نالت القاضية السويسرية كارلا ديل بونتي شهرة كبيرة من خلال «المعارك» التي خاضتها إلى جانب القاضي الإيطالي الشهير جيوفاني فالكوني الذي اغتالته المافيات ثم تابعت معاركها حتى تعيينها كمدع عام في المحكمة الجنائية الدولية بمهمة ملاحقة مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة ورواندا. ومن هذه التجربة بالتحديد أعدّت بالمشاركة مع الصحافية الأميركية شوك سوديتيك كتابهما «السيدة المدعي العام».

ما تؤكده كارلا ديل بونتي في هذا الكتاب، كما يقول عنوانه الفرعي، هو «المواجهات مع مجرمي الحرب ضد الإنسانية وثقافة النجاة من العقاب»، التي خاضتها أثناء تجربتها في التصدّي من موقعها كمدع عام ضد المسؤولين عن مجازر يوغسلافيا السابقة ورواندا. وقد استمرّت في مهمتها ما بين 1999 و2007.إن نشاطاتها جعلت منها الشخصية الأكثر عرضة للتهديد في العالم.

وفي هذا الكتاب عن «سيرتها المهنية» بالدرجة الأولى تتحدث عن كل الأمور والمصاعب والنجاحات والإخفاقات التي واجهتها وبالتفاصيل والبراهين والأسماء.

وتروي كارلا ديل بونتي أنها من خلال ملاحقتها لمجرمي الحرب ومرتكبي المجازر اكتشفت مدى «قصور» النظام القضائي الدولي نفسه. هذا فضلا عن عدم الكفاءة العامة لدى أولئك المكلفين بإجراء التحقيقات. بل لا تتردد في أن تعيب على المحكمة نفسها عدم عدالتها الكاملة وصولا إلى استخدام تعابير من نوع «عدالة المنتصرين».

وتتوزع محتويات هذا الكتاب بين عشرة فصول تبعاً للتسلسل الزمني للفترة التي أمضتها كارلا ديل بونتي في مهمتها أمام المحكمة الجنائية الدولية بخصوص جرائم الحرم في يوغسلافيا السابقة ورواندا. والفصل الأول مكرّس للحديث عن «جدار الصمت حتى عام 1999» يليه آخر عن «جرائم الحرب في يوغسلافيا» ثم «جرائم الحرب في رواندا».

وفصل عن «بيروقراطية المحكمة» ثم عدة فصول تبعاً للفترات التي تابعت فيها القاضية السويسرية ملفات المجازر منتقلة ما بين العاصمة اليوغسلافية «العاصمة الصربية حالياً» بلغراد وعاصمة رواندا «كيغالي».

ومن بين التفاصيل الكثيرة والمثيرة التي يحتويها الكتاب تلك التي عاشتها في عام 2002 عند لقاء لها مع «بول كاغامي» الرئيس الرواندي ورئيس حركة «الجبهة الوطنية الرواندية» التي تمثل ميليشيات قبيلة التوتسي سابقاً. ولم يتردد كاغامي، كما تقول، في القول لها دون أية دبلوماسية أنه ليس من عمل العدالة الدولية الاهتمام بشؤون وبجرائم «مزعومة» ارتكبتها حركته سابقاً. لقد اعتراها الإحساس أن محدثها واثق أنه بمنجاة من العقاب.

نقرأ: «عندما غادرت كيغالي كنت أشعر بمرارة أن دائرة النجاة من العقاب في رواندة لم تنته. ذلك أن المحكمة الدولية من أجل هذه البلاد قد انطلقت لخدمة عدالة المنتصرين مرة أخرى ولا شيء آخر.

وأكثر ما كنت أخشاه هو أن لا يتخذ مجلس الأمن الدولي أي إجراء حاسم أمام رفض كاغامي التعاون مع المحكمة وأمام الحملة الرامية لإعاقة عملها».

وتشير كارلا ديل بونتي أن التقرير الذي كتبته عن اللقاء بقي دون جواب إلى أن تلقت في شهر مايو من عام 2003 استدعاء إلى واشنطن للقاء سفير الولايات المتحدة المعني بمسائل جرائم الحرب «بيير بروسبير».

وتقول عما جرى في اللقاء: «لقد ترك بروسبير الكلام إلى الروانديين الذين أعربوا عن إرادتهم بتحويل التحقيقات الخاصة بجرائم الحرب التي تواجه الجبهة الوطنية الرواندية إلى السلطات القضائية الرواندية المحلية الخاضعة تماما لسيطرة قبيلة التوتسي ـ قبيلة الرئيس كاغامي ـ. لم يفاجئني طلب نزع الملف من المحكمة الدولية على لسان الروانديين إذ كنت قد سمعته عدة مرات. ما فاجأني هو موقف بروسبير الذي وقف إلى جانبهم.

لقد طلب تحويل الملف القضائي للحكومة الرواندية التي لن تدع أي مجال لإنصاف الضحايا كما تؤكد منظمة حقوق الإنسان ـ هيومن رايت واتش».

وتروي كارلا ديل بونتي في موقع آخر أنها رفضت بشكل قاطع الطلب الرواندي المدعوم من الموقف الأميركي. ولذلك واجهها السفير الأميركي بروسبير عند اللقاء بها بعد ذلك بالقول انه لن يتم تجديد تكليفها في مهمتها داخل المحكمة الدولية حيث ان مدة «انتدابها» تنتهي بعد أربعة أشهر. وتنقل عنه قوله لها بالحرف: «أريد أحاطتك علماً أن بعض الدول تعتقد بوجوب أن يكون للمحكمة الدولية من أجل رواندا مدعيها العام الخاص بها. إن مهمة عملك فيها لن يتم تجديدها. أما بالنسبة ليوغسلافيا السابقة، فإنه لن يتم تجديد مهمتك سوى لعامين فقط».

وبالنسبة لسلوبودان ميلوزفتش، الرئيس الصربي ـ اليوغسلافي ـ فإن كارلا ديل بونتي تتحدث عنه بشكل مقتضب جدا. وتقول عن وفاته في سجنه بلاهاي: «إن موت ميلوزفتش كان انتحاراً بواسطة الإهمال، وقد نجا بموته وحرم آلاف الضحايا من العدالة التي يستحقونها».

هذا دون أن تكشف عن أي جديد حول وفاته. ودون الكشف أيضاً عما كانت المؤلفة قد أشارت إليه سابقاً أنه وردتها معلومات عن «تجارة أعضاء بشرية» جرى أخذها من مساجين صربيين في كوسوفو. إنها تكتفي بتوجيه نفس الاتهام في الكتاب.

تقول إحدى الجمل الأخيرة في الكتاب «إن سلاماً بدون عدالة سوف يولّد بالتأكيد نزاعات جديدة».

الكتاب: السيدة المدعي العام

تأليف: كارلا ديل بونتي شوك سوديتيك

الناشر: اوزر برس نيويورك 2009

الصفحات: 448 صفحة

القطع: المتوسط

Madame Prosecutor

Carla Del Ponte, Chuck Sudetic

Other Press- New York - 2009

448p.