أصبح توجه الفنان التشكيلي العربي المعاصر، لتأكيد هُويّة فنيّة متميزة، في منجزه الإبداعي الحديث، تُشير إلى خصوصية المكان الذي ينتمي إليه هذا المنجز، والتاريخ العريق والأصيل الذي يستند إليه مبدعه...

يُشكّل ظاهرة فنيّة لافتة، في تشكيلنا العربي الحديث، من مظاهرها استلهام الصناعات والحرف والمشغولات اليدويّة العربية الإسلامية والشعبيّة، في لوحات فنيّة معاصرة، أخذت تلم حولها، المزيد من المعجبين والمقتنين الراغبين بالحصول عليها.وتزيين بيوتهم وأماكن عملهم بها، لأكثر من سبب وغاية، لعل أبرزها وأهمها، الجماليات الرفيعة التي تكتنزها هذه المشغولات المرسومة، وارتباطها الوثيق والحميمي، بتراث الأمة العريق والأصيل، واحتضانها لملامح هامة من حضارتنا التي نهضت عليها حضارة الإنسان المعاصر. وشكّلت أساس تقدمه العلمي الحالي، يُضاف إلى ذلك، أن هذه المصنوعات والحرف والمشغولات الشعبيّة، تحولت إلى رمز للجميل الرائع والحميمي، من تاريخنا الحافل بالإنجازات الحضاريّة، خلال مراحله المختلفة.

وعملية استلهام هذه الأشياء، وتجسيد جمالياتها النادرة والساحرة، في لوحات فنيّة تشكيليّة حديثة، يكرس من ألقها وقوة تأثيرها، في الذائقة الجمالية للمتلقي، عربياً كان أم أجنبياً. نزوع قديم تعود ظاهرة استلهام المشغولات الشعبيّة العربيّة في إنجاز أعمال فنيّة تشكيليّة إلى جيل الرواد وما بعده في حيواتنا التشكيليّة العربيّة المعاصرة، لا سيما الذين تملكهم هاجس التوفيق بين (المعاصرة) و(المحليّة) وهم كثر ويشغلون مساحة واسعة من تاريخ حركتنا التشكيليّة العربيّة المعاصرة.ونذكر منهم في سورية الفنان محمود جلال الليبي الأصل، السوري الجنسية، والذي حاول توظيف مظاهر تراثيّة شعبيّة سوريّة عديدة في لوحاته، منها أطباق القش الملونة، والثياب الريفيّة.

وكذلك فعل ممدوح قشلان الذي كرس تجربته بكاملها، للحياة الشعبية في دمشق وريفها، وزياد زكاري الذي أوقف تجربته على التوثيق للأزياء الشعبيّة السورية المتنوعة. وبعض مشغولات الموزاييك والنحاسيات، وناجي عبيد المفتون بالرقش العربي، وأسعد زكاري الذي حاول استعادة الرسوم الشعبيّة وحقنها بروح معاصرة، وعبد القادر أرناؤوط الذي أدخل بعض قطع الموزاييك إلى لوحته، والأخوان أدهم ونعيم إسماعيل الذين سكنهما هم تحقيق فن قومي عربي معاصر، وأحمد دراق السباعي الفنان التلقائي الذي التصق ببيئته الشعبيّة وعكس جوانب منها في لوحاته.

تابع هذا النزوع، مجموعة كبيرة من التشكيليين اللاحقين، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، أحمد الياس الذي وظف الوحدات الزخرفيّة الشعبيّة العربيّة والإسلاميّة في لوحته.

وجليدان الجاسم الذي ربط تجربته الفنيّة بالتراث الشعبي لمسقط رأسه (البادية السورية)، وحسان أبو عياش الذي أعاد صياغة الخط الكوفي برؤية زخرفيّة، ومحمد جهاد طعيسان الذي استعار جل رموز وإشارات الحياة الشعبيّة ووظفها بإتقان في لوحته، ومصطفى فتحي وطلال العبدالله، اللذان استلهما زخارف المنسوجات الشعبيّة وأعادا صياغتها من جديد.

وفي دولة الإمارات العربيّة المتحدة، عكفت مجموعة من الفنانين التشكيليين على استلهام التراث المحلي الحرفي والمعماري، من أبرزهم الفنان عبد القادر الريس الذي أوقف تجربته على رصد العمارة القديمة والتراثيّة في بلاده، وقام بمعالجتها في العديد من لوحاته قبل أن ينتقل إلى الاتجاه الحروفي الذي يمد من خلاله أيضاً، أكثر من جسر إلى التراث.

وفي الجزائر قام الفنان محمد راسم الجزائري باستعادة المنمنمة الإسلاميّة كصيغة وأسلوب، وأسقطها على موضوعات شعبيّة معاصرة. وشكّلت الأحياء القديمة في القاهرة والمدن المصرية الأخرى، مادة رئيسة للعديد من التجارب التشكيليّة المصريّة.

إضافة إلى الريف المصري ومفرداته التراثيّة المتنوعة، وفي الكويت عكف الرسام والنحات سامي محمد على استلهام (بيت السدو) في العديد من أعماله الفنيّة المسطحة (اللوحات) والمجسمة (الكتل الفراغيّة). الأمر نفسه ينسحب على عدد كبير من فناني الدول العربية الأخرى، الذين حاولوا ذلك، في أعمالهم المعاصرة، بأكثر من شكل وصيغة.

عوالم جميلة ودوافع متباينة

لقد تصدى هؤلاء لهذا الموضوع في أعمالهم، مكرسين كامل تجاربهم الفنيّة لهذه المواضيع، مستنهضين لوحة فنيّة تشكيليّة جديدة، تنتمي لموضوع الطبيعة الصامتة، إنما ضمن إطار تراثي عربي شعبي وإسلامي، ما منح هذه اللوحة، خاصيّة محليّة عربيّة متفردة. وهؤلاء الفنانين، ومنذ اهتدوا إلى هذا النبع الجميل، الثر، والأصيل.

وهم يجهدون في تطوير منجزهم الجديد، إن على صعيد المضمون أو المعالجة. لقد قاد هؤلاء تجاربهم الفنيّة إلى دائرة التراث العربي، وبالتحديد إلى المشهد الحياتي اليومي، للبيت العربي الشعبي، وما يضم من موجودات، بدءاً بالعمارة القديمة ومفرداتها المختلفة، وانتهاءً بأعمال النسيج.

والأواني المعدنية (خاصة النحاسيّة والفضيّة والذهبيّة) والثياب التقليديّة، والزخارف، والفخاريات، والخط العربي، والسجاجيد، والحلي، وغيرها من المشغولات وعناصر الزخرفة والتزيين في البيت العربي القديم، ونحن نشهد اليوم، عودة نشطة إلى هذا البيت وموجوداته، كونه يمثل جانباً هاماً وأصيلاً، من التراث الذي يجب المحافظة عليه وإحياؤه.

يقوم هؤلاء المأخوذين بسحر الحياة الشعبيّة العربيّة بلملمة مجموعة من عناصر ومفردات التراث العربي الإسلامي والشعبي، ثم يُعيدون تأليفها، في مشهد بصري مدروس في بعديه التشكيلي والدلالي،.

واضعين المتلقي في مواجهة مباشرة، مع جماليات هذا التراث وسحره. وللقدرة الكبيرة التي تملكها هذه الجماليات في تحريك أحاسيسه، وهدهدة صباباته وحنينه إلى الماضي الجميل. ولكونها تتوافق وذائقته الجمالية، فهذه الأشياء والرموز والعناصر، تذكرهم به، وتعيدهم بالخيال، ولهنيهات، إليه.

وبعضهم الآخر، يرى فيه مواكبة غير مستحبة، وغير فنيّة، لنهوض انتشار ظاهرة الأصوليّة في بلادنا العربيّة، وأن الذين يشجعون هذه الاتجاهات الفنيّة (بما فيها الحروفيّة) هم قادة الأصولية ومتبنوها، من المؤثرين الذين يلجأون إلى تشجيع هذه التيارات التراثيّة من الفن، من خلال حركة الاقتناء النشطة التي تلم من السوق، وبشكل دائم، كل ما يُنتج من هذه الفنون.

وبأثمان مجزية، ما يدفع الفنانين المشتغلين عليها، للاستمرار في إنتاجها، بل ودفع غيرهم إليها، سيما وأن الفن التشكيلي خاصة، والفنون عامة، لا يمكنها الابتعاد عن كيس النقود، وتالياً عن اليد القابضة عليه!!

وهناك من يرى هذه الظاهرة شكلاً من أشكال البحث عن الصيغة المثاليّة للتوفيق بين (الأصالة) و(المعاصرة)، لا سيما بعد أن شعر الفنان التشكيلي العربي المعاصر عموماً، والمثقف خصوصاً، بسطوة الاتجاهات الفنيّة الغربيّة المعولمة على ما يُمارس من فنون.

وما ينتج من ثقافة، الأمر الذي دفعه للبحث والتنقيب، عما يميزه وينقذه من الذوبان الكامل، في عولمة ملتبسة، أضرارها أكثر من حسناتها، خصوصاً وأنها تخلط بين الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، ومُقادة من قبل تجار جشعين لا يشبعون، رغم أن ما لديهم من ثروات تكفيهم حتى لو عاشوا حياتهم، آلاف المرات!!

الزمن الجميل

لقد لقيت لوحة هؤلاء الفنانين التشكيليين المشتغلين على هذا الموضوع، وهم كثر الآن في حيواتنا التشكيليّة العربيّة، لقيت هذه اللوحات احتفاءً ملحوظاً من المتلقي العربي، بدليل الطلب المتزايد عليها، الذي يفسره البعض، بحنين الناس في بلداننا العربيّة، إلى الزمن الجميل الذي غادر حياتنا المعاصرة، أو يكاد.

د. محمود شاهين