لا عجب في القول إن مهرجان التوليب كان وليد فكرة مصور عبقري من أصل أرمني سوري شاءت الظروف أن يتزامن وجوده في نفس الزمان والمكان اللذين كانت فيهما أميرة هولندا في كندا هرباً من ويلات الحروب، فكان هذا المهرجان ثمرة جميلة لأبشع حربين عالميتين واجهتا العالم.
لو عدنا إلى الماضي لوجدنا أن الحرب العثمانية على الأرمن في تركيا التي دفعت بالمصور ملاك كارش (1915-2001) وأسرته إلى الهرب إلى سورية بحثاُ عن ملجأ آمن ومن ثم الهجرة إلى كندا والاستقرار هناك هو نفس السبب الذي دفع أميرة هولندا جوليانا إلى الفرار من الاحتلال الألماني لبلدها إبان الحرب العالمية الثانية والاستقرار في كندا طلباً للملاذ الآمن أيضاً.فاجتمعت بذلك العوامل كلها لتؤسس لظاهرة من أجمل ظواهر الدنيا، بدءا من وجود ملاك كارش وشغفه بالتصوير وانسحاره بتجليات أبصال التوليب المتفتحة التي كانت هدية الأميرة جوليانا للشعب الكندي كعربون امتنان وعرفان بالجميل لما قدمه لها من دعم ومساندة في أحلك أيام حياتها.
فكانت فكرة مهرجان التوليب وليدة أفكار ذلك المصور العظيمة.ما إن تجول بناظريك في أرجاء الحدائق المزدانة بأزاهير الخزامى (التوليب) المتفتحة في سائر أرجاء المكان، مراقبا الصغار وهم يركضون بينها والسياح يلتقطون صورا للورود المتفتحة، فإنه يشق عليك مجرد التفكير بأن مهرجان التوليب الذي بات تقليدا سنويا في العاصمة الكندية أوتاوا كان قد ولد في أحلك فصول الحرب العالمية الثانية ظلمة. فإبان الغزو الألماني لهولندا في عام 1940 اضطرت الأسرة الملكية الهولندية للفرار إلى انجلترا ظناً منها بأنه الملاذ الآمن لها.
لكن سرعان ما خاب ظنها وتبين لها عكس ذلك بسبب ما كانت تمثله الآلة العسكرية النازية من تهديد لحياة الناس في كافة أرجاء القارة القديمة، فقررت الملكة الأم ويلهلمينا أن ترسل ابنتها وولية عهدها الأميرة جوليانا وولديها الصغيرين إلى كندا حتى تتمكن من التواصل مع حكومتها .
وهي في المنفى في حال تم اعتقالها أو قضت نحبها. وفي وقت لاحق من العام نفسه، توجهت الأميرة جوليانا وولداها، بسرية تامة، إلى مدينة ويلز لعبور الأطلسي باتجاه كندا على متن سفينة هولندية واستقروا في استورنووي التي هي الآن المقر الرسمي لإقامة رئيس الحزب المعارض في كندا. ولقد عاشت الأسرة الملكية كعامة الناس .
حيث درس ولدا الأميرة جوليانا في مدارس كندا الحكومية بينما تطوعت الأميرة المهاجرة وراحت تتابع مجريات الحرب القذرة وكانت هي الممثلة الرسمية عن والدتها الملكة حيث قامت بزيارات عدة لحشود الجيش في كندا وأمريكا والكاريبي الهولندي، في حين ظل زوجها الأمير برنارد حبيس البيت كالنساء.
في عام 1943، كانت الأميرة جوليانا على وشك أن تضع مولودها وهو أول طفل ملكي كان سيولد على أرض كندية وما من أحد كان يعرف ما إذا كان المولود ذكرا أم أنثى. فإذا كان ذكرا فسوف يرث العرش، لكن يبقى هناك مشكلة كبرى لأن وريث العرش يجب أن يولد على أرض وتراب هولنديين.
وعندما حانت ساعة المخاض، اتجهت الأميرة إلى مستشفى حكومية حيث قامت الحكومة الكندية بمنحها غرفة خاصة في المستشفى تتمتع بسيادة هولندية خالصة حتى يتسنى للأميرة إنجاب ولي العهد الهولندي على ارض هولندية وتقول بعض الشائعات إن احدهم قد رش بعض التراب الهولندي تحت سرير الطفل وبذلك يبدو الطفل وكأنه ولد حقيقة على ارض هولندية .
وهكذا ولدت الأميرة مارغريت التي اصبحت تشغل الترتيب الرابع في قائمة ورثة العرش ولقد قامت الملكة الام والأمير برنارد وهو زوج الأميرة جوليانا بمجازفة كبرى عندما سافرا إلى كندا لحضور حفل عمادة الأميرة مارغريت، الذي اعتبر حدث عالمي عظيم حضرته ملكة انكلترا ماري ورئيس الولايات المتحدة روزفلت والذي كان الأب الروحي (العراب) لمارغريت.
مئات الآلاف من الهولنديين كانوا قد عذبوا واعتقلوا وقتلوا أثناء الاحتلال لكن ولادة الأميرة مارغريت زودت الشعب الهولندي بدافع كبير للنضال والكفاح، فأطلقوا عليها لقب «ديزي»، رمز القوة لدى الشعب الهولندي.
في نهاية المطاف، كان لابد لأمواج الحرب العارمة من أن تهدأ والنيران المتأججة من أن تخمد فما أن تحررت الأراضي الهولندية من بطش الاستعمار الألماني حتى هبت الحكومة الكندية على وجه السرعة ومدت يد العون لإعادة إعمار الدولة الخارجة كالعنقاء من تحت رماد البارود، وبعد يومين من انتحار هتلر عادت الأسرة الملكية الهولندية إلى ربوع الوطن واعتلت جوليانا عرش المملكة.
وفي عام 1946 وفي بادرة من الملكة لرد الجميل للكنديين، ارسلت لهم مئة ألف بصيلة من بصيلات زهرة التوليب ليزرعوها في بلادهم وعشرة آلاف بصيلة هدية سنوية تحولت في آخر الأمر إلى رمز عالمي للصداقة بين الشعوب والجمال في فصل الربيع.
وفي عام 1951 استضافت كندا مهرجان التوليب الأول الذي كان من بنات أفكار المصور السوري الأرمني الأصل ملاك كارش المولود عام 1915في بلدة ماردين التي تقع شرق تركيا وهو من أصل أرمني، تمكن من الفرار مع أسرته إلى سوريا هربا من الحرب والاضطهاد. هاجر إلى كندا عام 1937 ليتتلمذ على يد أخيه المصور المشهور يوسف كارش.
وبعد أن تعلم القواعد الأساسية للتصوير بدأ بالتخصص في التصوير الصناعي والصحافة التصويرية. وفي عام 1941 فتح أول أستوديو له في شارع سبارك في اتاوا في مقاطعة اونتاريو بمساعدة سكرتيرته باربارا هولمز التي أصبحت فيما بعد زوجته وشريكته في العمل مدى الحياة وأم لأولاده الأربعة.
صور ملاك للعاصمة الكندية مغمورة بأمواج بحر من التوليب جعل اسمه معروفا عالميا، وافتتانه بالأزاهير المتفتحة قاده إلى فكرة تأسيس مهرجان سنوي للتوليب في اوتاوا.
وكانت صوره تزين صفحات الكثير من المجلات العالمية مثل «كنيديان جيوغرافي» و«نيويورك تايمز». وهناك الكثير من الطوابع التي نشرت عليها صوره والتي كان أحدثها طابع التوليب الكندي وورقة نقدية بقيمة دولار واحد. وتكريما له قامت الحكومة الكندية بتسمية أحد الشوارع باسمه.
أصل التوليب
جاءت زهرة التوليب في الأصل من شرق تركيا وسهول آسيا الوسطى، وفي العهد العثماني قاموا بزراعتها في اسطنبول، فزينت قصور السلاطين وحدائق الصفوة فيها. ولقد انتقلت هذه الزهرة إلى أوروبا عن طريق الإمبراطورية العثمانية في منتصف القرن السادس عشر .
حيث وجدت عناية خاصة بزراعتها في هولندا فجعلت منها صناعة مربحة بعد أن بدأ التجار في امتلاك أكثر هذه الأبصال ندرة وتعاظمت المنافسة عليها حتى وصلت أسعارها إلى حد الجنون وأصبحت رمزاً ومصدر دخل كبير لهولندا حيث تنتج سنوياً بليون زهرة تصدر إلى كل بلاد العالم.
خالدة الرفاعي


