بادرت صحيفة «بوسطن غلوب» إلى إجراء هذا الحوار مع الكاتب الأميركي من أصل صيني ها جن، حيث ألقى الضوء على عودته إلى القصة القصيرة عبر مجموعته الجديدة بعنوان «سقطه طيبة»، وأشار إلى أنه أعد للكتابة عن تجربة المهاجرين الصينيين إلى أميركا في قالب القصة القصيرة منذ وقت طويل. وفيما يلي نص المقابلة:
كيف عدت إلى قالب القصة القصيرة؟
كنت قد اعتزمت منذ وقت طويل كتابة قصص قصيرة عن تجربة المهاجر، وبالتالي قمت بالتخطيط لذلك منذ وقت بعيد، ولكنني لم أدر على وجه الدقة أين أضع الأحداث، ومع بداية عام 2005 تصادف أن كنت في حي فلشنج في نيويورك، وتأثرت كثيراً بالمشاهد والناس هناك.
هكذا فقد كانت الشخصيات هناك بالفعل في انتظار ساحة الأحداث؟
يمكن للأمر أن يحدث على الوجهين. وبالنسبة لبعض الشخصيات كنت أعرف بالفعل طرائفها، وبالتالي كانت بعض الأحداث في ذهني، ثم بعد زيارتي الأولى لحي فلشنج عدت إلى هناك مرات عدة، ربما حوالي عشرين مرة إجمالاً. وبالتدريج تراكمت القصص التي وردت على ذهني خلال الزيارة، كما قمت كذلك بالكثير من الأبحاث.
لماذا اخترت حي فلشنج؟
هذا حي للمهاجرين إلى حد بعيد، وتجد فيه نوعيات الناس كافة، والأمر فيه يشبه بداية البلدة الأميركية ذاتها بطريقة ما. وذلك هو السبب في تأثري به.
بدأت هذه المجموعة القصصية بصيغة حديث نادلة في مقهى.
هل كنت تستهل بذلك إيقاع المجموعة؟
نعم، إنها قصة موجزة، حيث لا يتجاوز طولها أربع صفحات، ولكن القصة على نحو ما هي بمثابة نوع من المقدمة، أو المدخل للمجلد كله، وهي تحدد زمناً ومكاناً وتعقيد عصرنا، وبذلك المعنى فإن الكتاب يحتاج إلى مقطوعة صغيرة مثل تلك في البداية.
في الروايات والقصص تعرض بصورة جيدة للغاية صيغة الراوية الأنثى.
كيف حققت ذلك؟
كل ما هنالك أنني أمضي وقتاً أطول في الاشتغال على هذه الصيغة، وليست هناك طرق مختصرة تفضي إلى هذه الصيغة. وكل ما عليك هو أن تمضي وقتاً أطول في الاشتغال على الشخصية، سواء أكانت هذه الشخصية موجودة في رواية أم في قصة قصيرة.
لماذا تعد التفاصيل المتعلقة بالعمل والمال بالغة الأهمية؟
المهاجرون المحدثون مختلفون قليلاً عن الأجيال السابقة، والكثير منهم هم مهنيون، وبالتالي فإنه على الصعيد المالي يحقق بعضهم انجازاً طيباً، ولكن الجزء الميتافيزيقي من حياتهم ـ مشاعر القلق لديهم، مخاوفهم، هو ذاته الذي كان موجوداً في الأيام الخوالي.
والسيولة مهمة لأنهم ليس لديهم أي شيء آخر يعتمدون عليه، وهم يدخرون ويدخرون، كأنما المال هو السبيل الوحيد بضمان الأمان. وأعتقد أن ذلك هو السر في أن الكثير من المهاجرين يتحمسون للادخار، وهم بارعون فيه للغاية.
حياة المهاجر الجديد التي تصفها ليست «حياة حرة» إلى حد كبير، إذا شئنا استخدام عنوان رواية سابقة لك. أليس كذلك؟
أعتقد أن المهاجرين يفترضون ـ وربما افترضوا على الدوام ـ أن الولايات المتحدة هي مكان يمكنك فيه أن تبدأ حياة جديدة.
ولكنك لا تستطيع أن تقضم عرى علاقاتك وصلاتك مع الماضي، فذلك مستحيل تماماً، وفي الوقت الحالي ومع وجود البريد الالكتروني وما إلى ذلك من أنواع التقنيات الحديثة والمتقدمة، فإن المسافات تقصر.
وبغض النظر عن المكان الذي تذهب إليه ومدى بعدك عن وطنك الأصلي، فإنك في كل الأحوال تظل أقرب من أي وقت مضى، على نحو ما من الانتماء، بالنسبة لمن خلفتهم وراءك في الوطن، وهكذا فهناك المشاعر والانفعالات المتواترة، ولكنها تتجلى بشكل مختلف.
هل انتقل عملك من الثقل ـ ثقل التاريخ، ثقل المكان ـ إلى الخفة بشكل ما من الأشكال؟
إنني أدرك ما تقصده بقولك هذا، فهذه الموضوعات التاريخية ثقيلة للغاية، وأنا ربما لا أزال عاكفاً على الاشتغال على بعض الموضوعات التي تنتمي إلى هذه النوعية بصورة لا سبيل إلى إنكارها.
ولكن قصة المهاجر قريبة للغاية من قلبي، وهي موضوع أرغب في الكتابة عنه كذلك. وفي حقيقة الأمر فإنني عكفت طويلاً على التفكير في كيفية تأليف الكتب الفكاهية الخفيفة، وهو أمر أكثر صعوبة بكثير من حيث إمكانية إنجازه مما يتصوره محبو هذا اللون من الإبداع الأدبي.
يبدو أسلوبك في الكتابة على الدوام بالنسبة للكثيرين رسمياً إلى حد ما ومكبوح الجماح بشكل رائع. فهل تتجنب الازدهارات الأسلوبية أم أنك تقوم بعملية تحرير لها؟
إنني في معظم الأحيان أقوم بتجنبها أصلاً، وأحاول استخدام نوعية من اللغة الانجليزية مختلفة قليلاً عن الصياغة القياسية، ولكن اللغة الإنجليزية يفترض أن تخدم القصة، وعملي هو بصفة رئيسية القيام بتحقيق القصة.
المؤلف في سطور
ولد الروائي والقاص والشاعر الصيني ها جن في 21 فبراير 1956 في مقاطعة لياو نينج بالصين، ونشأ خلال السنوات المتقلبة للثورة الثقافية، وخدم في صفوف الجيش الصيني، وحصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في وطنه قبل انطلاقه إلى الولايات المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه في اللغة الانجليزية من جامعة براندبزي في والتهام بولاية ماساشوستس وتزامنت أحداث بوابة السلام السماوي في بكين مع انتهائه من رسالة الدكتوراه في 1989، فقرر البقاء في الولايات المتحدة، حيث تقلب في العديد من المناصب الأكاديمية وأصدر أول ديوان له بعنوان «بين فترات الصمت ـ صوت من الصين في عام 1990.
وتوالت أعماله العديد من الروايات والمجموعات القصصية ودواوين الشعر: وانتقل من الكتابة بالصينية إلى الكتابة بالانجليزية، وفازت روايته «انتظار» بجائزة الكتاب «الوطني وجائزة فوكز، وفازت روايته «نفاية الحرب» بهذه الجائزة الأخيرة للمرة الثانية، وصدرت له مؤخراً مجموعته القصصية «السقطة الطيبة».
منى مدكور
