خلان، مقربون، تأملات سياسية، أصدقاء أميطت الأقنعة عن وجوههم للتو، وآخرون من الذين أعدموا أو من المنتحلين شخصيات أخرى، كل ذلك غيض من فيض ما يحتضنه بين دفتيه كتاب «أجساد إلهية»، الذي تركه الكاتب الكوبي الراحل جييرمو كابريرا انفانتي بين أوراقه لحظة الموت في فبراير 2005، وظهر في إسبانيا منذ أيام فقط.
«الثورات هي نهاية عملية تتعلق بالأفكار وليس بالمبدأ، وهي دوماً عملية ثقافية، وليست سياسية على الإطلاق. عندما تتدخل السياسة - أو بالأحرى السياسيون - لا تحدث ثورة، بل انقلاب عسكري والعملية الثقافية تتوقف حينها، مفسحة في المجال أمام برنامج سياسي بعينه. والثقافة تتحول، في هذه الحالة، إلى مجرد فرع للدعاية والإعلان، إلى مجرد نوع من ال«بروباغانادا»، أي أن الأوهام الثقافية والأحلام العقلانية والمنطقية تتحول إلى كوابيس صرفة».
هذا المقتطف يعود لمخطوط «أجساد إلهية»، الذي كان محفوظاً، حاله في ذلك حال أوراق وملاحظات ويوميات كثيرة أخرى كتبها كابريرا انفانتي، في منزل شارع «غلوسيستر رود» في لندن، الذي عاش فيه الكاتب حتى وفاته في 22 فبراير 2005.بيد أن «أجساد إلهية» ليس رواية من نسج خيال الكاتب، ولا هو طبعة جديدة من رواية ظهرت للكاتب بالاسم نفسه عام 1975، وإنما هي بعض من مذكراته «المحجوبة»، كما قال ذات مرة، التي تبدأ عام 1958 وتنتهي عام 1962.وهو كتاب غير منته، لكنه يتمتع بقيمة أدبية وتاريخية كبيرة، من حيث ما يعرض له من شهادات على جانب كبير من الأهمية، ويتضمن، حسبما توضح مريم غوميز أرملة الكاتب، «كل وجع» مؤلف رواية «ثلاثة نمور حزينة» ورواية «هافانا من أجل طفل راحل».
وذكرت صحيفة «الباييس» الإسبانية أن «أجساد إلهية» الصادر عن دار «غالاكسيا غوتنبريغ» يقع في 600 صفحة، تغص بالأفراح والأتراح وخيبات الأمل، والقصص التي تتحدث عن هافانا والسينما والحب والموسيقى والثورة والمنفى كذلك.
حيث يكتب كابريرا: «ليس التاريخ فقط، وإنما الجغرافيا تديننا أيضاً» وفي مكان آخر يقول: «لقد أجروا مقايضة حتى مع الطبوغرافيا. ولدنا في واحة، وعلى حين غرة نجد أنفسنا وسط الصحراء، وبأيدينا تأشيرة دخول إليها».
من وجهة نظر توني مونيه، مدير الأعمال الكاملة للكاتب الكوبي التي ستظهر اعتباراً من الخريف المقبل، وستصدر عن دار النشر نفسها، فإن «أجساد إلهية» كتاب أساسي ضمن مجمل أعمال كابريرا، وهو يقول في هذا الصدد: «إنه الكتاب الذي رافقه طوال حياته. إذا تتبعنا مقابلاته، نرى أنه كان يكتب (أجساد إلهية) دائماً. إنه كتاب مكتوب انطلاقاً من الرغبة في التذكر».
«كان يؤلمه وكافح من أجل كتابته»، على حد تعبير مريم غوميز، التي تضيف: «كنت أخاف على جييرمو عندما كان يكتبه. كان يتعرى ولم يكن يمده بالدفء سوى ضوء مصباحه.
كنت أشعر بالفزع من مجرد التفكير في محاولة معرفة ما الذي كان يمكن أن يروي «في ذلك الكتاب. علاقات غرامية، تأملات سياسية، أصدقاء رفعت عن وجوههم الأقنعة، ومعدومين آخرين أو موتى مدفونين في الحياة». كان كل الرعب قابعاً هناك، وأنا لم أرغب ولم أتمكن من ملامسته»، على حد تعبير غوميز، التي تقول كذلك:
«بقيت ملاحظات كثيرة، لكن كان من غير الممكن ترتيبها ووضعها في مكانها الصحيح بشكل جيد. ستكون كلها موجودة في الأعمال الكاملة، لكن الكتاب كان يجب أن يصدر على هذا النحو بما فيه من خيبة الأمل».
كابريرا إنفانتي طلب من زوجته أن تغير الأسماء المزيفة التي كان قد وضعها في الكتاب كلما فارق الحياة شخص أو أكثر من الأشخاص الذين يتحدث عنهم في «أجساد إلهية»، الذي يظهر فيه إلى جانب اسمه أسماء شخصيات كبيرة على غرار إرنست همنغواي أو فيديل كاسترو نفسه، ونساء رجل عاشق يحب الحياة».
ارتجفت عندما أمسكت بالكتاب «تتذكر مريم غوميز مستطردة» كيف سأظهر فيه أنا شخصياً؟ لكنني أصبحت في السبعين من عمري، ولا يهمني أحد. جييرمو كان مجنوناً بالنساء، وكان رجلاً محبوباً». ويعود كابريرا إنفانتي ويكتب في موضع آخر من مذكراته هذه: «الإنسان حيوان جغرافي.
التاريخ ليس أكثر من جغرافيا متحركة، نصيب جزيرة عائمة، الجزر تميل إلى السيطرة على القارة. أدرك كل تلك المقولات. كثيرة هي إلى حد تستطيع معه بناء بيت من المقولات».
ومن المفارقات أو الغرائب التي كانت تغص بها حياة الكاتب الكوبي، واحدة ظهرت في السنوات الأولى من عمره، فلقد ولد جييرمو كابريرا انفانتي لأب صحافي عضو في الحزب الشيوعي في قرية صغيرة تقع شمال شرق محافظة «أوريينتي» في كوبا.
ويقال إنه بعد ولادته ب29 يوماً ذهب إلى السينما للمرة الأولى مع والدته، وعندما أصبح عمره ثلاث سنوات، كان بوسعه قراءة الأفلام أفضل من الكتب، التي راح يقرأها في الرابعة من عمره.
ثم تنتقل العائلة إلى هافانا العاصمة، ويكمل جييرمو الصغير دراسته الثانوية هناك، ومن ثم يلتحق بكلية الصحافة، بينما ظل يعمل في مهن عدة بسبب الفقر. وبعد التخرج عام 1952، أدخل السجن بسبب نشر قصة فيها أربع كلمات إنجليزية. في عام 1953، بدأ يكتب في السينما باسم مستعار. وفي نهاية ديكتاتورية باتيستا، أسهم في إصدار صحيفة «ريفلسيون» السرية.
وبعد انتصار الثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو أسس مجلة ثقافية اسمها «لونس»، وكذلك الملحق الأدبي لصحيفة «ريفلسيون»، الذي ظل يحرره حتى عام 1961 عندما أغلقته الحكومة. في عام 1963، نشر «مهنة من القرن العشرين»، وهو كتاب مواز لرواية «ثلاثة نمور حزينة».
في عام 1963 عين ملحقاً ثقافياً في بروكسل، وفاز بجائزة مكتبة برشلونة عن روايته الأولى «ثلاثة نمور حزينة». وبعد زيارة قام بها لأمه في هافانا عام 1965، أخذ طريق المنفى والمهاجر، أولاً في إسبانيا، ومن ثم في لندن التي عاش فيها منذ ذلك الحين وحتى وفاته.
«ثلاثة نمور حزينة» منعت من قبل الحكومة الإسبانية، ولم تجد طريقها إلى النشر إلا في عام 1967. وفي عام 1970، سافر افانتي إلى هوليود، وكتب هناك العديد من القصص السينمائية.
من كتبه الأخرى «منظر الغروب في المدار»، الذي كتبه عام 1974 أثناء إقامته في بروكسل، ويحاول فيه إعادة كتابة تاريخ بلاده العالق بين العنف والقمع والكفاح من أجل الحرية، وكتاب «و» 1975.
الذي يتحدث فيه عن مدينة لندن عشق الكاتب، كما اهتم افانتي بالأدب الروسي، وألف حوله العديد من الكتب، وكان يعتقد بأن الأدب «لعبة تجريدية وملموسة معقدة في آن، ومتموضعة في مستوى مادي الصفحة.
وفي عدة مستويات ذهنية من الذاكرة والخيال والفكر». «الأدب شكل آخر من اللعب، لا بل إنه لعبة اجتماعية أيضاً، لأن تلك اللعبة لا تبقى فقط فيما كتبه الكاتب، بل يتعين على القارئ المشاركة، فمن الواضح أنه ليس هناك كتابة من دون قراءة».
ومن أشهر كتبه «دخان مقدس»، الذي كتبه عام 1988 باللغة الانجليزية، ويروي فيه قصة التبغ، ويحتفي فيه بسحابات الدخان المتعالية من التبغ. وكذلك رواية «المدينة الضائعة» التي عرضت على الشاشة الكبيرة، ويدور معظمها داخل ملهى ليلي فخم في هافانا، قبيل وبعيد وصول كاسترو إلى سدة الحكم.
ومن بين العديد من الجوائز التي حصل عليها انفانتي في حياته الأدبية، تبرز جائزة «سيرفانتيس» للرواية، التي فاز بها في عام 1997.
لكن لا شك في أن رواية «ثلاثة نمور حزينة»، الصادرة عام 1967، هي التي كرست إنفانتي كاتباً روائياً أصيلاً، وهي لا تنتمي إلى الرواية التقليدية الأوروبية التي تقوم على الحجة والحبكة القصصية، بل إنها تقوم على مجموعة لا متناهية من المونولوجات، بعضها محكي، وبعضها مكتوب، وكذلك على رسائل ويوميات خاصة، وعلى اعترافات غير بريئة، وخطاب سياسي واضح المعالم، وفيها الكثير من الحنين إلى مدينته الأولى هافانا.
كما تنطوي على حكم قيمي وتصور للكاتب حول انحطاط الثقافة الغربية، وتحاكي الحضارة الأوروبية والأميركية بلغة ساخرة. ويمكن القول إنها رواية تدور حول الكيفية التي يجب أن تكتب بها الرواية، حيث تستعرض ما كتبه بشكل ساخر سبعة كتاب كوبيين حول موت تروتسكي.
كما يصف إنفانتي روايته هذه بأنها نكتة تقع في 500 صفحة مليئة بالجناس والكلمات المركبة من حروف كلمات أخرى وكلمات معكوسة، كما تغص المتناقضات واللعب على الكلمات واللعب على الأرقام وكذلك اللعب باللغتين الانجليزية والإسبانية، وحتى على الأخطاء الإملائية التي تسمح بفرض منطقها الخاص، وتأتي في سياقات معاكسة لما يقال وما يفعل.
«هافانا من أجل طفل راحل» رواية أخرى لإنفانتي كتبها عام 1979، وتعتبر تحفة أدبية حقيقية، يستعيد فيها مؤلفها موضوعه الرئيسي متمثلاً في المدينة النهارية وال«إيروتيكية» الليلية، مدينة الكلمات المعاد بناؤها انطلاقاً من النسيان والبعد. حب شهواني مستأنف لامرأة لا تبدو حقيقية في نهاية المطاف، حتى لو كانت تلك المرأة شقراء أو سمراء.
كما تعكس هذه الرواية أجواء تجربة الحب الأولى لطفل مدينة تظهر باللونين الأبيض والأسود، لكنها تتلون شيئا فشيئا كلما أخذت الرواية طابع الرثاء وراحت تتحدث عن قصة الأمس. في الكتاب كل شيء محاكاة ساخرة من البداية إلى النهاية، حب وفكاهة، بحثاً عن امرأة لا تنتهي، مثل ذكريات هافانا.
والإخفاقات الشخصية للباحث عنها بروح تنزع إلى «إيورتيكية» تحيا وتنمو بفضل فن الكلمة، وعلى حافة «إيروتيكية» الكتابة نفسها. لكن ذلك كله لا يحط من قدر المرأة، التي يعتبرها إنفانتي كائناً فاتناً جديراً بالحب، حيث تعتبر «هافانا من أجل طفل راحل» تكريم شعري لكل ما هو أنثوي.
في عام 1968، أعلن إنفانتي لأول مرة أنه كان يكتب «أجساد إلهية»، لكن ذلك الكتاب الذي لم ينشر طوال حياته ولم يكن يعرف حتى كاتبه متى كان سينتهي، بينما يستنبط من كثرة التصريحات التي أطلقها الكاتب حول هذا الموضوع أن «أجساد إلهية» ينطوي على استخلاص يتعلق بإغلاق الدائرة المفتوحة جراء «ثلاثة نمور حزينة» مع بداية خاصة ونهاية عامة تبدو الحياة بين ضفتيهما عالقة بحبال التاريخ.
باسل أبو حمدة


