بقي جان جينيه يرفض طوال سنين عمره الإقامة والسكن تحت سقف بيت آمن، وعندما يضطره الأمر إعطاء عنوانه لجهة معينة أو شخص ما، يدون عنوان دار «غاليمار» للنشر، التي تولت إصدار أعماله الكاملة.
وهو لم يزل على قيد الحياة. وبينما موظفو دار النشر الباريسية العريقة هذه، يتدافعون للحصول على توقيع ألبير كامو، كان خوان غويتيسولو ورفيقة دربه مونيك مونج، مشغولين بخلق فرصة لتبادل أطراف الحديث خلسة، مع مؤلف «يوميات لص» (جان جينيه)، الذي عُرِف عنه حُب الانزواء، ونفوره من الآخرين، وميله الدائم للمكوث في الظل بعيداً عن الأنظار. وتدور عجلة الأيام ليصبح كل من غويتيسولو ومونج صديقين مقربين لجينيه، حتى وفاته في ابريل عام 1986.يستحضر غويتيسولو ذكرى مؤلف «أسير عاشق»، بحنين وشجن دافقين، فتلك الصداقة بنظره حظوة مميزة، يحسده عليها الكثيرون، وبذا نجد هذا الكاتب الإسباني، لا يستكين أو يكل من العودة في مختلف كتاباته الصحافية، ليلقي الضوء على مختلف الأبعاد الكامنة في الخلق النقي لرفيق دربه جينيه، فيتأمل ويسكب معها العمق الروحي والإنساني لتجربتة الشعرية.
وبالتأكيد فإنه ينهل ويستفيد في هذا الخضم، من عشرته مع جينيه وقربه منه، إذ مكنه ذلك من القدرة على عمق قراءة وفهم العديد من الجوانب المستترة في شخصية جينيه، خاصة أنه اشتهر بصفة الكاتب المتمرد والمناضل، الذي كرس العديد من تجاربه الإبداعية لمناصرة قضايا المهمشين والمضطهدين والمُهجرين من أراضيهم.
قديس ومجرم
أمّارٌ بالسوء في النهار وقديسٌ في الليل، المركيز دو ساد، أمام الحشود، وسان جان دو لاكروا، في ساعات الخلوة. هكذا أراد غويتيسولو أن يبدي أوجه شخصية جينيه، مظهراً في مقالته «الشاعر المدفون في العرائش».
«موكفْفج ت جْْمَُّم ُّجُذ «مٌ»، بعض علامات الشبه بين الأخير وملايين الصوفيين، الذين أتى على ذكرهم ابن عربي في «الفتوحات المكية»، فيقارب الكاتب الإسباني في هذه المقالة المنشورة ضمن عدد خاص عن جينيه، أصدرته «مجلة دراسات فلسطينية» العام 1997.
حيث أعاد نشره لاحقاً في كتابه «غابة الكتابة»، يقارب بين مغامرة جينيه الروحية وتصوف «أهل اللوم»، هؤلاء من يرفضون العلن في تقواهم، عاكسين للعامة تصرفات ذميمة ومخزية، لإخفاء ورعهم الداخلي وحالات الوجد الصوفي التي تعتريهم.
تضامنه مع الفلسطينيين
وبطبيعة الحال، لم تقتصر حدود تأمل غويتيسولو في الجانب الروحي للتجربة الشعرية عند جينيه، على هذه الحيثية، ليبصر لذيه مع هذا المنحى، بعداً إنسانياً مشبعاً وشفافاً من خلال تجسيد معاناة شريحة اجتماعية مقهورة، تعتصرها وتحيط بها معالم شاعريته، فتطال أيضاً فئة مهدوري الحقوق من الناس، أو شعباً اقتُلع من أرضه، وحرص غويتيسولو في كتاباته على محاربة جميع أنواع التعسف والقمع بدءاً من ديكتاتورية فرانكو في وطنه الأم.
في الوقت الذي كان فيه بعض المتصيدين في الماء العكر، يحاولون لصق تهمة معاداة السامية بجينيه، إثر وقوفه إلى جانب الفلسطينيين في نضالهم، ونجده ينفلت من قيود حصار تلك الاتهامات، ليضيء على رحلة جينيه الأدبية والإبداعية، فيبرزها بمثابة مثال يحتذى به، كونه مثقف ناضج تحرر من قيوده الفردية، ليلاقي الآخر ويمد له يد العون في محنته، مقاسماً إياه جراحه وآلامه.
وينبري غويتيسولو للدفاع والبرهنة على هذه المسألة، ولدى صعود موجة الادعاءات التي كانت تريد تشويه صورة جينيه المناضل، عبر إلصاق تهمة اللاسامية به، كتلك التي أطلقها يوماً إيريك مارتي في كتابه «إقامة قصيرة في أورشليم»، نراه يصعد لهجته بثوب الحق، ليكتب مع هذه الرؤية مقالاً جوهرياً في الأسبوعية الفرنسية «لو نوفيل أوبسيرفاتور»، ليرد فيه على اتهامات مارتي، موضحاً أن جينيه لم يدن يوماً إنساناً ما، لمجرد انتمائه الديني أو القومي، بل ارتكز فقط على ما اقترفت يداه من أفعال وممارسات بحق إخوانه من البشر.
ويقول الكاتب الإسباني في مقاله «جان جينيه والفلسطينيين»: «بعد معاشرة الكاتب (أكثر من عشرين عاماً)، صحيح أني سمعته يشتم بغضب، أو بشيء من الدعابة في أغلب الأحيان، البورجوازيين البيض، الولايات المتحدة، وطنية الفرنسيين، وإسرائيل، لكن لم يفعل ذلك بحق اليهود مطلقاً».
يحكي شخصيته (مقابلة)
ولنستطيع توضيح دواعي استنفار جينيه وانخراطه في صفوف «البلاك بانتيرز»، والفدائيين الفلسطينيين، لا مفر من الاستعانة بكوامن ومضامين المقابلة التي أجراها غويتيسولو مع جينيه، والتي نُشرت في المجلة الأدبية «لا ريغل دي جو»، uej ud elgèR، في يناير 1986، قبيل بضعة شهور من غياب هذ الكاتب الفرنسي.
وفي هذه المقابلة القصيرة، يحاول جينيه الرد على بعض تساؤلات غويتيسولو في ما يتعلق بالتزامه السياسي، شارحاً له دوافع وقوفه إلى جانب الفهود السود في أميركا وأسباب تضامنه مع الفلسطينيين في الشرق الأوسط.
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن نص المقابلة المذكورة، أُعيد نشره في مؤلف صدر بالفرنسية يحمل عنوان «جان جينيه والعالم العربي»، حيث أعد على هامش المعرض المقام في المغرب بين العامين 2002-2003، تخليداً لذكرى جينيه وتمجيداً لأواصر الصداقة، التي ربطته بالعالم العربي.
ونورد هنا نص المقابلة، لنحيط معها بعدة قرائن وبراهين مثبتة في شأن القضايا المطروحة والمعروضة حول شخصية ومواقف جينيه:
خوان غويتيسولو: بدلاً من النضال من أجل الفهود والفلسطينيين، لم لا تناضل وسط الحركات اليسارية أو مع الحزب الشيوعي الفرنسي؟
جان جينيه: لسبب بسيط للغاية. وهو أنه ما من حزب أو مجموعة طلبت مني ذلك. ربما صورة اللص دفعتهم للابتعاد عن رجل مثلي، كما قلت سابقاً، وهذا الأمر لم يكن عائقاً، لا مع الفهود ولا مع الفلسطينيين. لعل هؤلاء ينظرون إلي كمعذب في الأرض، وهذا ما عزز أواصر التضامن بيننا..
فأنا ما شعرت قط بأني مواطن فرنسي، بالنسبة لي، فرنسا هي بلد كسائر البلدان، والوطنية ليست إلا شوفينية، وفي المحصلة هي عنصرية. وشعوري الدائم بأنني على مقربة من الفلسطينيين والفهود أكثر من الفرنسيين.
عندما أكتب بالفرنسية أواجه الصعوبة ذاتها التي تواجه جاكسون وهو يستخدم اللغة الإنجليزية، التصرف بلغة وبكلمات وبقواعد العدو، منذ بدأت الكتابة، كتبت دوماً ضد وطني. لو كان بوسعي تجريد الفرنسيين من كل ما يتفاخرون به:
جان دارك، ديكارت، لويس الرابع عشر.. بودي إقامة الدليل بأن جان دارك إنجليزية وبأن ديكارت ألماني، والحق يقال، مع الفهود، في فلسطين أو في فرنسا، إن العدو الذي أجابه هو نفسه على الدوام.
حقد
خوان غويتيسولو: الإمبريالية؟
جان جينيه: بلى، وأكثر تحديداً الإمبريالية الأميركية. إن الولايات المتحدة هي مسؤولة اليوم وبشكل مباشر عن كل ما يحدث في العالم. أينما أناضل، أجد نفسي دوماً في وجه أسلحة أميركية، ومرتزقة أميركيين، وحجج إمبريالية، وعنصريين أميركيين. حقدي كبير على مجتمع «اليانكي»، بحيث إن تقيأت، فإني، على ما أعتقد، قد أتقيأ نجوم علم بلاده.
خوان غويتيسولو: أتظنون أن هنالك تناقضاً بين جينيه، الأسطورة السارترية من جهة، والكاتب المسرحي والمناضل السياسي اليوم من جهة أخرى؟
جان جينيه: للوهلة الأولى يمكننا تصور ذلك، لكن لو تمعنا جيداً في الأمر، أعتقد أن هنالك استمرارية غير جليّة عبر مسيرتي. طفولتي في دار أيتام حكومية، وفي إصلاحيات الأحداث الجانحين، حَتّمت علي بلا شك فهم مشكلات الشعوب المُهجّرة من أراضيها، مثل الفلسطينيين والسود في الولايات المتحدة.
فليس من قبيل المصادفة أيضاً، أنني قمت منذ اثني عشر أو ثلاثة عشر عاماً بكتابة عملين مثل «الزنوج» و«السواتر»، حيث أظهرت ضرورة النضال الثوري عند السود وعند الجزائريين. ومن هنا، فإن نضالي في الوقت الراهن يندرج في منطقية الأمور.
أندلس الشيخ

