من تلك الأرض التي ذاقت ويلات العبودية والاستعمار، يعلو صوت الشاعر الهاييتي، رونيه ديبيستر، ليحكي تاريخ شعب تواق للحرية والعيش الكريم، بعدما كابد في الماضي جميع أنواع الذل والقهر والاستبداد.
يبدأ تاريخ هاييتي الكولونيالي مع وصول كريستوف كولومبوس إلى سواحلها، في السادس من كانون الأول عام 1492 بحثاً عن الذهب، وكان الإسبان من أوائل الواصلين إلى جزيرة بحر الكاريبي هذه، إذ أطلقوا عليها اسم «aloinapsiH»، أي «إسبانيا الصغيرة».وسرعان ما تمت إبادة سكان هاييتي الأصليين، بسبب موت الكثيرين منهم، جراء ظروف العمل الشاقة في مناجم الذهب، التي انشغل الإسبان في سلبها واستغلالها.
وأيضا بفعل تفشي الأمراض والأوبئة، التي أخذت بالظهور على سطح الجزيرة مع قدوم المستعمر من القارة البيضاء. الأمر الذي دعا هذا الأخير، إلى استحضار أعداد ضخمة من الأفارقة، بهدف إعادة إعمار الجزيرة، بعدما كادت تخلو من الأهالي والسكان.
أما الفرنسيون، فقد بدؤوا بدورهم باحتلال الجزء الغربي من جزيرة بحر الكاريبي في العام 1627، مطلقين عليه اسم سان دومينغ «مِّهَيٍُ-َُّيفس». ما دفع بملك إسبانيا، آنذاك، إلى الاعتراف بسيادة فرنسا على هذا الجزء الواقع قبالة جزيرة كوبا، والذي يُعرف اليوم باسم جمهورية هاييتي، في حين احتفظ الإسبان بالجزء الشرقي من الجزيرة، وهو ما يُطلق عليه حالياً، جمهورية الدومينيكان.
وفي أواخر القرن الثامن عشر، وتحديداً في العام 1791، كانت قد ظهرت أولى حركات التمرد بين فئات العبيد، التي بقيت ترزح طوال سنين تحت سطوة المستعمر الأوروبي، داعية للثورة ضد الفرنسيين في سان دومينغ. وفي مطلع العام 1804، نُودي بهاييتي جمهورية مستقلة، بعد حرب دامت أكثر من عشرة أعوام، انتصر فيها العبيد المتمردون على قوات نابليون بونابرت العسكرية.
لديه الكثير من الأعمال الروائية وأشهرها «أدريانا في كل أحلامي»، التي نالت في العام 1988، جائزتي «رينودو» الفرنسية و«الرواية» البلجيكية
روائي وصحافي وشاعر
ولد ديبيستر في مدينة «جاكمل» الهاييتية عام 1926، وبدأ كتابة الشعر وهو طالب على مقاعد الدراسة في ثانوية «بيتيون»، حيث أسهم مع رفاق له في تأسيس جريدة «لا ريش»، التي أغلقتها السلطات البوليسية عشية سقوط الحكومة الهايتية في العام 1946. وفي سن التاسعة عشرة، استطاع ديبيستر نشر أولى باكوراته الشعرية.
وهو ديوان يحمل عنوان «شرارات»، «َّمٌٌمكَيُّ»، والذي حقق له شهرة واسعة في الوسط الثقافي الهاييتي، لما حمله من مضامين إنسانية ودعوات للإصلاح والتغيير في الحياة السياسية في هاييتي. وبالمقابل، كان المنفى الثمن الذي دفعه الشاعر لقاء كتاباته وأشعاره الملتزمة، إذ أُرغم ديبيستر على الرحيل عن بلده بأمر من السلطات الحاكمة، فتوجه إلى أميركا اللاتينية،.
حيث أقام، وعلى نحو متقطع، في الأرجنتين والبرازيل وتشيلي، والتقى تلك الفترة بابلو نيرودا، ليسافر إثرها إلى كوبا، وذلك بدعوة من أرنستو تشي غيفارا، الذي كان نجح مع كاسترو في الإطاحة بنظام باتيستا الديكتاتوري في العام 1959 .
التقى خلال نفيه نيرودا وسافر إلى كوبا بدعوة خاصة من غيفارا وكونه واحداً من أبرز شعراء هاييتي المعاصرين، فإن لِرونيه ديبيستر العديد من الأعمال الروائية، أشهرها «أدريانا في كل أحلامي»، التي نالت في العام 1988، جائزة «رينودو» الفرنسية العريقة، وجائزة الرواية من الأكاديمية الملكية في بلجيكا.
يغني في أناشيده جراح ماضي الذل والعبودية التي عاشها أهله وشعبه في هاييتي
أناشيد تجسد الماضي
واخترنا من ديوان الأعمال الشعرية الكاملة، الصادر عن دار نشر «سيغير» الباريسية في العام 2007، هاتين القصيدتين لِديبيستر، إذ يغني في أناشيده جراح ماضي الذل والعبودية التي عاشها أهله وشعبه في هايتي، داعياً في قصائده إلى إرساء أواصر الأخوة والمودة بين أهل الأرض جميعاً بمختلف ألوانهم وأجناسهم، وإلى تقديس أسمى ما يملكه الإنسان من قيم: الحب والحرية.
هو أنا ذا
هو أنا ذا
ابن إفريقيا البعيدة
نصير المغامرات المجنونة
وعاشق جوارح وطني
أبحث عن الحقيقة
أبحث عن الضياء.
هو أنا ذا
أسود آماله كبيرة
وللرمي بأيامي
في مغامرة القصيدة الكونية
جَنّدت كل البراكين
التي تحتضنها
أرض روحي البِكر
وأطاحت بمشروعٍ انقلابي مُدَوٍ
طُرق طفولتي المتراكمة
بالغيوم.
هو أنا ذا، بروليتاري
أحسُ بهدير نَفَسِ الحشود في داخلي
أحس بحنقِ الشعوب المُضطهدة
ينبضُ في أحشائي
دم الشعوب السوداء، يُفجّر أوردتي الزرقاء
وفي قلبي المتقد
أذبت أنا
أعراق الكون جمعاء.
هو أنا ذا، شاعرٌ
مراهقٌ
يطارد حلم الحب والحرية الكبير.
* * * * * * * * *
تعريف للشعر
الشعر، هو أبٌ لنا يأتي ذات مساء
تحت مطرٍ مدرار
يغني لنا مرثية
كان قد ألفها
لقاء ملعقة فضيّة.
بملعقة صغيرة
كان يريد أبانا إيقاف مطر أيلول
وكسروال عتيق
قلب المطر روحه.
الشعر، هو أبٌ من هاييتي
جُن جنونه
من أجل ملعقة أصبحت أغنية
تحت مطرٍ ينبت بغضب
بالقرب من طفولتنا.
أندلس الشيخ
