هل أصبحت كتابات المرأة في عالمنا العربي اليوم، توازي في قيمتها الأدبية كتابات الرجل؟ وهل إن هذا الأخير بات ينظر إليها على أنها جديرة بالقراءة نظراً لقيمتها وجوهريتها، لا بتأثير الفضول؟.

لا زالت هذه القضية الفكرية، محط آراء متضاربة، لا تنفك تنطلق بوهج أكبر وأعمق بعد فترات سكون وكمون قصيرة في مختلف ساحات الفكر ضمن عالمنا العربي، فتتركز بمثابة جدل مستمر، لنجدها تخوض بضراوة في عمق تجنيس وتجزئة الأدب والكتابة ما بين عالم الرجل وعالم الأنثى.بطبيعة الحال فإن لهذه القضية خصوصية نقاش متنوعة، نستشفها في تمايز وجهات نظر العديد من الكتاب والكاتبات، لتجد طريقها إلى البروز الحاد، وتتفاعل مع استفحال تساؤلات لا تخفت في هذا السياق، مثل: هل كانت الكتابة الأدبية النسائية فعلًا ذكورياً بالأساس؟، وهل إن المرأة، على مر العصور، مجرد عابرة سبيل في قصص وروايات الرجل؟.

الكاتبة والروائية المصرية هالة فهمي، تصر على أن الكتابة لا يجب أن تسند للجنس البشري، ولا أن نفرق فيها بين الكتابة النسائية والذكورية، وتقول في هذا السياق: يجب أن نحكم على العمل من خلال قيمته الأدبية، وليس من خلال جنس الكاتب إن كان رجلاً أو مرأة، فالمرأة اليوم خرجت من القمقم لتكتب وتعبر وتنافس، بعد سنوات عديدة قضتها محبوسة داخل جدران العقل والبيت، كما أنها تعد الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يعبر عن أحاسيس فيزيولوجية تعيشها المرأة حصرياً، مثل الحمل والولادة والأمومة والمخاض.والرجل الأديب، مهما كانت قيمته الروائية، لم يستطع نقل تلك الأحاسيس عندما تحدث عن المرأة.

كما أنه وللأسف الشديد، دائماً ما تنسب الكتابة الجميلة للرجل، وكأن الكتابة مقتصرة عليه كونه الوحيد الذي دون لنفسه وانتشرت كتاباته للعالم العربي.ولم يسمح إلا لبعض الشاعرات اللاتي كتبن عن الرثاء والحرب بالظهور، بينما أعتم الجانب الآخر الذي يحتوي على شاعرات تحدثن عن الحب والمعاناة والشجن.

«الإبداع» ليس رجلاً

ترفض الكاتبة المصرية إيمان البكري فكرة أن الكتابة كانت ذكورية في الأساس، وتقول: وجدت الشاعرات والروائيات على مر العصور، وكانت المرأة تكتب الشعر والنثر والقصة على مر العصور الإسلامية، وأبدعت في ما كتبت، والدليل أن الأدب الجاهلي تحدث عن أرقام وصلت إلى 4000 شاعرة، لكن لم يصلنا منهن إلا اثنتان فقط.

والسبب هو أن التاريخ كُتب بيد الرجل، الذي لا يريد أن يعترف بمنافسة المرأة وقدرتها على الإبداع، وكأن النجاح يقتصر على الرجل، واللافت أن المرأة قديمًا كانت بارزة أكثر من الوقت الحالي، لأن المرأة الآن أصبحت تتعامل مع نفسها بطريقة التبعية، ولا تريد أن تستخدم عقلها كاملاً.

وتكتفي بالمشي خلف الرجل وتتبع خطواته، ولذلك لم يعد لديها طفرة إبداعية حقيقية، كما أن المنطقة العربية تقع تحت طائل غزو ثقافي يحاول حصر دور الثقافة العربية، لأنهم يعلمون جيداً أن المثقف العربي لو خرج من بوتقة التقليد والتبعية سيغزو العالم ثقافياً.

«الحكواتي»

«المرأة عرفت خلال تاريخها أطواراً عديدة، فهي إن برزت أحياناً في مجالات الأدب والفن والسياسة والحرب، غالباً ما بقيت مغمورة، لا دور لها إلا الإنجاب وأعمال البيت». هذا ما قدمت به الحديث الشاعرة والروائية التونسية فاطمة الشريف.

وتابعت: أصبح للمرأة اليوم دورها المهم والفعال في حياة الأمة، من خلال المساهمة في أخذ القرار وبناء وتطوير المجتمع والتنمية الشاملة واستشراف المستقبل، وربما يكون «الحكواتي»، الذي ظهر قبل قرون، السبب في عدم إظهار دور المرأة في الكتابة والشعر، فالحكواتي دائماً هو الرجل، ودوره نقل القصص والشعر للعموم في المساءات من باب التسلية.

ولأنه رجل، كان مفروضاً عليه أن يذكر فقط الجانب العملي للمرأة، أي الحمل والإنجاب والعناية بالأسرة، دون أن يضيء على الجانب الآخر، الذي كانت فيه المرأة أختاً للرجال، تحارب وتقاوم وتمرّض وتطلق الشعر وتكتب الرواية، ولذلك أصبح تاريخ الأدب العربي يضم عشرات الرجال وبضع شاعرات لا تتعدى أشعارهن أصابع اليد.

وتختم الشريف: تبدو مشكلة المرأة مع الرجل عصية على أن تحل بالمساواة المعتمدة في الدول العربية راهناً، لأن مسؤولياتها كثرت، فما الذي يعطيه المجتمع للمرأة إذاً، مقارنة بما تقدمه هي لمجتمعها؟

كما أن رجل اليوم لا يقرأ للمرأة لأنه لا ينتظر منها شيئاً غير الشكوى من مجتمعها ومسؤولياتها، وأنا ككاتبة أتمنى أن تتحرر المرأة من قيود الرجل الذي بات يلزمها بمليار عمل، ولا يترك لها فرصة الانطلاق نحو الإبداع الأدبي الحقيقي.

ونلمس مع وجهة نظر الشاعرة السودانية روضة الحاج، ملامح رأي صارخ، يطال في إدانته مضمون اللغة، ليجعلها شريكاً في اجتزاء قيمة إبداع المرأة:

الكتابة الإبداعية للمرأة وُجدت من باب التمرد على الوضع، والذات الكاتبة إن كانت «رجلا أو امرأة»، ترحل في دهاليز اللغة متخطية حاجز الصمت، ولعل كتابة المرأة تتخطى حاجزين؛ حاجز الصمت.

وحاجز اللغة المحكومة بالذكورية، منذ أن نصب الرجل نفسه وصياً على اللغة في مجتمعنا.لذلك تعتبر الكتابة النسوية تحدياً للواقع بكل متناقضاته، فهي كتابة ضد النسيان، ورد في وجه خطاب ذكوري يهيمن على الوعي الجمعي لمجتمعات احترفت إقصاء المرأة وإلغائها، والزج بها وراء الجدران.

وتضيف الحاج: الرجل لم ينصف المرأة في الحياة العامة فلماذا سينصفها في الأدب والشعر؟، ولماذا سيعترف بموهبتها والتدوين لها؟، فهو لطالما اعتبرها درجة ثانية، حتى إن المتنبي قال:«ما قالت المرأة شعراً إلا ما ظهر الضعف فيه»، هذا ما قاله أهم شاعر عربي عن المرأة، فالظلم وقع عليها منذ قرون وما زال.

ونرى أن الرجل حدد للمرأة موضوعات معينة للكتابة فيها، مثل الرثاء للأخ والأب، بدليل أنه اعترف فقط بالخنساء وأهمل المئات من الشاعرات الأخريات، لهذا فإن المرأة اليوم تكتب عن نفسها بتطرف، ربما انتقاماً من الرجل الذي غيبها عن الساحة لسنوات، وبتنا نلاحظ موضوعات أشمل وكتابة متطورة أكثر، وبات صوتها أكثر وضوحاً من قبل.

الرجل:«ترف»

مؤكد أنه في مقابل هذه الآراء النسائية حول القضية، تبرز آراء حادة لدى الكثير من الكتاب الرجال، يقول الناقد الليبي عبد الحكيم سليمان المالكي: المرأة تستحق أن تكون كاتبة، لا فرق بينها وبين الرجل، ولكن ما يحسب ضد الكتابات النسوية هو أن بعض النساء يكتبن من باب الترف والشهرة، لا لأنهن أديبات جديرات بالكتابة.

إن الرجل يكتب أيضاً من باب الترف في بعض الأحيان، لكن، وبما أن كتابات المرأة بالذات دائماً ما توضع تحت بقعة الضوء، وجب عليها أن تكون صارمة مع الدخيلات على الساحة الثقافية، وألا تسمح لغيرها بتشويه كتابات المرأة في بعض الروايات أو القصص التي لا ترتقي بمستوى الكتابة الجيدة.

فمنذ فترة نشرت مقارنة بين كتاب «بنات الرياض» وكتاب «روحها المشومة به»، (الكتابان لشاعرتين سعوديتين مختلفتين )، حظي الكتاب الأول بدعم إعلامي غير مسبوق مع أنه يفتقد إلى الكثير من العناصر الأساسية في الكتابة الأدبية، في الوقت الذي لم يحظ الكتاب الآخر بنصف ذلك الدعم الإعلامي، الذي رافق الأول، بينما الكتاب الثاني يملك الكثير من المميزات الأدبية المهمة.

كشف الرجل

أصابع اتهام أغلب الشاعرات والروائيات تحاصر الرجل الذي أهمل برأيهن إبداعات المرأة على مر العصور، وهنا تلخص لمياء بن كيلاني أستاذة الفلسفة، السبب في ذلك على النحو التالي: الأدب كيفي وليس كمي، وإذا كان هناك تقصير من المرأة، فمرده عدة عوامل؛ أولها الإرث الثقافي الذي حصر دور المرأة في إنجاب الأطفال ورعاية الزوج وتنظيف البيت.

، وثانياً القراءة الذكورية للنص الديني، حيث فسر الرجل الجزء المتعلق بمصلحته فقط في النص الديني، أي أنه فسر فقط واجبات المرأة والتزاماتها أمام الرجل، وأهمل الجزء الذي يتعلق برغباتها وواجبات الرجل نحوها، والسبب الثالث برأيي هو استكانة المرأة للفروض والواجبات التي أقرها الرجل عليها.

وتستطرد بن كيلاني: هنا يجب أن يعي الرجل أن وجوده منفرداً في صورة الأدب العربي، لا يصب في مصلحته أبداً، وليس من باب الحكمة، لأن الحياة العملية تحمل أشياء كثيرة، لا يستطيع الرجل وحده التعبير عنها.

ولكن يجب أن يعترف بعقل المرأة ويجلسها بجواره ويناقش عقلها، ويعاملها كإنسان لا كأنثى، وعلى المرأة أيضاً أن تفهم أنها لا يجب أن تستكين وتبقى في الركن الذي وضعها فيه الرجل، فقليل من الثقة في ذاتها سيمكنها من كسر القيود.

ضحى السعفي