لا يغيب عن الأذهان أنّ الأحلام تُعَدّ مصدراً من مصادر الإلهام التي يُعَوِّل عليها كاتبُ القصّة والرواية وقائلُ الشعر أيضاً. صحيحٌ أنّ الكاتب يستوحي المحيط والبيئة، من البيت والشارع والشوق إلى المدرسة والمؤسسة، وهو مثلما يستلم من قراءته للواقع المترائي له، يستمدّ الإلهام من قراءته للكلمة المسطورة، فإنّ في سطور الراهن وكذلك في سطور الماضي، وإنّ ما وراء هذه السطور وبينها، لكثيراً ممّا يوحي!
وبعيداً عن قراءة الواقع والمسطور، وتقرُّباً من عالم الأحلام المسحور، فإنّ هناك الخيالَ المبدع، وهو المَعينُ الذي لا ينضب، وإنّ للخيال صلةً بالأحلام، وما الخيال إلا حلمٌ، حلمُ يقظة، يُحلِّق فيه الكاتب بعيداً ويتدانى مبتدعاً.
ولعلّ ذلك يكون أكثر ما يكون سُويعةَ ذهابك إلى النوم: فأنت، أنت في سريرك تهمّ بالنوم، تُراودك الخواطر وتتنزّل عليك الفِكَر، وهل أقول: إني نهضت، في كثير من المرات، لأُدوِّن ما ينثال عليّ من الأفكار لحظة يداعب النوم الأجفان، فيكون لي من ذلك ما أكتبه وأنشره على الناس، وقد يدور حوله بعد ذلك جدال وشيءٌ من القيل والقال!
وعودةٌ إلى عالم الأحلام: إنّ الأحلام إنْ كانت مصدراً نادراً فهي مَعينٌ ثرٌّ إمّا أَحْسَن الكاتب التعامل والاستفادة.
إني بصفتي كاتبَ قصة ورواية، كان أول ما استفدت من الأحلام، أني جعلت، في إحدى رواياتي، الصبيّةَ «هالة» تحلُم بأنّ الأب المدنف قد رحل، وكان ذلك حُلُماً ابتدعتُه عفو الخاطر ولم أره في منام، ولعلني نجحت في تفصيله على قَدِّ المطلوب فيما خُيِّل إليّ يومئذ (خريف 1961).
إلا أني أخذت، بعد ذلك، أستفيد ممّا يراودني من الأحلام، وكان أولَ ما تجلّى لي في ذلك حلمٌ راودني في ليلة السابع عشر من شهر آذار 1967، استوحيت منه قصتي «الحُلمية» الأولى:
«يقظة بعد سبات طويل»، نشرتها في مجلة «المجلة» القاهرية (نوفمبر 1968)، ثمّ... تتالت القصص الحلميّة عندي، وهي تدور حول الحرية المستلبة، ضمَّتها مجموعتي السادسة «حزن حتى الموت»، بطبعاتها منذ 1975 حتى ظهورها في باريس 2002 بطبعة خامسة مترجمةً إلى الفرنسية.
قلت إنّ الحلم كي يغدو قصة فنية، يتعيّن أن يرفده ما يناسبه من تداعيات الخيال وابتداعات الجمال. ولكنه اتفق لي أن راودني، في فجر يوم من أيام شهر أيّار 1970، حلمُ وجدته أخّاذاً، فنهضت من فوري ودوَّنتُه.
وسرعان ما تبدّى لي أنه من «الكمال الفني» على نحو يجعله قصة سائغة بقليل من لمسات الفن. وفي باكر ذلك الصباح كان الحلم قد انسكب قصة على ورق... وإليكم إياها:
كنت جالساً في شرفة المقهى المطلّة على الشارع. لمحت بين المارّة رجلاً نبيل السَّمْت، خُيِّل إليّ أنه من أصحابي القدامى.
فجأة اعترضه أحدهُم، وأخذ يُجاذبه الحديث. ولكنّ الحديث، الذي تخلّلته البسمات، سرعان ما انقلب إلى تجهُّم وعبوس أبداهما الآخر. فأذعن له مَن خُيِّل إليّ أنّه صاحبي، وارتدّ عن طريقه، ومضى أمامه، وذاك في إثره على مبعد خطوة أو خطوتين.
وما هي إلا لحظة حتى انضّم إلى المرفق ثان وثالث. فتوقّف صاحبي، والتفت إليهم يحاورهم... فإذا الحوار ينقلب إلى مشادّة رأيتها غير متكافئة!
دخل في رُوعي، وأنا أشهد من شرفة المقهى، أنّ بريئاً قد وقع في محنة. فاستُثيرت نخوتي على نحو متعاظم. وزُيِّن لي أن أفعل من أجله شيئاً.
نزلت إليهم.
كان الصاحب القديم قد أسلس لهم قياده. هوذا يمشي أمامهم طائعا، وهم يُحيطون به، من وراء، على شكل «قوس».
اقتحمتُ القوس، لأهمس في أذن صاحبي: ما بالك؟
أجابني، دون أن تختلج في محيّاه خالجة: يريدون أن يقتادوني إلى السجن! فتراجعت نحو الثلاثة: بأيّ حقٍّ تقتادونه إلى السجن؟
أهاب بي أحدهم: امضِ في طريقك. نحن من رجال الأمن!
أجلفت بادئ الأمر. ولكنّ حذَراً استفاق في صدري، نبّهتُ الصاحب: يقولون إنّهم من رجال الأمن... هل طالبتهم بأن يُطلِعوك على بطاقاتهم الرسمية؟
قهقه عالياً: وكيف يكونون من رجال الأمن، وأنا نفسي رجلُ أمن؟!
وإذ سمع الثلاثة ذلك لاذو بالفرار!
شعرت بنشوة الظفر:
ما دمتَ رجل أمن، أيها الصاحب، فلم لم تُصرِّح لهم بذلك منذ البداية؟ وأدركتُ أنه هو الذي كان ينصب لهم شركا.
أعلن: ولكني لست من رجال الأمن!
وفي غمرة ما اعتراني من ذهول، ألوى عليّ يسألني منتهراً: وأنت مَن تكون، يا رجل؟
فتبدَّد ظنّي بأنه صاحبٌ لي قديم، واندفعت أقول: أنا... رجل أمن!
فأمرني متجهِّم الوجه:
أَرِني بطاقتك الرسمية!
ومن عجب أني ما كدت أُدخل يدي في جيب سترتي، حتى رأيته يرتدّ إلى الوراء، مطلقاً ساقيه للريح!
ومضيت، في مواجهة الشرفة الوسيعة، أمشي مختالا.
فجأة اعترضني رجلٌ غريب، شديد البنية: ما حملك على اعتراضهم؟
كان يشاهد، إذن، من الشرفة كلّ شيء.
استهنت به، وقد دخل في وهمي أني من رجال الأمن حقاً: وما خطبُك، يا هذا؟
أسألك: من أنت؟
أنا... رجل أمن!
هلاّ أطلعتني على بطاقتك الرسمية؟
أدخلت يدي، ثابتَ الجنان، في جيب سترتي، وأنا أتوقّع من الغريب أن يلوذ بالفرار. ولكنه ظلّ يَحدِجني بنظرة بدّدت وهمي العظيم. ولما لم يكن بدٌّ من أن تخرج يدي بيضاء، فقد أدركت أني وقعت ضحيّةً لنخوتي الفضولية.
أمرني: هيّا سر معي.
سألته بلهجة بعيدة عن الاستهانة: هل تسمح بأن تُطلعني على بطاقتك الرسمية، أيها السيد؟
ولكنه لم يحفِل بطلبي. بل تأبّط ساعدي، وعانق بكفّه القاسية كفّي، لاوياً معصمي حتى أحسستُه يتقصّف. ومضى بي، وقد داخلني شكٌّ في أن يكون رجل أمن حقيقيّاً، وإلاّ لمَ لم يُبرز لي بطاقته الرسمية؟!
كنت ما أزال أمام المقهى. رفعت عينيّ إلى الشرفة، التي غُصَّت الآن بالرّواد، وهم جميعاً يتطلّعون إليّ.
أعليت صوتي منادياً:
يا أهل النخوة، خلّصوني!
فانطلقت من صفوفهم ضحكاتٌ عالية...
إني في محنة... فخلّصوني.
وتعالت ضحكاتهم الصاخبة، حتى سدّت آذان السماء. فبَدوا لي وكأنهم نظّارةٌ في شرفة مسرح، يتابعون، متلذِّذين، آخر مشهد من مسرحية هزلية.
السباعي في سطور
ولد فاضل السباعي في حلب عام 1929، درس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة وعمل محامياً بحلب ومدرساً، بدأ بنظم الشعر، ثم تحول إلى القصة القصيرة يكتبها وينشرها في المجلات العربية منذ منتصف الخمسينات.
وكتب أيضاً، المقالة، والنقد، وقصصاً عن اللغة الفرنسية. ترجمت بعض قصصه إلى الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية والروسية ولغات أخرى. عضو مؤسس في اتحاد الكتاب العرب عام 1969. ومقرر جمعية القصة والرواية في الاتحاد في الأعوام: 1976 و77 و1985 حتى 88 وأسس دار إشبيليا للنشر والتوزيع بدمشق ونشر فيها العديد من الكتب القيمة، عضو جمعية القصة والرواية.
من مؤلفاته: الشوق واللقاء ـ قصص ـ حلب 1957 (ط2 ـ دمشق 1992). حياة جديدة ـ قصص ـ بيروت 1959 وطبعة ثانية 1964 ـ وط3 1992. الليلة الأخيرة ـ قصص ـ القاهرة 1961. ثم أزهر الحزن ـ رواية ـ بيروت 1963، الألم على نار هادئة ـ قصص ـ دمشق 1985 ـ ثانية 1990. اعترافات ناس طيبين ـ قصص ـ دمشق 1990.
فاضل السباعي
