أوروبا هي القارة الوحيدة بين مختلف قارّات العالم التي تثير مسألة تحديدها جغرافيا الكثير من الجدل. والكثير من الأسئلة مثل أين تبدأ أوروبا؟ وأين تنتهي؟ ومن هنا تأتي أهمية كتاب:

«جيوسياسة أوروبا» للأستاذين الجامعيين الفرنسيين جيرار فرانسوا دومون وبيير وفولويز.والمجال الجغرافي الذي يتم التعرض له بالبحث، يغطي مساحة شاسعة تمتد من المحيط الأطلسي حتى روسيا الشاسعة. ويتم التأكيد منذ البداية أن الاتحاد الأوروبي بدوله ال27 يشكّل أحد أبرز القوى الأوروبية، ذلك إلى جانب مجموعة من الدول والمؤسسات التي تعمل على أساس «الدينامية» الأوروبية.

ويتبع المؤلفان طريقة في البحث متعددة المشارب في تحليل الرهانات الحالية والمستقبلية في القارة القديمة. هذا على مدى أربعة أقسام يتألف منها الكتاب موزعة بين 16 فصلاً.

وتحمل الأقسام العناوين التالية الهويات وأشكال التنوّع ثم البناء الأوروبي و«الديناميات» الجغرافية فالتبدلات الاقتصادية الاجتماعية وأخيراً جيوساسة أوروبا. ويضم الكتاب العديد من الخرائط والرسوم البيانية التي تلقي أضواء إضافية على الموضوعات المطروحة.

وبمواجهة واقع عدم التحديد الدقيق للقارّة الأوروبية بالقياس إلى إفريقيا أو أميركا، يبدأ المؤلفان بالحديث عن الهويات الأوروبية، والتي ليس أقلّها بروزاً الهوية التاريخية والهوية الجغرافية. ويتم التأكيد أن هناك خصوصيات للهوية الأوروبية لا يمكن فهمها إلا إذا جرى أخذ «البعد التاريخي» بالحسبان.

هذا مع تأكيد أهمية مقاربة للهوية الأوروبية «لا تطمس واقع التنوّع» بين بلدان أوروبا ومناطقها. كذلك يتم تأكيد دراسة العامل السكاني «الديموغرافي» في «رسم» الجغرافيا الأوروبية. هكذا تتم الإشارة إلى أن ازدهار روما ثم انحطاطها لا يمكن فهمهما دون أخذ التطورات الديموغرافية بالحسبان.

ثم إن أهمية العامل السكاني تبدو بوضوح من خلال المقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية، إذ يتم التأكيد أنه ما كان لهذه البلاد أن تصبح ما أصبحت عليه في الوقت الحاضر كقوّة عظمى أولى في العالم، لو أنها اكتفت بالخمسة ملايين نسمة الذين كانوا يقطنونها في عام 1800. وهناك أهمية الوزن السكاني للصين وللهند، أو بالأصح ما يطلق عليه المؤلفان تسمية «الديموغرافيا السياسية».

وبعد دراسة مكوّنات الهوية الأوروبية وآليات بناء «البيت الأوروبي المشترك»، يقدم المؤلفان رؤيتهما لما يعتبرانه «الأوراق الرابحة المترتبة على التبدلات الاقتصادية والاجتماعية منذ القديم حتى الحقبة الراهنة. ويشرحان في السياق نفسه نقاط الضعف التي قد تكون لها آثارها السلبية في موقع أوروبا ومكانتها في العالم.

وفي مقدمة هذه النقاط التطوّر الديموغرافي نحو «شيخوخة القارّة»، أو ما يسميانه «الاتحاد الأوروبي غداً كمأوى مفتوح للمتقاعدين»، كما جاء في عنوان أحد الفصول. وتُطرح في هذا السياق مسألة الهجرة والمهاجرين والتي تشكل معطى جديداً في رسم خارطة العمل.تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن العلوم الاجتماعية كانت قد أهملت لفترة طويلة المسألة الديموغرافية.

ذلك أن التحليلات «الجيوسياسية» كانت تعتمد حتى عام 1989، أي حتى سقوط جدار برلين، على تقييم القدرات النووية لدى القوتين العظميين، الأميركية والسوفييتية السابقة، وعلى ما يمكن أن تؤمناه من حماية للدول الأخرى.الأمر تغيّر مع نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي وبرزت «الديموغرافيا» كأحد معطيات الفهم «الجيوستراتيجي» للعالم ولمستقبلهّ.

ويتم الحديث في هذا السياق عن عدة قوانين مثل «قانون العدد» و«قانون المجموعات البشرية» و«قانون التنشيط الديموغرافي» و«قانون الشتات»... إلخ.

وفي القسم الأخير من الكتاب الخاص ب«جيوسياسة أوروبا» يتحدث المؤلفان عن العديد من المسائل الخارجية عن «داخل الاتحاد الأوروبي». وفي مقدمة هذه المسائل العلاقة مع الحلف الأطلسي التي لاتزال تؤكد «الشراكة الاستراتيجية» مع الشريك الأميركي على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، وبالوقت نفسه على ضرورة الاحتفاظ بهامش الاستقلالية في ما يتعلق باتخاذ القرارات السياسية.

ويتم التأكيد هنا أن سؤال «أية علاقات بين الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي»؟ لايزال قائماً.الفصل الأخير من الكتاب يحمل عنوان: «جيوسياسة أوروبا في مواجهة البلقان وحوض المتوسط».

وفي الوقت الذي يتم فيه شرح أن منطقة البلقان لاتزال منطقة «عدم الاستقرار» الأكثر تهديداً للأمن الأوروبي، يحدد المؤلفان القول إن العلاقة مع تركيا وتحديد مستقبلها «داخل» أوروبا أو «خارجها» هي من أكثر المسائل التي يواجهها الاتحاد الأوروبي تعقيداً.

الكتاب: جيوسياسة أوروبا

تأليف: جيرار فرانسوا دومون، بيير فيرلويز

الناشر: سيديس باريس 2009

الصفحات: 320 صفحة

القطع: المتوسط

Géopolitique de l'E'uope

Gérard François Dumont, Pierre Verluise

Sedes - Paris - 2009

320P.