العربي الإسلامي ـ من تأويلية المعنى إلى تأويلية الفهم» لمؤلفه مختار الحلفاوي، من مجموعة من الدراسات والمقالات التي تحاول تطبيق النظريات التأويلية العالمية، على النصوص العربية القديمة والحديثة، في مختلف المجالات الفلسفية واللغوية والأدبية والصوفية والدينية، من أجل بناء نظرية عربية في التأويل والفهم.

فالكاتب يعتقد أن الثقافة العربية الإسلامية تعاني من غياب الأدوات والآليات المنهجية للعلوم الإنسانية الحديثة، في مجالات التأويل والتفسير. ويفسر الكاتب هذا الغياب باستمرار الاعتقاد في سلطة النصوص وقداستها وتعاليها، الأمر الذي أدى إلى ترسخ ما يسميه بـ «تأويلية المعنى» وغياب ما يسميه بـ «تأويلية الفهم». ولذلك فإن الكتاب يعد محاولة للخروج بالفكر العربي الإسلامي، من تأويلية المعنى حيث يسود التمركز حول الحقيقة المطلقة والانغلاق داخل بنية المعنى، للوصول إلى تأويلية الفهم التي تمتح مصادرها من النظريات التأويلية المعاصرة، ولا سيما عند شلاير ماخر ودلتاي وغادامير.

ويبدأ المؤلف كتابه بتناول قضية التفسير القرآني في ضوء نظرية التأويل التي تعتمد على المعنى، ليجد أن التفسير لدى كل المفسرين ينطلق من اعتقادهم المسبق أن لكل شيء معنى خفيا يقبع خلفه.

وأن هذا المعنى سامي وروحي ومفارق، وأن لكل نص ديني معنى واحد مطلق، لا بد لجميع المسلمين معرفته والالتزام به. وهذه النقطة الأخيرة هي المسؤولة، بنظر المؤلف، عن ظهور الدوغمائية والتعصب وتكفير الآخرين في الثقافة الإسلامية.

وللخروج من مأزق التفسير الباحث عن المعنى، يقترح المؤلف اعتماد التفسير الباحث عن الفهم. ويقوم التفسير الفهمي على إدراك أن تفسير النصوص وتأويلها يتغير بتغير الأزمنة والأحوال والمزاج والوضعية النفسية والظروف السياسية والاجتماعية بالإضافة إلى مستوى تطور العلم وغايات المفسرين وانتماءاتهم العقائدية.

وعلى ذلك يتحول المتلقي أو المؤول إلى جزء أساسي من معنى أي نص، بحيث يدخل المؤول كلاعب أساسي في عملية صناعة معنى أي نص، وذلك بحسب غاياته وثقافته ومصنعه الاجتماعي والسياسي.

وهذا يعني في النهاية أن «تفسير النصوص المقدسة» عملية بشرية ليست مقدسة تدخل فيها عوامل ومصالح وخلافات أيديولوجية كثيرة.

وأما تأويل معاني القرآن عند المتصوفة فإنه يذهب باتجاه التجريد المطلق، حيث رفض متصوفة الإسلام التأويل عن طريق اللغة والنحو والشريعة، لأن القرآن خطاب يعلو على قوانين العلوم وعلى قواعد علم الكلام، وبالتالي لا يبقى أمام المتصوفة إلا الطريق الذوقي أو العرفاني، لأن بلاغة البيان في النصوص المقدسة تعلو على قدرة البيان عند الإنسان.

وتبعاً لهذا التأويل فإن المعاني الحقيقية لا تظهر إلا لفئة قليلة خصّها الله وميزها عن الآخرين، وهذه الفئة هي فئة الزاهدين العابدين الصالحين وهذه مرتبة لا ينالها إلا المتصوفة.

وأما حال التأويل في الفلسفة فإنه بقي يدور بين التفسير الظاهر والتأويل الباطن. ويستعين المؤلف بقصة حي بن يقظان الفلسفية للتأكيد على أن التفسير الفلسفي الإسلامي حاول التأسيس للعقل التاريخي وإقصاء العقل التأويلي. فقد ذهب فلاسفة المغرب العربي في العصور الوسطى، إلى أن التأويل يفرّق بين الناس ويزيد في اختلافاتهم، وقد يصل بهم إلى حد تكفيرهم لبعضهم البعض.

ولذلك دعا الفلاسفة، منذ ذلك الزمن، لاعتبار الشرائع المصاغة بالألفاظ والكتب والبنوات النصية، على أنها ظواهر دنيوية سياسية لا علاقة لها بالغيب، لأن كل ما يلفظ به البشر وضعي لا علاقة له بالمتعالي الميتافيزيقي.

ويختم المؤلف كتابه، بتقييم تجربة كل من الجابري وأركون في تأويلهم للتراث الإسلامي، إذ اطلع كل من المفكرين المذكورين على التأويلية الغربية ودرساها وحاولا الاستفادة منها، في تحليل ونقد التراث الإسلامي، سواء كان هذا التراث فقهياً أم صوفياً أم فلسفياً.

وفي المقارنة التي يجريها الكاتبان الجابري وأركون يجد أنه وبالرغم من التشابهات الواضحة في مشروع كل منهما إلا أن هناك اختلافات في المنهج و أفق الأسئلة والمسلمات.

فإذا كان الجابري يحلل التراث الإسلامي للكشف عن الثوابت البنيوية للثقافة العربية، فإن أركون حاول التأكيد على أن العقل الإسلامي يعيش على هامش التاريخ، عندما يستبد به المقدس ويتنكر للمناهج العلمية.

يحاول المؤلف في نهاية الكتاب أن يبلور رؤيته التأويلية للفكر الإسلامي، بالتأكيد على أنه ليس هناك خطاب بلغة بشرية خارج التاريخ، بما في ذلك الخطاب الديني.

وأنه لا بديل عن إخضاع التراث الإسلامي للمناهج العلمية الغربية المعاصرة، فهذه المناهج هي القادرة على الانتقال بالفكر الإسلامي من غيبيات المعنى و لا تاريخيته إلى الامتثال للعقل التاريخي.

الكتاب : الفكر العربي الإسلامي من تأويلية المعنى إلى تأويلية الفهم

تأليف : مختار الحلفاوي

الناشر : عالم الكتب الحديث عمّان 2009

الصفحات : 326 صفحة

القطع : متوسط.

رشيد الحاج صالح