معروف عن الاقتصادي الأميركي الكبير والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2001 أنه في طليعة الذين وجّهوا انتقاداتهم القاسية للبرالية العشوائية السائدة منذ عشر سنوات وكذلك انتقاداته لما يسمّيه «أصولية السوق» في ظل غياب أية ضوابط وما رافق ذلك كله من زيادة في حدّة التباين داخل المجتمعات الرأسمالية نفسها كما على الصعيد العالمي عامّة بين الدول الغنية والدول الفقيرة.
وفي كتابه الأخير «السقوط الحر» الصادر في مطلع شهر فبراير ـ من هذا العام 2010 بعدة لغات في الوقت نفسه، يتحدث بصراحة ودون أية مواربة عن المسؤولية الكبرى والجوهرية التي تتحمّلها الولايات المتحدة الأميركية في انفجار الأزمة المالية الراهنة التي لا يعرف أحد أن ستؤدي بالتحديد.
ان يرى في الأزمة منتجاً «صُنع في أميركا»، غرار ما يقال عن هذه السلعة أو تلك أنها «صُنعت في الصين، أو غيرها».
العنوان الفرعي في الكتاب: «أميركا والأسواق الحرة وغرق الاقتصاد العالمي» يشير إلى مضمونه. ذلك أن المؤلف يشرح كيف أن الولايات المتحدة صدّرت إدارة اقتصادية سيئة وسياسة سيئة وأنماط سلوك سيئة لبقية بلدان العالم، وذلك بغية إيجاد إجابة مهتزّة وغير فاعلة عندما اختلّ عمل الأسواق.
إن المؤلف يرسم صورة في غاية التشاؤم للأوضاع التي آلت إليها الأمور بسبب الأزمة المالية الراهنة ويقدّر عدد الذين فقدوا أعمالهم في العالم خلال العام الماضي وحده ب1 ,2 مليون شخص.
ويشير إلى أن عدة ملايين آخرين سوف يفقدون مساكنهم في أفق عام 2012، ذلك أنهم لن يستطيعوا تسديد الدفعات المترتبة على القروض التي كانوا قد حصلوا عليها من البنوك منذ عدّة سنوات.
ويحدد المؤلف القول: «إن الكثير من الأميركيين، إلى جانب فقدانهم لمنازلهم، سوف يفقدون أيضا مدخّراتهم وأحلامهم بمستقبل أفضل، وبتعليم أطفالهم وبالحصول على بعض الرفاهية المتواضعة عندما يتقاعدون من العمل».
وما يبشّر فيه المؤلف عملياً هو موت الرأسمالية الانكلو ـ سكسونية التي كانت قد عرفت أوج ازدهارها في ظل حكم رينالد ريغان وجورج دبليو بوش في أميركا ومرغريت تاتشر في المملكة المتحدة «بريطانيا». ويقدم المؤلف في نفس السياق العديد من الأسئلة حول إمكانية انبثاق «رأسمالية جديدة» بعيدة عن النسخة اللبرالية العشوائية التي أنتجت الأزمة الراهنة.
ويصف الرأسمالية الجديدة التي «يأمل» قيامها أنها ينبغي أن تتمتع بقدر أكبر من الضبط، وتحديدا بواسطة الدولة.
كما يرى أنه ينبغي لها أن تكون «أكثر مسؤولية» و«أكثر احتراماً للبيئة» و«أقل إنتاجاً للتباين داخل المجتمعات، ذلك على أساس أن «غياب الضبط» على جميع المستويات وحصر الاهتمام بالحصول على الربح السريع والانتقال بلا حساب لرؤوس الأموال يشكّل السبيل الذي أدى إلى الأزمة.
وما يؤكّده المؤلف هو أن الأمر لا يتعلّق بأزمة مالية فحسب ولكن ب«إفلاس» المنظومة كلها وحيث زاد «غياب الأخلاق» من حدة هذا الإفلاس.
وفيما هو أبعد من عملية التشخيص وعرض مقدمات الأزمة وما يمكن أن يترتب عليها من نتائج، يقدم مؤلف هذا الكتاب نوعاً من «النداء» إلى النخب السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة وغيرها من بلدان العالم، خاصة المتقدمة منها، للذهاب إلى أبعد من مجرّد اتخاذ «إجراءات إنقاذ» ظرفية. ذلك على خلفية شرحه أنه رغم بعض ملامح النهوض هنا وهناك، فإن الخطر لا يزال قائماً وكبيراً.
الأزمة لم تنته إذن وينبغي أن يأخذ النظام المالي «مكانه الصحيح»، لا أقل ولا أكثر. ذلك بعد فشل جميع أدوات الرقابة، خاصة في أميركا.
بالتالي «ليس هناك أي بلد يتمتع بالحصانة الكاملة ضد الأزمة». والبلدان النامية قد تأثرت كثيرًا بالأزمة الراهنة بسبب الانحدار الحاد في الخط البياني للتجارة العالمية و«الجفاف» الكبير في السيولة النقدية على المدى القصير ويضاف إلى هذا التضاؤل في تحويلات المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية.
وما يؤكده المؤلف هو أن الأسواق الحرة لا تتصرف بطريقة «عقلانية» كما فكّر، ولا يزال يفكّر، البعض. الواقع ليس كذلك، كما يشرح جوزيف ستيغليتز، والنموذج الموديل ـ نفسه كان مغلوطاً إذ يعتمد جوهرياً على «إضافة الميزات» و«تقسيم المخاطر». الرأسمالية التقليدية تؤكد على مبدأ ضرورة أن «يدفع» المسؤول عندما يخطئ. أما في إطار اللبرالية العشوائية التي أدّت إلى الأزمة فإن الآخرين، «دافعي الضرائب في البلدان الرأسمالية»، هم الذين يدفعون.
في المحصلة يؤكد المؤلف أنه لا يكفي اعتراف المسؤولين عن نشوب الأزمة بأخطائهم و«طلبهم للغفران». ولكن المهم هو أن يفهموا الدروس، الأمر الذي لم يحصل حتى الآن، حسب رأيه.
ويشير إلى أن ما يسمّى ب«الفراديس الضرائبية» ليست هي السبب الحقيقي للأزمة ولكن الأسواق التي تفتقر لآليات الضبط.
والمطلوب، كما يشرح ستيغليتز، هو إيجاد توازن صحيح بين السوق والدولة، وتوازن قابل للتغيّر والتعديل تبعاً للبلدان وتبعاً للحقب.
وإذا كانت هناك «فقاعة» تتشكّل هنا أو هناك، تبقى المشكلة هي كيفية «امتصاصها» قبل أن تنفجر. لكن حتى الآن لا يتم الاعتراف بوجود «فقاعة» إلا إذا انفجرت.
إن المؤلف لا يقوم بشجب «عملية السطو الأميركية» فحسب ولكنه يكرّس الفصول الخمسة الأخيرة من الكتاب لتقديم ما يعتقده «فعّالا» من الحلول الممكنة.
وهو يناقش في مثل هذا المنظور العديد من الأسئلة المتعلقة بالرأسمالية الجديدة «التي يدعو إليها» وبالنظام الجديد للاحتياطيات العالمية وبمفهوم تعددية الأطراف وبإصلاح العلوم الاجتماعية وبالتجديد، كما توحي عناوين الفصول المعنية. باختصار يرسم المؤلف ملامح «مجتمع جديد».
الكتاب: السقوط الحر
تأليف: جوزيف ستيغليتز
الناشر: دبليو دبليو نورتون نيويورك 2010
الصفحات: 361 صفحة
القطع : المتوسط
Freefall
Joseph E. Norton
W. W. Norton- New York - 2010
361P.
