مثل جميع روايات ديفيد معلوف، تتميز روايته «تذكر بابل» بلغتها الشعرية المكثفة ونظرتها المتشائمة إزاء المجتمع الحضري الذي يسوده العنف والقسوة والظلم، بحيث يصبح العالم البدائي أكثر سلاماً وعفوية وتحضراً.
بدأ ديفيد معلوف حياته الأدبية شاعرا حينما أطل من خلال مجموعتين هما: «عجلة» و«قصائد أخرى» في عام 1970، واللتين أعيد نشرهما في نيويورك عام 1979 تحت عنوان «سنة الثعالب وقصائد أخرى».وكما يقدم الكاتب نفسه في سيرته «12 إدموندستون ستريت»، أنه مولود في «برزبن» لأب لبناني وأم بريطانية، لكنه لا يفخر بهذين الانتماءين، ولا حتى في الانتماء إلى استراليا نفسها، التي ترعرع فيها وتلقى ثقافته، بل أنه لا يمجّد المكان الذي نشأ فيه، على عكس ما يفعله غالبية الكتاب والأدباء في العالم. نجح معلوف، خلال سنوات قليلة، في أن يصبح قامة أدبية مهمة في الأدب الاسترالي، وأثارت رواياته جدلاً واسعاً في استراليا والعالم، فاستطاع أن يفوز بالعديد من الجوائز الأدبية المحلية والعالمية.
كما نشر العديد من الدواوين الشعرية، إلا أنه سرعان ما وجه خيار إبداعه نحو السرد الروائي، فكتب أكثر من عشرة روايات. ونالت روايته «تذكر بابل»، مجموعة من الجوائز، منها: «أمباك»، «مان بوكر»، «مايلز فرانكلين».
تبدأ رواية «تذكر بابل» بحبكة سرد منمق، يجري على لسان شاب ناشئ يدعى «دانتي»، إذ يقص صوراً وأحداثاً متنوعة جرت أيام كان في سنوات الدراسة، ثم يظهر ولد في سيرورة حكاياته، بشكل مفاجئ، وغير مبرر، مثل اللاعب الثالث عشر في فريق مكون من أثني عشر شخصا.وهذا الولد هو جونو، الشخصية الرومانسية التي تفرض ذاتها.
فنجده يمسك بيد الكاتب المتمثل بدانتي، ليؤكد معه معالم حقيقته الأدبية، فيستدعي عالمه، ليشرح له أن هذا العالم ليس في إمبراطورية الأشياء التي أورثه إياها الأب، ويتركز جونو لاحقا، في مغامرات ومحطات تفاصيل الرواية، بمثابة بطل الرواية، خاصة من خلال معارضته لأدق الأشياء التي يؤمن بها الأب، ورفضه لنجاحه المادي، الذي أتيح له في استراليا.
دانتي، الراوي، يافع ينضج ويسير نحو الرجولة، بينما يبقى خياله مسكونا بفكرة أنه مازال ذاك الصبي، وأيضا جونو الناشئ المليء بالتمرد والمغامرة. وتبدو لنا جلية مع هذه الحبكة، مقارنة بين حياتين: حياة الراوي المنظمة، وحياة جونو الصاخبة في الرواية.
يرفض «جونو» الشخصية التي يفرضها عليه مجتمع «برزبن» الاسترالي التقليدي، ويصر على حقه في العيش خارج أطره، ونظرا لهذا يذهب إلى أفريقيا، ومنها إلى أوروبا وآسيا، بهدف البحث عن مكان يستطيع أن يحقق فيه أحلامه، إلا أنه لا يلبث أن يعود،.
لكن يختار في قرارة نفسه، عنوانا ونمطا خاصا لعودته واستقراره مجددا في بلده، فيتحول في ضوء هذا القرار الشخصي وتجسيده واقعيا، من بطل رومانسي إلى سكير مهزوم، فينهي حياته بإغراق نفسه في نهر «كوندامين» الكئيب، والذي عادة ما يصوره المزارعون على أنه رومانسي.
وتعد ثورة جونو على مجتمع «برزبن» وغضبه على الناس فيه، ثورة ضد القمع الذي يؤدي إلى كبت الرغبات العاطفية والجنسية، واللافت هنا ما نلمسه من مفاجآت تتخلل أحداث القص، يصوغها عنصر علاقة عشق رومانسية بين رجلين، غارقة بالغموض.
لا تعبر شخصية دانتي، بمفاهيمه الاجتماعية ووعيه لذاته وتنشئته البرجوازية، عن علانية عواطفه. وهذا ما نستشفه في مطارح متفرقة في الرواية، ويمكن أن نعرف الكم الكبير حول هذه النقطة، وما كان يخفيه دانتي، حين يقدم لجونو هدية عبارة عن مفكات براغي وسيارة جيب لعبة، فيضعه على قمة جبل من النفايات فوق حاويات وصناديق فارغة للتعليب، ودواليب سيارات وستائر معدنية محطمة وكيس ماء مثقوب..
وبما أن علاقة العشق بين الرجلين غير واضحة المعالم، تبقى مجهولة، إلى أن نكتشفها بعد موت جونو، وهذا الكشف، عمليا، يغني الرواية ويفتح الطريق لكثير من الترجمات، خصوصا ما يتعلق بشخصية دانتي. ويرى بعض النقاد أن الكشف عن تلك العلاقة الغرامية، أفاد في تذخير القيمة الفنية للرواية، عبر الإضاءة على الكثير من المشاهد والفصول المليئة بالدلالات والتأويلات.
ولا يفوتنا الإشارة في نهاية المطاف، أن الكاتب يستوحي روايته هذه من قصة «جيمي فارلي»، الرجل الأبيض الذي قذفته إحدى السفن البريطانية إلى شواطئ «كوينزلاند»، وكان طفلا في الثانية عشرة، فعاش بين السكان الأصليين السود ستة عشر عاما، نسي معها لغته الأم، واقتبس ملامح «أبورجينيةس(سكان استراليا الأصليين)، ثم عاد إلى مجتمع البيض.
لتبدأ صراعاته الأولى مع «لاشلان بتي»، ابن العائلة التي تبنته، لكن هذا الصراع ينتهي بمأساة، إذ يحكم على «لاشلان بتي» بالإعدام، ويختفي «جيمي فارلي»، ليتبين فيما بعد انه قضى في مجزرة نفذها المستوطنون البيض بحق «لابورجينيين السود.
إن رواية «تذكر بابل»، تطرح فعليا مسألة الهوية والانتماء وتبين سعي الإنسان العبثي للبحث عن هويات وانتماءات بديلة، يحاول فيها أن يتمرد على ما يفرض عليه، وصوغ حقيقته حسب رغباته الشخصية، ويستخدم الروائي ضمنها، الواقعية السحرية، التي انتشرت في روايات أميركا اللاتينية، ويدفعها إلى أقصى حدودها، من أجل التعبير عن الفوضى الداخلية التي يعيشها هذا البطل.
الكتاب: تذكر بابل
الكاتب: ديفيد معلوف
الناشر: شاتو آند ونديوس وراندروم هاوس استراليا 1993
الصفحات: 202 صفحات
Author David Malouf
Remembering Babylon
Publisher Chatto & Windus, England, and Random House,
Australia1993
202P.
شاكر نوري

