كان ميلاد الفرقة أو تحقيق الحلم ثمرة الهدف الواضح والإخلاص الصادق والطموح الجريء لمجموعة من الشباب المثقفين الرياضيين أبطال الجمباز والغطس والسباحة بنوادي القاهرة وهليوبوليس، اقتنعوا بفكرة الفنان محمود رضا وتجمعوا في منزل «بابا حسين» أو د.حسين فهمي الأستاذ بهندسة عين شمس والد فريدة أو ميلدا اسم الدلع وقتئذ وزوجة أخي علي رضا، وبدأت التدريبات.
على مدار خمسين عاما قدمت فرقة رضا للفنون الشعبية حوالي 400 رقصة مختلفة تجمع الفلكلور المصري بكل تفاصيله، جمعها مؤسسها محمود رضا من خلال رحلات قام بها في نجوع وقرى ومدن مصر، من عمق الجنوب إلى أطراف الشمال، العريش وسيوه والأقصر وأسوان وسوهاج والشرقية ومرسى مطروح والإسكندرية، حاول استجماع الأسلوب والروح الخاصة بكل رقصة وتحليل وتوثيق المكونات الأساسية لها. ولم يكتف رضا خلال رحلاته بجمع أساليب الرقص والأغاني بل جمع الحكايات والقصص والأغاني والأزياء والموسيقى انطلاقا من أن الرقص فن جامع، والراقص يحتاج إلى أن يكون ملماً بالموسيقى وفنون الإضاءة والتصوير والأزياء والمسرح.
جمع رضا أشهر رقصات فرقته قدمتها في تابلوهات حازت إعجاب وتقدير العالم، قدم رقصة الحجالة والفوانيس والشمعدان والنوبة والملاية اللف وبياع العرقسوس والتحطيب، رقصة الخلخال، بنت اسكندرية، المركبي، حرامي القفة وغيرها. خمسون عاماً واحتفالا بمرور 50 عاماً على تأسيس فرقة رضا للفنون الشعبية، أقام مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية احتفالية كبرى للفرقة وذلك بحضور روادها من الراقصين الأوائل الذين قدموا أول عرض للفرقة في أغسطس 1959، وهم فريدة فهمي، ونيفين رامز، وحسن عفيفي، وهناء الشوربجي، ونبيل مبروك، وحمادة حسام الدين، والجداوي رمضان، وإيهاب حسن، وزكريا عبد الشافي، ونسرين بهاء، بالإضافة إلى مؤسس الفرقة محمود رضا.
وقدم مدير مكتبة الإسكندرية د.إسماعيل سراج الدين والمايسترو شريف محيي الدين مدير مركز الفنون بالمكتبة لكل من الفنان محمود رضا والفنانة فريدة فهمي درعا من الجرانيت الأسواني، الذي بنيت به مكتبة الإسكندرية، منقوش عليه كلمة تقدير من مكتبة الإسكندرية لتاريخ الفرقة العظيم.
وألقى الفنانان محمود رضا والفنانة فريدة فهمي محاضرة بعنوان «خمسون عامًا على إنشاء فرقة رضا» تحدثا خلالها عن ذكرياتهما خلال رحلتهما الفنية، والعقبات التي واجهتهما في تأسيس الفرقة والمواقف الطريفة التي صادفاها خلال بحثهما عن التراث الشعبي المصري في أرجاء مصر.
التكوين والتأسيس
يقول محمود رضا: بالفعل كانت البداية من الصفر بل من تحت الصفر إذ المهم أن الفرقة بدأت تدريباتها شهورا طويلة على لوحات اقتبست من الحياة مثل بياع العرقسوس والناي السحري وخمس فدادين وغيرها إلا أن أغلبهم لم يكن يعرف شيئا عن الرقص، وبدأت أول نواة لفرقة راقصة.
وتذكرت أيام كنت أعمل راقصا في أحد مسارح باريس الاستعراضية، عندما أعلن المسرح عن حاجته إلى راقص واحد، فاحتشد في اليوم التالي مئات من الراقصين المدربين المهرة كلهم يرغب في الحصول على الوظيفة، وظننت أنه لو اتبعت نفس الطريقة في الإعلان لما وجدت في مصر في ذلك الحين راقصا واحدا يجيب النداء.
المهم أن الفرقة بدأت تدريباتها شهورا طويلة على لوحات اقتبست من الحياة مثل بياع العرقسوس والناي السحري وخمس فدادين وغيرها، وكانت كل تدريباتها بدون مصاحبة الموسيقي.
ولم يكن ذلك مقصودا ولكن إمكانيات الفرقة كانت محدودة، فكان أحد الأعضاء يلعب على «الطلبة» والآخر يتمتم ألحانا شعبية تتمشي مع الرقصة، وآخر يعد واحد، اتنين، ثلاثة.
وهكذا حتى قرب موعد الافتتاح، كانت رحلة الصراع بحثا عن راقصين قد انتهت، لتبدأ رحلة الصراع في البحث عن موسيقيين، وراحت أبحث عن فنان مشهور يكتب لي الموسيقى التي تشكل عنصرا هاما من عناصر العرض، وتعرفت بأحد الموسيقين الكبار، وعرضت عليه الفكرة وشرحت له الرقصات، ثم سألته عن التكاليف.
وكنت في قرارة نفسي مستعدا لأن أجازف بمبلغ ثلاثمائة جنيه اقترضت معظمها من الغير لأدفعها لمؤلف الموسيقي، ولكن الفنان الكبير طلب ألف وثلاثمائة جنيه.
ليلة أول عرض
تحدد يوم 6 أغسطس 1959 موعدا لافتتاح الفرقة وبعد جهود جبارة تم استئجار مسرح 26 يوليو المكشوف لمدة عشرة أيام فقط، وتم إعداد البرنامج الأول بعد أن اكتملت عناصر الفرقة من راقصين وراقصات وموسيقي وأغان وملابس وديكور، ومر النهار ولم يتقدم شخص واحد لشراء تذكرة، فحلق في الأفق طائر الفشل الأليم.
وفي الساعة السادسة حضر أحد الرواد واشتري خمس تذاكر، فتعالت صيحات الفرح توقظ طائر النجاح الجميل، وتبعثه من رقاده، هناك إذن خمسة متفرجين على الأقل سيشاهدون حفل الافتتاح، ورفع الستار في الساعة التاسعة والنصف، وكم كانت دهشة الجميع بالغة فالمقاعد كلها مشغولة والصالة شديدة الازدحام.
ولكن جمهور تلك الليلة كان كله رجال إذ لم يجرؤ صاحب أسرة علي اصطحاب زوجته وبناته إلى مثل هذا العرض قبل أن يتأكد بنفسه من مدي صلاحيته لإفراد الأسرة، ونجحت الفرقة في تلك الليلة علي مستوي شباك التذاكر فقط، ولكن النجاح الحقيقي لم يتحقق إلا في الليالي التالية عندما حضر المتفرج.
وهو يصطحب معه زوجته أو بناته أو والدته أو أخواته، فأصبح الجو الذي يسود المسرح هو جو الأسرة، ودلالة ذلك أن الرقص اكتسب الاحترام العائلي الذي كان يفتقده وبشر هذا بأن كلمة رقص في طريقها إلى التخلص مما يشوبها من عيوب.
رقصة الحجالة
يقول محمود رضا: أنا لا أنسى رقصة الحجالة، سمعنا عن هذه الرقصة في مرسى مطروح، وبالمناسبة كلمة «رقاصة» عندهم يعني «حجالة»، وذهبنا إلى مرسي مطروح لنتعلم الرقصة، وأخذنا معنا أجهزة تسجيل وآلات تصوير وسينما.
وهناك قابلنا سكرتير المحافظة وكان الرجل مريضا، وقال لنا إن هذه الرقصة تعرض في الأفراح وأول فرح يوم الخميس المقبل، ولم يكن بإمكاننا الانتظار حتى يوم الخميس لأن عندنا موعدا في سيوه، وقال لنا الرجل نعمل الفرح اليوم بعد ساعات، وماذا سيكون موقف العروسة حينما يتم إخبارها بأن الزفاف سيتم بعد ساعات.
بقيت مشكلة المعازيم، واحد مسك بندقية وأخذ يضرب النار في الهواء مئات الطلقات، وتجمع الناس وكانوا هم المعازيم، وجاءت الحجالة الرقاصة، ودخلت البيت وتجمع الناس في الخارج، وأخذوا يصيحون عليها ويصفقون.
وهي تنظر من خلف الباب إلى أن ارتفع التصفيق وتم التسخين، وخرجت الحجالة وسط تصفيق الناس ورقصت بينهم وحتى تنتقل الحجالة إلى غيرهم لابد أن يرتفع تصفيقهم أكثر، وهكذا تنتقل الحجالة من مجموعة إلى مجموعة أخرى.
جنية البحر
ينتقل محمود رضا إلى رقصة جديدة «جنية البحر» ويقول: كان سنة 60 لما ماتت زوجتى نادية أخت فريدة، فكرت في الصيادين الذين يخرجون للصيد، يقعدون في البحر لعدة أيام ويعودون وأحدهم قد مات أو غرق، كنت في الغردقة ورأيت في أحد الصباحات سمكة القرش علي البلاج، والناس متزاحمين حولها وواضعين عصا في فمها.
والناس قطعوا بطنها بالسكاكين، وطلعوا يدين وأجزاء من القفص الصدرى لإنسان ساعتها، تألمت للمشهد، وفي تراثنا الشعبي الإنسان عندما يغرق يقولون أن جنية البحر خطفته، هذه الفكرة استهوتني وعملت رقصة جنية البحر، وهي 15 دقيقة، والستائر تعبر عن الموج وطبعا الرقصة فيها واقع ممزوج بخيال وفيها إبهار لكن لمسة الحزن لا تسيطر عليك لو علمت القصة وراء الرقصة.
رقصة التحطيب
ويقول محمود رضا لقد تركت رقصة التحطيب علامة في رأسي لن أنساها فقد ذهبت إلى أسيوط لأتعلم التحطيب، ورأيت آلافا من لاعبي العصا في الصعيد، والعصا عندهم اسمها «الشوما» وهي ثقيلة وغليظة وطويلة، وطلبت من شخص أن يعلمني، وجلست ثلاثة أيام أتعلم معه طول الليل والنهار، وفي آخر درس عملت غلطة فالمفروض أن أحمي جسمي بالعصا.
ولكني كشفت رأسي وانتهز المدرب فرصة أن رأسي مكشوفة ورقعني علي دماغي وطفر الدم من رأسي، وغطي وجهي، وسندت نفسي علي الحائط وقلت للمدرب: ليه كده وضحك الرجل، وقال: علشان تفتكر من الذي علمك رقص العصا.
وأكدت الفنانة فريدة فهمي أن الصور التي قام الفنان محمود رضا بالتقاطها تقدم لمحة عن التراث الغني للرقص المتأصل في وجدان الشعب المصري منذ قديم الأزل، وهو نوع من أنواع التوثيق الذي يبين ما إذا كانت الرقصات التي تم تصويرها مازالت تؤدى اليوم بعد مرور أكثر من 40 عاما أم لا.
تجدر الإشارة إلى مكتبة الإسكندرية أصدرت ألبوما يأتي تزامناً مع الاحتفالية، ويعتمد ألبوم (الرقص حياتي) على محورين، الأول بحثي يرصد رحلات محمود رضا لأقاليم مصر المختلفة ليطلع على منابع الفن الشعبي.
والمحور الثاني يظهر في أن (الرقص حياتي) هو كتاب مصور من الدرجة الأولى، فهو يعطي القارئ فكرة موجزة ومعبرة عن شكل الفنون الشعبية بشكل عام وفنون الرقص في أقاليم مصر المختلفة بشكل خاص.
ويقدم الألبوم عن طريق الصور توثيق للرحلات الميدانية التي قام بها الفنان محمود رضا إلى أماكن شتى في مصر في محاولة لتجميع مادة فنية لاستخدامها في تقديم عروضه الفنية، وخلال بحثه عن الإلهام واكتشاف الإمكانات التي يمكن للرقص الشعبي أن يضيفها لخشبة المسرح.
تاريخ الفرقة في سطور
في عام 1961 أصبحت الفرقة تابعة للدولة وقام على إدارتها الشقيقان محمود وعلي رضا، وفي عام 1962 انتقلت عروض الفرقة إلى مسرح متروبول حيث أصبح لها منهج خاص وملامح مميزة في عروض الرقص الشرقي، ثم انتقلت إلى مسرح 26 يوليو بالعتبة ثم مسرح نقابة المهندسين ثم دار الأوبرا المصرية، وأخيراً مسرح البالون حيث استقرت به حتى الآن.
وفي فترة السبعينات وصل عدد الفنانين من الراقصين والراقصات والموسيقيين إلى 180 فناناً، حينئذ قرر محمود رضا تقسيم الفرقة إلى ثلاثة أقسام: الفريق الأساسي الذي يقدم العروض داخل وخارج مصر ـ فريق يمثل الصف الثاني للفرقة ـ فريق يتكون من مجموعات تحت التدريب.
محمد الحمامصي


