يسعى الشاعر العراقي حميد سعيد إلى كتابة عالم متكامل من الرؤى المتضاربة في النفس الإنسانية، كما لو أنه يكتب ذات القصيدة التي بدأ بها في أول مشواره. من الصعوبة البالغة اقتلاع جذوره من الأرض التي أمدّته بأصول الشعر، ولكنه مجبر على عزلة اختيارية خارج مكانه الأثير:

أرض العراق. ولكنه لم يتوقف عن كتابة الشعر في عمان، فأصدر مؤخراً ديوانين شعريين لكأنه يود القول أنه لا يزال مرتبطاً بأرض وطنه ؛ حيث سارع بالعودة إليه، شعراً. «مسارات» التقى الشاعر حميد سعيد وكان معه الحوار التالي نصه: ماذا يكتب حميد سعيد الآن، وهو بعيد عن بغداد التي يعشق، منذ أن غادرها بعد الاحتلال؟لم أكن عازما على مغادرة بغداد، وحين غادرتها مضطرا، كنت أحسب، أن بقائي بعيدا عنها لن يطول، لكن السنين تتوالى مسرعة، بل أسرع مما نتوقع.ورغم أن إقامتي في عمان، فيها الكثير من صفات العزلة، غير أنها عزلة جسدية، واجتماعية إلى حد ما،أما على الصعيد الذهني.

فما زلت أحاول الحضور والتواصل، في ما أقرا وفي ما أكتب، إذ أواصل كتابة عمود ثقافي نصف شهري، في الرأي الثقافي.

وأكتب بين حين وآخر مقالات ثقافية في هذا المنبر الثقافي أو ذاك، وقد انتهيت أخيرا من إعداد كتاب بعنوان«تطفل على السرد»يتوزع بين الرؤى والانطباعات، التي تتناول بعض ما يتعلق بالنص السردي.

في الرواية أو القص القصير، وبعض القراءات الانطباعية في عدد من الروايات والمجموعات القصصية. أما الشعر فما انقطعت عنه، وواصلت الكتابة الشعرية، وواصلت نشر الكثير مما كتبت، وكان حصاد سنين إقامتي في عمان، مجموعتين شعريتين، كتبت بعد صدورهما قصائد أخرى.

هل كان الشعر الذي كتبته، في سنوات عزلتك، التي وصفت بالعزلة الشامخة يختلف عما كتبت من قبل؟

القصيدة الحقيقية لا تتكرر، حتى لو حاول الشاعر تكرارها، فإن فعل، فهو لايضيف شيئا، لا إلى الشعر ولا إلى تجربته الشعرية، حتى حين يصل المبدع إلى ؟ كلاسيكيته الذاتية ـ بعد مسار تجريبي، لأن التجريب، ليس هدفا بذاته، بل هو وسيلة للوصول إلى خصائص إبداعية، يتميز بها، ويحقق بها ومن خلالها إضافته الإبداعية.

وهذه الخصائص، هي التي أطلقت عليها وصف الكلاسيكية الذاتية، التي يستطيع المبدع أن يزيدها رسوخا وألقا وتأثيرا، وأن لا يتورط في تكرار النص الذي كتب، حتى وإن توفر هذا النص على مقومات الإبداع.

وإذا كان موضوع، أو مواضيع القصائد التي نحن بصددها، ظلت في حدود الاحتلال، جرائمه ونتائجه، وما قاد إلى وعي مقاوم، فإن هذه المواضيع، أحالت إلى لغة أكثر وضوحا والى مرجعيات تاريخية واجتماعية وثقافية، تغني الموضوع وتكرس الوعي المقاوم للاحتلال، ونتائجه الكارثية بكل ما نتج عنها.

وأنت تذكر أسماء الشعراء في إجابتك السابقة، حضرني سؤال، قد يبدو خارج السياق الذي كنا فيه، وهو: هل تتواصل مع أبناء جيلك من الشعراء؟

إذا كان التواصل، بمعنى قراءة الجديد الذي يكتبون، من شعر أو سواه، فأنا أتواصل مع كل ما يقع بين يدي أو أستطيع الوصول إليه، ذلك إن ظرفي الخاص، يحرمني من كثير مما أود متابعته.

وأما على صعيد التواصل الإنساني، فإن علاقاتي تتواصل مع أصدقائي ومعارفي من جميع الأجيال، إذ أتلقى يوميا الكثير من الاتصالات الهاتفية من كل مكان، من داخل العراق وخارجه، ويكتب إلي كثيرون أيضا رسائل بريدية أو الكترونية أو هاتفية، وتصلني مؤلفاتهم الجديدة، ويحرص كثيرون من المبدعين العرب على زيارتي حين ينزلون بعمان.

ومازلت حين أكون فيها أتردد، أتردد على مقهى غير بعيد عن مكان سكني، وفيه ألتقي بهم، بل إن الصديق الروائي المغربي أحمد المديني، يحرص منذ إقامتي في عمان، على مشاركتي طقوس شهر رمضان في كل عام، ويحرص صديقي الشاعر سامي مهدي.

كما أحرص، على أن نتواصل باستمرار هاتفيا أو عبر الانترنت، كم أنا سعيد بهذه العلاقات الجميلة التي طالما كسرت عزلتي، واغتنت بها حياتي، ثقافيا وإنسانيا.

في مجموعتيك الشعريتين الأخيرتين «من وردة الكتابة إلى غابة الرماد»و«مشهد مختلف»أصبح العراق، رمزا دائما في نصك الشعري، وهل يشكل المكون التاريخي فعلا مقاوما؟

إن المجموعتين المذكورتين «من وردة الكتابة إلى غابة الرماد 2005» و«مشهد مختلف 2008» تمثلان مرحلة جديدة في مسيرتي الشعرية، فهذا تقويم تقريبي، لأنهما تمثلان جديدا، كونهما تشكلان محاولة لكتابة نص شعري يتماهى مع المتغير الخطير الذي كان مع الاحتلال ونتائجه الكارثية، ومثل هذا التقويم أقرب إلى ما كانت عليه قصائد المجموعتين، موضوعات وبنى شعرية.

وأما أن يكون العراق الرمز الأكثر حضورا في النص الشعري، لأن هذا النص كتب عن العراق، وكان محاولة لرصد مآلات الكارثة شعريا، وهذا أمر لم يكن بعيدا عن القصد الذي هو الآخر، لم يكن من خارج محيط الوعي المقاوم.

أما ما وصفه السؤال، بالحضور الملفت في النص الشعري، للمكون التاريخي، الرافديني والعربي الإسلامي، وهي ملاحظة صحيحة، ترى النص الشعري في ما هو عليه حقا، فهذا الحضور التاريخي، وهو استحضار التاريخ في النص الشعري، لا ينفصل عن الوعي المقاوم بل يكرسه ويعمقه ويغنيه، فبغداد التي استهدفت، لم يكن استهدافها بعيدا عن رمزيتها التاريخية بما يمثل من إشعاع ومثال محفز.

إن تدمير نصب أبي جعفر المنصور، مؤسس بغداد، لم يكن يستهدف البرونز والحجر بل كان يستهدف الفعل التاريخي، وبالمقابل كانت قصيدة«رسالة اعتذار إلى أبي جعفر المنصور»من مجموعة«مشهد مختلف»لا تتوقف عند تدمير النصب، بل كانت تذهب بعيدا في رمزية التدمير، فكانت الأقدر على الوصول إلى المتلقي والأقدر على التعبير عن طبعة مشروع الاحتلال.

لذا وأنا أكتب الشعر منذ أربعة عقود، لم يحدث أن نشرت أية قصيدة من قصائدي، كما نشرت هذه القصيدة سواء في عدد مرات نشرها أو في تنوع المنابر التي نشرتها، وهكذا يتحول المكون التاريخي، إلى فعل مقاوم.

على الصعيد الشخصي، هل تفكر بالعودة إلى العراق؟

ولم لا ؟ فأنا لم أجعل من إقامتي خارج الوطن، دراما سوداء، ولست غاضبا على وطني، ولا أظن إن وطني غاضب علي، وما أنا فيه ليس سوى خياري الشخصي، أتحمل نتائجه . حتى حين يقاطع الإنسان السلطة في وطنه ويثور عليها ويحتقر رموزها، فهو قراره الشخصي وبعض فضاء حريته، وهو قرار لا يحول دون العودة إلى الوطن.

هل تعتقد إن المبدع، يمكن أن يكون أداة بيد السلطة، ايأ كانت هذه السلطة؟

نعم لقد حاولت ذلك باستمرار، لكن موقفي هذا، كان يتعلق بالقصيدة لا بالسلطة، فللقصيدة مقوماتها وآليات عملها، وللسلطة مقوماتها وآليات عملها، وإن الجمع بينهما والتعامل مع كل واحدة منهما، اقترابا وابتعادا بالآليات ذاتها، ليس منطقيا.

ويمكن القول، من حق الإنسان، مبدعا أو غير مبدع، أن يختار طبيعة علاقته بالسلطة، اياَ كانت هذه السلطة.

وهذه العلاقة يحددها الوعي والحرية، لكن ليس بوضع الإبداع في موضع متطلبات السلطة لأن السلطة وبطبيعة تكوينها تشتغل بما يكرس المركزية، بينما الإبداع الحقيقي وعلى مر العصور عمل ويعمل على تفكيك المركزيات وتحقيق الإضافة في أفق ثقافي أوسع.

أما في ما يتعلق بالإشارة الأخيرة التي وردت في السؤال، في أن يكون المبدع أداة بيد السلطة، فهي إشارة لا تخلو من تأثير الجمع بين آليات عمل السلطة والإبداع، وهو جمع افتراضي لن يتحقق على صعيد الواقع.

لاحظت ان هناك من يقول، إنك مقل في كتابة الشعر.

ليس كذلك، وما كنت مقلا، قياسا بكثير من الشعراء لكنني لم أكن مسرفا في ما كتبت من شعر وما أصدرت من مجموعات شعرية، وعدم الإسراف هذا، نتيجة حرصي على ان لا أكرر القصيدة التي اكتب، وأن أعمل على تحقيق إضافة ما، في كل مجموعة شعرية أصدرتها، وحين لا أجد مثل هذه الإضافة، أتوقف عن كتابة الشعر وهذا التوقف طال أحيانا ليبلغ خمسة أعوام، كما كان بين مجموعتي الشعرية (حرائق الحضور 1979) ومجموعة (طفولة الماء 1982).

هل يمكن أن نتحدث عن مشروع شعري متكامل، في تجربتك؟

يبدو لي، إن الحديث عن مشروع شعري ومتكامل، وهنا أضع خطا، تحت كلمة متكامل،فيه ما يمكن أن نعده تجاوزا على طبيعة العمل الشعري، لكن، ما اشتغلت عليه شعريا ومنذ وقت مبكر، يتحدد بوعي له مقوماته وله رؤيته، فأنا لا أكتب قصيدة مصادفة.

ولا تتشكل المجموعة الشعرية عندي بالتراكم العفوي، فكما أخطط للقصيدة، أخطط للمجموعة الشعرية أيضا، وحين أتوقف عن الكتابة الشعرية فهذا التوقف يكون بفعل وعي ضرورة التغيير.

وليس من الافتعال تأشير مراحل شعرية في مدى تجربتي الشعرية وليس من الصعوبة اكتشافها، بل لقد أشار إلى هذه المراحل وما اقترنت به من تحولات، الكثير من النقاد وبخاصة في البحوث الأكاديمية.

كتبت الكثير من النصوص التي تجاوزت بها الشعر كجنس أدبي، هل فكرت بكتابة رواية كما فعل عدد غير قليل من الشعراء؟

أعترف، بأنني لم أفكر جديا بكتابة رواية، وإن كانت مثل هذه الفكرة، تخطر لي أحيانا، كما كنت قد عزمت على كتابة نصوص هي أقرب إلى القص القصير، استوحيت فيها علاقات أقمتها مع شخصيات روائية، أتوهم بأنني عرفتها في الواقع لا في النصوص، وفعلا لقد كتبت عددا من هذه النصوص، نشرت منها نصا، عن علاقة متخيلة مع القبطان إيهاب، بطل رواية «موبي ديك»وآخر عن الأخوة كرامازوف، ثم توقفت عن نشر ما كتبت ومن ثم عن الكتابة.

لكن في زمن النص المفتوح، حيث أصبحت الرواية ومنذ منتصف القرن العشرين، أقرب إلى النص المفتوح منها إلى الجنس الروائي الذي اقترن برواية القرن التاسع عشر، فكل الاحتمالات ممكنة وكل عناوين الكتابة تتراءى لي، وتحوم حول أصابعي.

وهل كان تحولك مؤخرا إلى الكتابة عن السرد، تحول في ذائقتك الإبداعية، أم هو مجرد تنويع في الكتابة؟

ليست هي المرة الأولى التي أقول فيها، إنني أقرأ من الروايات، مترجمة أو موضوعة، أكثر مما أقرأ من دواوين الشعر، وبهذه القراءات التي رافقتني طويلا، تكونت عندي ملاحظات ووجهات نظر، وجدتني أكتب أشياء منها، رأفتها قراءات انطباعية، عن هذه الرواية أو تلك، أو هذه المجموعة القصصية أو سواها، ومما فاجأني، إن هذه الملاحظات، لفتت إليها الأنظار.

شاكر نوري