بعد صدور كتاب الضابط الأسترالي السابق «دافيد كيلكولن»، «المقاتلون دون قصد» احتل مكانا متقدما في قائمة الكتب الأكثر بيعا في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا. ولم تتأخر كبريات الصحف في البلدين عن تقديم عروض له على صفحاتها، وكذلك تلقّى دعوات عديدة للمشاركة في نقاشات تلفزيونية مع كبار المعلّقين والمحللين.
وكانت شهرة المؤلف قد سبقت في الواقع صدور كتابه، ذلك من خلال سلسلة من المقالات حول الأوضاع الميدانية في أفغانستان والعراق.وكتاب «المقاتلون دون قصد مسبق» هو عن الحروب المعاصرة، وما يعرف بالحروب «غير المتكافئة» حيث تواجه قوات نظامية مجهّزة بأحدث الأسلحة والعتاد والتجهيزات مجموعات من المقاتلين الذين يتصدّون لها بوسائل تكاد لا تُذكر بالقياس إلى تلك القوات. ويكرس المؤلف العديد من صفحات كتابه لسبل مكافحة المجموعات التي يطلقون عليها تسمية «الإرهابيين» أو «رجال حرب العصابات». هذا على قاعدة ملاحظة الفشل الذي عانت منه الجيوش الغربية حتى الآن في كل من أفغانستان والعراق.ما يلاحظه المؤلف بداية، بناء على مشاهداته المباشرة ودراسته للواقع الميداني هو أن الجيوش الغربية هي «في الطريق المسدود» واقعيا، ولذلك لا بدّ برأيه من البحث عن مقاربة جديدة. وبهذا المعنى يحاول مؤلف هذا الكتاب صياغة نوع من الإستراتيجية «الجديدة» من أجل مواجهة المجموعات المسلحة.
ويؤكّد المؤلف أن الولايات المتحدة الأميركية وقادتها العسكريين «لم يفهموا» في الواقع طبيعة الصراعات ذات الطابع المحلّي بل خلطوا كل ما هو «خاص» بما هو عام باسم عنوان عريض هو «محاربة الإرهاب». بل ويؤكد أن الغربيين عموما قدّموا باستمرار شرحا خاطئا لواقع الانتفاضات المحليّة ذات الأهداف المحددة، بل والمشروع.
ويطرح المؤلف في هذا السياق مفهومه ل«المقاتلين بدون قصد» أو ل«المقاتلين عرَضا». ويقول إن ما جرى في أفغانستان وباكستان والعراق والقرن الإفريقي وتايلاند واندونيسيا وأوروبا، وفي جميع المناطق التي عمل فيها أو اهتم بها، يؤكد لديه ملاحظة أساسية مؤدّاها أنه عندما يتدخلّ أجانب تحت لافتة «محاربة الإرهابيين الدوليين» فإنهم لا بد من أن يواجهوا رفض السكان المحليين لأي تدخل خارجي، بل إنهم «يرصّون الصفوف» حول الذين يقاومون هذا التدخل.
ويؤكّد دافيد كيلكولن أنه في جميع الأمكنة التي عمل فيها بعد 11 سبتمبر 2001 لاحظ أن الظاهرة نفسها تتكرر بأشكال مختلفة وبدرجات متباينة. وهو يعطي تسمية «المقاتلين دون قصد مسبق» لأولئك الذين ينتهي بهم الأمر إلى الالتفاف حول المقاتلين وخوض المعارك معهم وحتى باسمهم. ذلك ليس لكون أنهم معادون للغرب ولكن لأن «الغربيين» قدموا إلى أرضهم. والنتيجة التي يخرج فيها المؤلف هي أن ما بين 90 إلى 95 بالمائة من الذين خاضت القوات الغربية، وخاصة الأميركية، الحرب ضدهم كانوا من «المقاتلين دون قصد مسبق» ولم يكونوا من المتطرفين «الراديكاليين».
وعلى خلفية مثل هذا الرأي يرى المؤلف أن «الحرب ضد الإرهاب» في أفغانستان من العراق وغيرهما هي في أغلب الأحيان «وهم خادع». وأن الغرب قد خسر الكثير من المال وأضاع الكثير من الوقت والجهد وفقد حياة العديد من أبنائه في حروب ضد بشر لم يكونوا في أغلب الأحيان من أعدائه، أو على الأقل لم يكونوا من أعدائه في البداية.
إن فكرة «المقاتلين دون قصد مسبق» التي تدور حولها تحليلات هذا الكتاب يمكن أن يلخّص جوهرها مقولة أن الولايات المتحدة وحلفاءها باحتلالهم أفغانستان والعراق رأى فيهم السكان المحليون غزاة لبلادهم. هذا هو الجزء الأول من المقولة أما الجزء الآخر فهو أن قسما من هؤلاء السكان المحليين الذين لم يكونوا أولا بأول من المتطرفين بمعارضتهم لأميركا حملوا السلاح للدفاع عن أرضهم.
ومن أجل شرح الآلية التي أصبح فيها الكثير من أبناء البلدان التي احتلتها قوات غربية أميركية خاصة من المقاتلين ضدها، يستخدم المؤلف «القاموس الطبي». ذلك أنه يتحدث عن «أربع مراحل» للتحوّلات إلى الرفض الكامل للوجود الأجنبي. هذه المراحل هي: «الإصابة بالمرض ثم العدوى فالتدخل فالرفض».
وبناء على مثل هذا التحوّل يحلل المؤلف الأوضاع التي آلت إليها الأمور في العديد من الحالات من بينها العراق وأفغانستان. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الفصلين الخاصين بهذين البلدين يحتويان على توصيف دقيق لآليات عمل المجتمعات المحليّة، وخاصة فيما يتعلق بوزن العادات والسلوكيات ذات الطابع القبلي.
وبعد التحليل والتوصيف ينتقل المؤلف إلى تقديم «الحلول» لتجنّب الوقوع في مأزق «الطريق المسدود». وهو يعرض حلوله تحت عنوان: «مبدأ مناهضة باول»، ويقصد فيه مبدأ وزيرة خارجية أميركا الأسبق « كولن باول» القائل باستخدام كبير وحاسم للقوات المسلّحة ثم الانسحاب سريعا للحد من الخسائر الأميركية.
ويقترح المؤلف حلاّ يقوم على ثلاثة مبادئ أوّلها اختيار نمط التدخل الأكثر تواضعا وغير المباشر بأقصى حد ممكن بالقياس إلى الهدف المطلوب، وثانيها نسج أكبر قدر ممكن من الشراكات مع القوى المحليّة، وثالثا إعطاء الأولوية للعمل المدني وليس للعمل العسكري عندما يسمح بذلك المحيط الأمني.
وهذا كله يتطلّب إعادة نظر بالتوازن المالي والبشري في الجهات المختصّة حيث تتم الإشارة إلى أن وزارة الدفاع الأميركية تمتلك 210 ضعفا من الإمكانيات البشرية والمالية التي تعود إلى وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية معا. هذه النسبة هي 9 إلى 10 في حالة أستراليا، بلد المؤلف.
الكتاب: المقاتلون بدون قصد مسبق
تأليف: دافيد كيلكولن
الناشر: جامعة اكسفورد لندن2009
الصفحات: 384 صفحة
القطع : المتوسط
The accidental guerilla
David Kilcullen
Oxford University Press - 2009
384P.

