(القلب: هذا المجهول في تاريخه! لأن تاريخه ينصبُّ على البدايات وما دوّن عنه، وما كان وظل بلا تدوين، وهو مقحَم في صراع مع العقل وهو غير منفصل عنه، بقدر ما يتداخل معه يكون العقل ذاته أو يتميز عنه بنسَب شتى!).ما الذي ألهم الكثير من الناس، بضرورة إيلاء القلب مكانةً شديدة الخصوصية أكثر من أي عضو آخر في الجسم.
ربما كان القلب نفسه وهو الرابض وراء متراس، هو الحجاب الحاجز، هو الجامع إلى تكوينه الهندسي والجمالي، ما بين صنوف الأشكال الهندسية بتمثيلات رمزية: بعض من دائرة تمثل كرتنا الأرضية وعالمنا، ووجودنا الرحمي، وبعض من امتدادات للمربع والمستطيل والمعين والزاوية المتعددة الدرجات والخط على أشكاله، وحتى العمق الرياضي المجازي.
وما يدخل في حساب المقعَّر والمحدَّب، وما يتجاوز حدوده من خلال نبضه الذي يمد جسماً كاملاً بالحياة، ليكون هذا الصغير الطري الرطب الدائم الخفقان مهاد الصادر والوارد فيما يعنينا ويعيننا !
من القلب إلى القلب، وفي القلب كذلك، يكون تحركنا الدائم، حتى بالنسبة لأكثر العلماء رهاناً على التجريد، إذ ليس هناك سوى القلب الذي يحدد علاقتهم الوجدانية والذوقية بالمحيط الاجتماعي والآخرين خارجاً.
ربما هو إغراء المركز: المحور الذي يحيل الجسم كلياً غليه وراء مقولة «مركزية» كهذه، أي اعتباره استقطابياً!
القلب: هذا المجهول في تاريخه! لأن تاريخه ينصبُّ على البدايات وما دوّن عنه، وما كان وظل بلا تدوين، وهو مقحَم في صراع مع العقل وهو غير منفصل عنه، بقدر ما يتداخل معه يكون العقل ذاته أو يتميز عنه بنسَب شتى!
يمكن البحث في تاريخ مشاعرنا وعواطفنا وحقيقة ما كتبناه في المجالات كافة انطلاقاً من هذا القلب بالذات، ومصدر خلافات بني البشر، وموقع القلب في كل خلاف أو اختلاف، في كل اتفاق وطبيعته، ما كان معه وعليه.
بعيداً عن السجالات التي استقطبت القلب أو أقحِم القلب فيها! يمكن لحياتنا اليومية أن تكون دليلنا العملي في تحديد موقع القلب وعلاقتنا به، ما يعنيه حديث أحدهم، وبعفوية( أنا قلبي دليلي!)، ما تعنيه التفاتته إلى نفسه أو ذاته في الحالات الأكثر حميمية وتألماً وهو يضع على قلبه، حتى وإن كان يشكو من صداع في رأسه.
كما لو أنه يتوسل القلب في أن يسعفه ونحن نعبّر عن أعمق عواطفنا تجاه الآخرين، وفي الفن العظيم نشأة، وفي الأدب عموماً حيث يظهر القلب بمثابة الطاقة الروحية المتدفقة والراعي الأمين لهذا الذي نسرح معه أفكاراً وتصورات وأوهاماً.لا مجال هنا البتة، للحديث عن العواطف الجامدة أو عن برودة العلاقات الاجتماعية، أو تحجر القلب أو ضعفه... الخ.
لأن هذه المواقف تتشكل من الخارج، لا بل تكون برهاناً فعالاً على ألا مفر من اللجوء إلى القلب ولو سلباً، لتوضيح فكرة أو موقف أو علاقة لأي منا، ولو على صعيد أكثر علاقاتنا الاجتماعية والدولية خطورة.
في وسع أصحاب النظريات المتمحورة حول العقل أن يعبّروا عن امتعاضهم مما يجري، وهم يرون أن العقل وليس سوى العقل، مرجعنا فيما نقول ونعمل، وما القلب إلا آلة عاملة في الجسم بغض النظر عن مدى أهميته، وهذا حقهم في هذا السجال المفتوح واللانهائي ما بقي دهرنا البشري.
وقد أريق حول ذلك الكثير الكثير من البارد والحار(الحبر الأزرق والدم الفعلي)، فلا يعود السؤال في عهدة جواب قاطع يخص أياً منهما، إنما هو دخول في تاريخ أبعد وأعمق من كونه التاريخ القادر على إرضائنا قطعياً بأن وراء حقائقنا الكبرى يكون القلب أو خلافه.
إن اللغة ومن خلال المشتق منها كما هو شأن المعنيين بها من فقهائها، لا تسعفنا كما يجب في تحديد مسار السؤال. إن لكل لغة نظرة إلى هذا «المعذَّب» بنا في كل شاردة وواردة، وكيف يكون «مرتجعنا» باسمه، شعوراً وتقديراً أوليين أو ضمنيين منا، أننا في هذا المركز لحصين والوسط داخلاً، ربما نستطيع ضمان بقاء أكثر لنا.
هل القلب هو التأويل والعقل هو التفسير؟ لعله هو الآخر سؤال ينضم إلى قاطرة الأسئلة الطويلة تاريخياً، ولا بد أن تتضخم القاطرة هذه وتزداد طولاً واتساعاً مع الزمن، إذ حتى لو تردَّد ذات يوم أن القلب هو حاملنا الحياتي ومتحكم في مصيرنا، لما توقفت القاطرة هذه عن الحركة، لأن معرفة سر الحياة.
كما يبدو، تعني أن يستمر السؤال ليس حباً في استفزاز هذا الجانب أو غيره، أو حباً في السؤال نفسه، إنما لأن على السر ذاك أن يبقى سراً، لتكون المعرفة من جهتها قابلة للتنوع.
وليكون التنوع في الآراء والمواقف تعبيراً عن الاختلاف بصدد القلب الذي لا يمكننا إطلاقاً التنكر لأهميته الاستثنائية فينا، كما يعلمنا بذلك عقلنا، ولكن أين يكون عقلنا بعلمه هذا/ ذاك؟
أترك الجواب للقارئ العزيز، لأنني في اللحظة هذه أضع يدي على قلبي متمنياً له سلامةَ عقل واطمئنان قلب!؟
ابراهيم محمود
