شهدت دبي في السنوات الأخيرة ازدهارا نوعيا في حركة الفن التشكيلي. هذا الازدهار تجلى على الصعيد العالمي من خلال المعرض السنوي «آرت دبي» الذي انطلق عام 2007، ومزادات دار كريستيز التي دخلت دبي عام 2006 .
والتي تقدم مزادين كل عام إضافة إلى المزادات الأخرى مثل بونهامز. أما على الصعيد المحلي، فقد شهدت المعارض نشاطا واسعا، بواقع ثلاثة معارض في الأسبوع الواحد كحد أدنى باستثناء موسم الصيف. واكب النشاط في الحركة التشكيلية ظاهرة استثنائية تمثلت في زيادة عدد الغاليريات أو صالات العرض، حيث تجاوز عددها الأربعين غاليري في زمن قياسي لا يتجاوز بضعة سنوات. وقد ساهم في تفعيل هذه الظاهرة توفر البنية التحتية الأساسية ودعم المؤسسات الحكومية القائمة على الثقافة والفن.توزعت الغاليريات جغرافيا في عدة مناطق من دبي، لتنطلق بعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من منطقة البستكية والتراث، والجميرا، والراشدية، قبل الازدهار النوعي للحركة.
لتنتشر وبصورة عفوية كتجمعات في كل من مركز دبي المالي العالمي، ومنطقة القوز الصناعية والجميرا.في إطار رصد تلك الظاهرة والتعرف على الجانب اللوجستي منها، بادرت «مسارات» لقاءاتها اعتمادا على الموقع الجغرافي للغاليريات، لتكون محطتها الأولى في مركز دبي المالي العالمي مع الغاليريات الخمس.هذه الغاليريات، هي كل من «أوبرا» و«مؤسسة الفرجام» و«آرت سبيس» و«كوادرو» و«الربع الخالي». ولكل منها تخصصها ونشاطاتها الفنية التي لا تقتصر على إقامة المعارض في مقرها والبيع التجاري كما يعتقد الغالبية. تمحورت الأسئلة حول تاريخ إنشاء الغاليري وأسباب اختيار مقرها الحالي.
وعدد المعارض التي قدمتها، والأنشطة المختصة بها وتقييمها لتجربتها حاليا، واحتياجات الحركة الفنية في المنطقة، ومدى تأثير معرض «آرت دبي» على نشاطها. أما اللقاءات التي أجريت مع أمناء الغاليريات فتأتي تبعا لترتيب تاريخ تأسيسها. آرت سبيس تأسست غاليري «آرت سبيس» عام 2003، لتنقل مديرتها التنفيذية الفلسطينية مليحة الطبري مقرها من فندق فيرمونت إلى مركز دبي المالي العالمي في 2 نوفمبر 2008.
قالت سوسي ديكيجيان المديرة الفنية للغاليري، أن مقر المركز هو المكان الأمثل لأية غاليري، خاصة لرقيه كموقع ولارتباطه الاستثمار إلى جانب سهولة الوصول إليه من جميع المناطق.
نظمت «آرت سبيس» في مقرها الجديد بالمركز، ما يزيد عن 12 معرضا لأهم الفنانين العرب المعاصرين مثل حسين ماضي من لبنان والدكتور أحمد مطر من السعودية ويوسف أحمد من قطر وكمال بلاطة من فلسطين وعادل السيوي من مصر وغيرهم.
تتضمن أنشطة الغاليري إلى جانب تنظيم المعارض، تقديم الاستشارات الفنية المتخصصة لمقتني الأعمال الفنية من الأفراد الراغبين سواء في بناء مجموعتهم الفنية أو بغرض الاستثمار.
كذلك الأمر مع الشركات والبنوك والمتاحف على الصعيد المحلي والخارجي. كما تقدم الغاليري خدماتها الفنية للفنادق وغيرها من حيث دراسة احتياجات المكان لتجميله بالأعمال الفنية ومن ثم اختيار الفنانين وتكليفهم بتنفيذ اللوحات حسب المواصفات المطلوبة.
أما بشأن تقييم الغاليري لتجربتها، فقد قالت ديكيجيان إن «آرت سبيس» دخلت السوق الفني في مرحلة مبكرة حينما لم يكن عدد الغاليريات يزيد على العشرة، وبالتالي فإن مواكبتها لازدهار الحركة الفنية المحلية التي هي جزء منها، أكبر شهادة على نجاحها، بالإضافة إلى اختيارها من قبل أكبر الشركات والمتاحف العالمية من بريطانيا والولايات المتحدة وغيرها، كمستشار لها في المنطقة.
كما أوضحت أن تفعيل الحركة الفنية في المنطقة، بحاجة إلى المزيد من الترويج الثقافي بأهمية دور الفن التشكيلي في حياة الإنسان والمجتمع، مع التركيز على القطاع التعليمي وتعريف الطلبة بعالم الفن من خلال تنظيم زيارات ميدانية للغاليريات من قبل المدارس، والتعرف على أنماط مختلفة من الفن، كذلك تنظيم دورات وورش فنية لهم لمنحهم الفرصة لاكتشاف مواهبهم، وفتح آفاق جديدة للدراسة أمامهم.
قالت ديكيجيان، أن «آرت سبيس» شاركت للعام الثالث على التوالي في معرض «آرت دبي»، وقد حققت الغاليري في العام الأول أي 2008، نجاحا قياسيا سواء في بيع اللوحات أو الترويج لأعمال فنانيها، أما النجاح في العام الثاني في ظل الأزمة الاقتصادية فكان بمستوى جيد.
وأضافت، أن من مزايا إقامة هذا المعرض والمشاركة فيه أيضا، التعرف على مجموعات جديدة من مقتني الأعمال الفنية، والقائمين على الفن إلى جانب الترويج لأعمال الفنانين.
غاليري أوبرا
تأسست غاليري أوبرا في 8 نوفمبر 2008. وقال أمين الغاليري الفرنسي برتراند إيبو، أنهم اختاروا المركز مقرا لهم، كونه المكان الأمثل انطلاقا من مفهوم الاستثمار في الفن، إلى جانب موقعه الاستراتيجي الملائم بالإضافة إلى الحراسة الأمنية الضرورية، خاصة بوجود لوحات فنية لرواد عالميين تقدر قيمتها مجتمعة بثروة في حد ذاتها.
وأشار إلى أن الغاليري متخصص بعرض أعمال أهم وأشهر الفنانين العالميين مثل بيكاسو ورينوار ومارك شاغال وكلود مونيه إلى جانب نحاتين معاصرين أمثال النحات الكولومبي بوتيرو والنحات البرازيلي روميرو بريتو.
بالإضافة إلى البحث عن المواهب الفنية الشابة في منطقة الخليج وتنظيم معارض لهم. كما أن الغاليري تمثل 300 فنان معاصر من مختلف أنحاء العالم، وتعرض أعمالهم في مختلف فروع صالاتها في الخارج.
قدمت أوبرا حتى اليوم 12 معرضا، خمسة منها في دبي وسبعة في المنطقة العربية، اثنان في عمان وواحد في بيروت وواحد في قطر وآخر في أبوظبي.
فيما يخص تقييم نشاط الغاليري حتى الوقت الراهن، أفاد أنه قدم أعمال الرواد الكبار مثل بيكاسو وشاغال ومونيه في ثمانية بلدان عربية عام 2009، ولأول مرة في عدد منها، وقال أن الاهتمام كان مذهلا فقد حضر معرض الرواد الذي نظموه في عمان، ما يزيد عن 2000 زائر خلال يومين فقط، وفي بيروت حضر يوم الافتتاح ما يزيد عن 800 زائر، حيث عادت أعمال الرواد إلى بيروت بعد مضي 38 عاما.
أما فيما يتعلق باحتياجات الحركة الفنية بالمنطقة، أوضح أن التغطية الإعلامية والوعي بالفن والإقبال إيجابي جدا، وإن انسحب تأثير الأزمة الاقتصادية الراهنة عليهم أيضاً أسوة بجميع القطاعات، غير أن الجانب المضيء فيها، أن العديد من المقتنين استثمروا أموالهم في الوقت الراهن في عدد من أعمال الرواد الكبار التي تعتبر استثمارا آمنا في الوقت الحالي.
وقال بشأن دور معرض «آرت دبي»، أن دبي تشهد في شهر مارس نشاطا فنيا استثنائيا على مختلف الأصعدة حيث تقدم الغاليريات أفضل معارضها في الفن المعاصر، خاصة مع زيارة المشاركين في المعرض للغاليريات سواء من الزوار القائمين على الفن في الخارج أو مقتني اللوحات.
وقد أعرب عن أسفه لرفض مشاركتهم في المعرض على مدى عامين متتالين دون معرفته لأسباب الرفض، مما دفعه إلى المشاركة في معرض «فن أبوظبي».
غاليري كوادرو
تأسست غاليري كوادرو في 5 نوفمبر عام 2008، وقال أمين الغاليري بشار الشروقي البحريني الجنسية، أن اختيارهم للمركز كان قائما على عدة عوامل منها، ثقافة المكان وتواجد القائمين على الاستثمار والميزات المقترنة بالمركز وأهمها بالنسبة للغاليريات، الجانب الجمركي الذي يتضمن تسهيلات في إدخال وإخراج اللوحات.
نظمت الغاليري حتى الآن ثمانية معارض بواقع معرض كل شهرين ولفنانين معاصرين تعرض أعمالهم في العديد من المتاحف العالمية، مثل الفنان الأميركي هانتس لونيم الذي اقتنيت لوحاته من قبل ما يزيد على 85 متحفا، والنحات الأميركي مارك سيغان الذي عرضت أعماله في 50 متحفا في العامين الماضيين، إلى جانب أعمال فنانين من الشرق الأوسط.
كما تخصص مساحة كبيرة من صالتها لفنانين متميزين من منطقة الخليج مثل الفنانة السعودية منال الضويان التي بيعت لوحتها في مزاد كريستيز في الشهر الماضي، والفنان البحيريني عمر الراشد وغيرهم.
تتضمن نشاطات كوادرو، برنامج الفنان المقيم، والمشاركة في البرامج الفنية الثقافية من محاضرات وورشات فنية سواء للطلبة أو لمقتني الأعمال الفنية، إلى جانب المشاركة في النشاطات الفنية مع تقديم عدد من المطبوعات الفنية عن الفنانين الخليجيين.
وأهم أعمالهم. والهدف من برنامج الفنان المقيم، هو تفعيل حركة الفن المعاصر في المنطقة وخارجها من خلال دعوة أحد الفنانين من الخارج مثل الفنان الاسباني المعاصر أليكس دي فلوفيا، حيث يقيم الفنان لمدة ثلاثة أشهر في دبي.
ويبدأ البرنامج بجولات لتعريف الفنان بطبيعة المنطقة، وزيارة المعارض ولقاءات مع القائمين على ثقافة وتاريخ المنطقة، ليبدأ بعدها رسم انطباعاته عن المكان.
مجموعة فرجام الفنية
تأسست مؤسسة فرجام الفنية التابعة لمؤسسة حافظ الخيرية في 11 مارس عام 2009. وقالت إيميلي فور مديرة الغاليري، أن الاختيار تم اعتمادا على الموقع الاستراتيجي وتجمع الغاليريات والحراسة الدائمة، ورقي المكان على مختلف الأصعدة.
ما تتميز به غاليري فرجام أنها تقتصر على عرض المقتنيات الفنية الخاصة بصاحبها الدكتور فرهاد فرجام، التي تعتبر بالمجمل تاريخا بحد ذاتها، فالمعارض الثلاثة التي قدمتها حتى الآن، أولها عن أعمال فنية إسلامية جمعت بين مخطوطات وكتب ورسومات نادرة، يعود البعض منها إلى القرن السابع مع نبذة عن تاريخ كل عمل معروض، في حين ضم المعرض الثاني نسخ نادرة من القرآن الكريم.
أما المعرض الثالث فقد قدم مجموعة من الاسكتشات والرسومات الأولية لرواد الفن في العالم، مثل بابلو بيكاسو وسيلفادور دالي وأندي وارهول وفرهد موشيري، ومحمد إحسائي، وبروير تنافولي، وعبدالقادر الريّس وغيرهم.
تهدف هذه المؤسسة من خلال معارضها إلى تقديم برامج، تربط بين الفن والثقافة من خلال زيارات ميدانية لطلبة الجامعات والمدارس حيث يطلعهم خبراء في الفن على تاريخ ثقافتهم من خلال الأعمال الفنية المعروضة. بالإضافة إلى محاضرات وندوات سواء في معارض «آرت دبي» وغيره من الأنشطة الفنية الأخرى.
الربع الخالي
افتتحت غاليري الربع الخالي في 15 مارس عام 2009. وقال أمين الغاليري إيلي ديموت أنه اختار المركز مقرا، لاجتماع عدة عوامل تختصر بهوية وثقافة المكان تحت سقف واحد، خاصة في إطار مجموعة الغاليريات المتواجدة بعيدا عن مفهوم مركز تسوق استهلاكي.
تختص الغاليري بفن التصوير الفوتوغرافي، وأمنائها الثلاثة مصورين مبدعين.
ويحسب للغاليري تقديمها معرضا يعتبر الأول من نوعه على صعيد العالم، حيث تم تصوير مدينة دبي بكاميرا يدوية من القرن التاسع عشر مع استخدام كافة المواد التي تعود إلى تلك الفترة من الكيماويات إلى تصنيع الورق المشمع ونيجاتيف الصور.
تقدر قيمة تلك الكاميرا بما يزيد عن خمسة آلاف يورو، وذلك إلى جانب طباعة كتاب ضم صور المعرض ونفذ أيضا بالطريقة التقليدية لتلك المرحلة، حيث طبعت الأوراق على النحاس وخيطت باليد. ومن المزمع انتقال المعرض إلى باريس وبيروت وغيرها من البلدان.
قدمت الغاليري حتى اليوم 15 معرضا في التصوير الفوتوغرافي، أهمها معرض الفنان مارتن بيكا «تحولات دبي»، ومعرض «عتمة العدسة»، و«أماكن نادرة»، و«جائزة بيكتيت» وغيرها.
وتتضمن أنشطتها إصدار كتب عن فنون التصوير بمقاييس عالمية، إلى جانب المشاركة في معارض التصوير العالمية، والعمل بصورة دائمة على زيادة الوعي بفن التصوير الفوتوغرافي، والتواصل مع محبي التصوير من الهواة إلى طلبة المدارس، إلى جانب التعاون الأكاديمي بشأن حصول الطلبة المتخرجين على درجة ماجستير في التصوير الفوتوغرافي في المنطقة.
قال ديموت فيما يتعلق بالصعوبات التي تواجهها الغاليري أنها تتمثل في إيجاد التوافق والتوازن في المعارض الجماعية، وتنظيم عملية شحن اللوحات، والبحث عن أهم الأعمال المقدمة في العالم. وبيّن فيما يتعلق بتقييم تجربة الغاليري حتى الآن، أنهم فازوا بجائزة بي. إم. دبليو. العالمية للتصوير الفوتوغرافي.
وأشار إلى أن تفعيل الحركة الفنية في المنطقة من منظور القائمين على الغاليريات، يعتمد على تقديم أفضل المعايير الفنية وعدم الاستهانة بذكاء الجمهور. أما من المنظور العام، فإن الحكومات تلعب دوراً كبيراً في دعم المشهد الفني سواء من خلال تقديم المنح أو التمويل.
وأكد أخيراً أن معرض زيارات ميدانية لطلبة الجامعات والمدارس، خاصة وأنه يقام بمقاييس عالمية. وأوضح أنهم يعدون كل عام برنامجا خاصا يتزامن مع المعرض، وجولات المشاركين فيه من خبراء وأمناء ومقتنين.



