هواؤها بحري، يخفف وطأة صيف ساخن، ملمح الشروق منها يعلن إطلالة يوم جديد وأمل منتظر منذ البعيد، للغروب معها حكاية عشق، نظرة من ورائها هي إطلالة على الكون، بحار تموج ومحيطات بعرض الأفق يسبح الناظر إليها بقدرة الخالق عظمة المخلوقات، صحارى ووديان وجبال شامخات تداعب عيون المطلين منها، من النافذة، التي تلعب أدواراً متعددة في حياة الإنسان.

بالنسبة للبعض هي العالم بأسره، عندما تستحيل الحركة للتفاعل معه، وهي الأمل عندما ينظر إليها في العالي داخل زنزانة السجن ـ ينظر إليها السجين ـ لتحرك بداخله الشعور بالحرية يوم يفارق تلك الزنزانة، التي أطبقت على أنفاسه وضلوعه لسنوات طويلة، هي الطريق إلى السماء، عندما يرفع المطل منها يديه ويرتل القلب والوجدان بالدعاء لله سبحانه مغير الأحوال، فتكون رحمة الله بعباده المخلصين، والخطائين الذين يطمحون إلى قبول التوبة. هي ـ ا لنافذة ـ كل العالم في لمحة بصر، هي الدنيا، منها نقرأ الحركة والسكون، من ورائها يطول التأمل، وربما تحاك الخطط والمؤامرات، وأيضاً توضع الحلول لمشكلات عضال، تخفف على المريض رقدته، وربما تكون وضعيتها تجاه القبلة فيمكن لكل أن يؤدي الصلوات والدعوات وينتظر الرحمات.

النوافذ قد تكون السبب في كارثة ما، يظل الإنسان يبكي عليها الدهر كله، عندما يتسرب منها الصغير النحيل دون أن يدري بأن إطلالته منها هي الأخيرة، في غفلة من الكبار الذين تلهيهم أشياء وأشياء هي الأتفه مقارنة بالصغير الراحل في صمت يسبقه فضول! يخيل للبعض ـ عندما يصل إيمانهم لمرحلة ما دون الصفر ـ بأنها الخلاص من عالم ظالم ومخيف، فتشهد النوافذ حوادث الانتحار فراراً من الأزمات، ولكن هؤلاء المتنمرين وفي غفلة من الضمير والإيمان، لم يفكروا في أن الجحيم الحق ينتظرهم في دار الخلود، فلا مفر ولا فرار مهما كثرت النوافذ حينذاك!

نوافذ أخرى تجعلنا نطل من «العلالي» من فوق السحاب وكأن العالم كله في قبضة يد عندما نطل من نوافذ الطائرات، فنرى إعجاز الخلق، فالبحار تفترش قاع العالم، والسهول والوديان والشطآن متعرجة، وكأنها خريطة طبيعية والجبال الرواسي تحيط العالم وكأنها حراس، فلا يمكن للإنسان إلا أن يكبر ويسبح بقدرة الخالق القهار، ويدعو مليء القلب واللسان، وهو بين السماء والأرض، فهي من الدعوات المجابة بإذن الرحمن.

وماذا عن كبار السن؟ فالنوافذ بالنسبة لهم طريق إلى الخارج، يكتفون بالنظر منها، ويتذكرون أيامهم الخوالي، عندما كانوا ضمن من يدبون على الأرض ويملأونها حركة وعنفوانا، ولكن دوام الحال من المحال، هكذا قال الحكماء! وما علينا إلا القناعة والرضا وحب المكان حتى لو كان من وراء نافذة!

رذاذ الأمطار وهبوب الرياح وسقوط الثلوج وحراك الأتربة موسيقى تعزفها الطبيعة، نسمعها عندما تصطدم تلك الأصوات بزجاج النوافذ، فتحرك فينا الشعور بالضآلة، فالطبيعة منطقها الأقوى دائماً.

من النافذة، مظاهر متعددة محببة أحيانا ومنفرة أحياناً أخرى، عادات وتقاليد وأعراف ارتبطت بالنوافذ، فهي ضمن العديد من المظاهر الاجتماعية لدى كل الشعوب، من العادات المصرية في الأزقة والحواري المتعرجة تلعب النافذة دوراً جميلاً، فمنها تتدلى سلة متوسطة الحجم مربوطة بحبل تمسك طرفه ربة البيت أو أحد أفراد الأسرة، بداخل السلة حلة «طنجرة».

وبداخلها نقود، وصوت ينادي على بائع الفول المدمس أو البليلة ليلقف السلة «السبت» ويضع الفول الكهرماني الساخن أو البليلة بداخل الحلة ويلتقط النقود، ويتمتم بطريقة فولكلورية «صباحنا فل إن شاء الله»!

وتظل السلة حائرة فيما بين النافذة والباعة المتجولين كباعة الخضروات والفواكه حتى منتصف النهار. وفي الأحياء الشعبية في مصر خاصة في المناطق التي تعكس تاريخاً خاصاً جداً تكون النوافذ من الآربيسك «الخشب المشغول والمعشق يدويا» ووراءه توضع صينية من الألومنيوم وبداخلها مجموعة من «القلل» القناوي وحبات من «الحرنكش» «فاكهة شعبية رخيصة الثمن ذات مذاق لاذع».

وتسمى في الريف المصري «بالست المستحية» لأنها تحيطها أوراق شجر صغيرة تطل منها حبة فاكهة صفراء! بجانبها حبات من المشمش، تلفحها نسمات جميلة تضفي عليهما وعلى وإلى ماء القلل القناوي «المصنعة في قنا بصعيد مصر» مذاقاً بارداً وكأنهما والماء معهما يخرجان من ثلاجة أميركية الصنع!

وتشهد النوافذ أيضاً «غيرة النساء»، فتظل ربة البيت وراء النافذة تراقب «سي السيد» حتى يطمئن قلبها إلى أنه «من البيت للشغل والعكس» خاصة بعد المغرب، وإذا غاب، فينتظره تحقيق يبدأ ولا ينتهي..!

واذا كانت النوافذ هي الإطلالة أو «المنفذ» إلى الخارج، ففي أحيان كثيرة يفضل الإبتعاد عنها «فمن خاف سلم» هكذا كنا نسمع وقت قيام الحروب، فكانت تطمس معالم النوافذ بصبغتها باللون الأزرق الداكن أو وضع ورق داكن عليها يثبت بإحكام حتى يحجب أي ضوء ولو خافت للوصول لخارج النافذة، ولكن ماذا تفعل النوافذ في نوعيات الحروب الحديثة؟

كحروب الماء، وحروب التكنولوجيا، وحروب الفكر، لا حول ولا قوة للنوافذ تجاهها سوى التضرع إلى الله لرفع مثل هذه الإبتلاءات والحروب!

وللنوافذ دور مهم في الفن السابع والدراما العربية والعالمية أيضاً، فقد عودنا المخرجون العرب على أن تهب رياح عاتية على أثرها تفتح النوافذ بقوة الرياح فتكون كناية عن حدوث مصيبة ما، خاصة إذا التمع البرق والرعد من ورائها.

وهي طريقة في الإخراج في مرحلة الخمسينات من القرن الماضي، وهي تتحول كذلك في السينما والدراما لأداة تخدير، عندما تقول الزوجة: «سألقي بنفسي من النافذة» وهي في حالة ضيق من زوجها وأولادها، ولكنها لا تتعدى مرحلة التهديد «يا روح ما بعدك روح»، هكذا تقول الأمثال الشعبية.

والنافذة كذلك تكون أداة في السرقة مثلما يعكسه فيلم «المشبوه» لعادل أمام وسعاد حسني، عندما سرقا بمساعدة سعيد صالح محتويات إحدى الشقق في الأحياء الراقية، وأيضاً شهدت النوافذ والشرفات العديد من لقطات الهروب مثل هروب «سعيد مهران» من مطاردة البوليس في فيلم «اللص والكلاب» للعالمي نجيب محفوظ من بطولة شكري سرحان وكمال الشناوي.

وللطرب والمواويل مع النوافذ «الشباك» حكاية من أشهرها أغنية محمد العزبي التي تبدأ بموال «ردي الشباك يا بهية لناس يحسدوكي»، وهي من أروع ما غنى العزبي، صاحب الحنجرة الذهبية.

وللنوافذ جمالياتها الخاصة جداً، حكاياتنا معها تبدأ بصناعة الزجاج وتعشيقه بالألوان والنحاسيات المشغولة يدوياً والمعشقة كذلك بالخشب «الآرابيسك» كالدنتيلا الرائعة التكوين.

فصناعة الزجاج من الحرف القديمة والعريقة التي توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل في الشرق والغرب على حد سواء، وهي من الحرف التي تستمد مادتها من البيئة، حيث تعتمد جمالياتها على استخدام مخلفات الزجاج كمادة خام وعلى الألوان التي يختارها الحرفي بذوقه الراقي الذي اكتسبه بالخبرة الطويلة.

وقد شهدت هذه الصناعة تطوراً كبيراً وملحوظاً في الفن الإسلامي في المنطقة العربية خاصة مصر وبلاد الشام وشمال إفريقيا، وقد برزت الزخرفة الإسلامية على أسطح المرايا والقوارير بألوانها المطلية بالذهب والنقوش والتعشيقات الملونة المتداخلة في أشكال بديعة وخطوط الرسم الهندسي، الذي يميز الفن الإسلامي بصفة خاصة.

وتاريخ فن الزجاج المعشق الملون، يروي لنا أن النوافذ «الشبابيك» ذات الزجاج الملون والمحفور يدوياً أطلق عيها مصطلح «قمرية أو شمسية» وجاءت هذه التسمية نسبة إلى وظيفة هذه الشبابيك والنوافذ التي يعكس زجاجها ألواناً متألقة بديعة عند سقوط أشعة الشمس أو ضوء القمر عليها في النهار والليل.

وبلغ أوج صناعة هذا الفن «الزجاج الملون المعشق» وازدهر في العصر المملوكي نتيجة لتطوير فن العمارة الإسلامية في ذلك العصر، وظهر تألق هذا الفن في نوافذ المساجد وأسقفها وداخلها، لما لها من وظائف علمية مدروسة من حيث حجب الرياح والغبار عن المساجد أو المباني، مع السماح بإتصال النور المناسب مع جماليات النور والظلمة بأشكال زخرفية بديعة تسر عين المشاهد من خلال قطع الزجاج الملون وتشكيلاته الرائعة.

ومن أشهر المساجد الأثرية، التي برز فيها جماليات النوافذ الملونة بالزخارف والتعشيقات، مسجد «أحمد بن طولون» ومسجد «برقوق» الذي يضم 125 شباكاً ملوناً مزخرفاً والقبة الفداوية المعشقة بالزجاج المشغول بأشكال بديعة مميزة.

ومن البيوت ذات الطراز الإسلامي التي تبرز نوافذها بأشكال رائعة الصنعة بيت «زينب خاتون» و«جابر أندرسون»، وتجيء أشكال الحفر فيها على شكل نباتات وأشكال هندسية ورموز من الرسم للخط العربي.

وتعتبر المساجد الدمشقية من المساجد رائعة التكوين التي تعكس نوافذها وأسقفها أشغالاً وفنوناً يدوية الصنع تبرز فيها جماليات تعشيق الزجاج الملون بالنحاسيات المشغولة يدوياً، وتقام في العاصمة السورية دمشق العديد العديد من المعارض السنوية التي تعكس جماليات النوافذ والأبنية التي يبرز من خلالها جماليات النوافذ الزجاجية يدوية الصنع ذات الحرفة النادرة، من أشهرها ما أقيم مؤخراً في دمشق معرض الحرف والنوافذ الزجاجية في الثالث والعشرين من سبتمبر في العام 2002.

وتعتبر فوانيس رمضان المصنعة بالطريقة المصرية القديمة التجسيد الفني الرائع لتعشيق الزجاج الملون مع النحاسيات المشغولة، وتتميز هذه النوعية من الفوانيس بوجود باب صغير أو ما يسمونه بنافذة الفانوس، عندما نفتح نجد شمعة صغيرة مثبتة في فجوة نحاسية متقنة الصنع.

ويعتبر الإبداع بالزجاج والنوافذ الزجاجية واحداً من رموز معمار ما بعد الحداثة والذي يظهر واضحاً في المباني الحديثة بدبي، ومنها على سبيل المثال الأبراج الحديثة والمعمار داخل مدينة الإعلام بدبي، فيظهر مبنى محطة «أم. بي. سي» ح رمزاً لمعمار ما بعد الحداثة بالزجاج المعشق، وهي تشبه المقر الرئيسي للمحطة في لندن.

والنوافذ الزجاجية رائعة التكوين والألوان تعكسها مقر وكالة «رويترز» في المركز الرئيسي لها بلندن في منطقة «كاناري وارف» وسط لندن ويعكس المركز الرئيسي «لدوتيشه بنك» لمَُِّّّكوم قفًَ في فرانكفورت واحداً من أجمل المباني الزجاجية العملاقة ذات النوافذ رائعة التكوين الفني المعماري.

الزجاج المعشق

تعتبر الفنانة التشكيلية المصرية فاطمة الطناني واحدة من رواد فن الزجاج المعشق وإظهار إبداعاته على مستوى العالم العربي والغربي، تمتلك ورشة لتصنيع الزجاج المعشق والرسم وتلوين النوافذ بصفة خاصة.

وقد بدأت مشوارها الفني في كلية الفنون التطبيقية بالقاهرة، وفازت بمنحة لدراسة فنون تعشيق الزجاج في انجلترا دامت 6 سنوات، ثم حصلت على درجة الدكتوراه من الولايات المتحدة الأميركية من جامعة فلوريدا في مجال النقش على الزجاج.

وتخصصت في الفنون والعمارة الإسلامية في مجال الحفر وتلوين الزجاج، وزخرفة النوافذ، ولها إبداعات في صناعة الحلي والأثاث الذي يدخل في كل منهما الزجاج الملون والمطعم بالنحاسيات المشغولة يدوياً وبخشب الورد المحفور يدوياً أيضاً.

منى مدكور