في السياق الراهن الذي تشهد فيه فرنسا نقاشات مستفيضة حول «الهوية الوطنية»، يقدم المؤرخ والباحث الفرنسي «جاك مارسي» كتاباً تحت عنوان: «كيف تصبح أو تبقى فرنسياً؟».

وهو عبارة عن محاولة «امتحان» معارف الفرنسيين بتاريخ فرنسا وجغرافيتها ومؤسساتها ورموزها وآدابها وفنونها ولغتها. وكل ما يعتقد المؤلف أنه ينبغي على الفرنسي أن يعرفه كي يكون فرنسياً أو كي يستطيع أن يبقى فرنسياً.ويتم تقديم المعلومات كلها بصيغة 132 سؤالًا يطرحها المؤلف على القارئ وتغطّي جميع الميادين التي «يُفترض»، برأيه، أن يكون لدى الفرنسي معرفة دقيقة بها. هكذا تغدو الإجابة على الأسئلة المطروحة «امتحاناً» لمعارف الفرنسيين بمقوّمات أمتهم والنقاط البارزة في مسيرتها، ولكن بنفس الوقت «تعريفاً» للفرنسيين بنقاط الارتكاز التي تقوم عليها «قوة مواطنتهم»، ذلك على خلفية القول إن «المواطن الصالح» عليه أن يعرف الحد الأدنى من «أساسيات» بلاده.

ومن الأولويات التي يؤكد عليها «جاك مارسي»، ضرورة أن «يحب» الفرنسيون فرنسا، وذلك اقتداء بما كان قد أعلنه كبار مفكريها ومؤرخيها من أمثال «جول ميشليه»، الذي كتب في عام 1846 ما مفاده: «أحب فرنسا لأنها فرنسا، وأيضاً لأنها البلاد التي يعيش فيها أولئك الذين أحبهم والذين أحببتهم».

ومثل بارز لمحبة فرنسا يسوقه المؤلف ويخص المؤرخ الكبير فرنان بروديل صاحب كتاب «هوية فرنسا» وينقل عنه قوله: «أقول مرّة واحدة إلى الأبد إنني أحب فرنسا بنفس القوّة التي أحبها فيها جول ميشليه. هذا دون التمييز بين فضائلها وعيوبها، وبين ما أفضله وبين ما أقبله بسهولة أقل».

ما يؤكد عليه المؤلف هو أن مثل هذه التصريحات ليس فيها أي شيء من «الغطرسة» أو البحث عن الانخراط في النقاش الجاري حول الهوية الوطنية الفرنسية. ولكن الهدف بالأحرى هو تعريف الفرنسيين بـ «من هم» و«من أين أتوا»، واعتبار أن هذا يمثّل الوسيلة الأفضل لـ «رفع معنويات الفرنسيين» و«تسهيل اندماج أولئك الذين يرغبون أن يصبحوا فرنسيين في إطار الأمة الفرنسية».

ويأخذ مفهوم الأمة أهمية خاصة في تحليلات المؤلف، وهو ينقل بهذا الصدد عن فرنان بروديل أيضاً قوله: «لا يمكن لأمة أن تقوم إلا إذا بحثت عن نفسها باستمرار، وتحوّلت في اتجاه تطورها المنطقي وأن تعادي من يعاديها بلا هوادة وتشبّه نفسها بالأفضل (...).

وأن تتعرف إلى نفسها بآلاف الاختبارات والمعتقدات...».على مثل هذه الخلفية قامت «روح فرنسا». هذه البلاد التي يقول عنها المؤلف: «على رغم أنها لا تشكّل سوى نسبة 1؟ من مجموع سكان العالم، فإنها تكدّس من الأوراق الرابحة ما يكفي لجعل الفرنسيين في غاية السرور». لكن المؤلف يحذّر في هذا السياق من «نقيصة الغطرسة» التي يعتبرها «العيب الأكبر» لدى الفرنسيين.

ومن أهم السمات التي يتم تأكيدها في فرنسا، هو أنها «دمجت في نسيجها العديد من موجات الأجانب الذي يشكّلون ثروة الأمة الفرنسية». ويستلهم المؤلف كثيراً من النموذج الموديل- الكندي.

وينقل من الكلمات الأولى في كتاب يحمل عنوان: «نظرات على كندا»، ما مفاده: «إننا نفهم ضرورة توفّر الكثير من الشجاعة كي يترك المرء بلد مولده كي يختار العيش في بلد جديد. وأن يصبح المرء كندياً يمثل تتويجاً لتلك المسيرة وبداية مرحلة جديدة في حياة الإنسان.

وكي يصبح المرء كندياً عليه أن يتحدث الإنجليزية أو الفرنسية ويتعلّم عملية الاقتراع وتاريخ كندا وجغرافيتها، ويعرف الحقوق والمسؤوليات المترتبة على المواطنة». هذا ما يعلّق عليه المؤلف بالقول إن اكتساب جنسية بلد ما يتطلّب من الراغب «أن يكون أهلاً لها».

ومن الأسئلة التي يطرحها المؤلف على قارئه لمعرفة مدى «أهليته» كي يكون فرنسياً السؤال التالي: في أية سنة جرى تبنّي شعار «الحرية، الإخاء، المساواة» كرمز للجمهورية الفرنسية؟ هل في عام 1789 أم 1848 أم 1880؟

الإجابة الصحيحة هي في عام 1880 عند الاحتفال بالعيد الوطني يوم 14 يوليو-تموز من تلك السنة. وظهر الشعار في الدستور الفرنسي عام 1946 ثم في دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال ديغول عام 1958. هذا يعني أنه كان لابد من الانتظار قرناً من الزمن بعد قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789.

تلك الثورة التي عرفت حقبتها طرح شعارات من نوع: «الاتحاد، القوة، الفضيلة» أو «القوة، المساواة، العدالة». ويلاحظ المؤلف أنه إذا كان مطلبا «الحرية والمساواة» قد فرضا نفسيهما بسرعة، فإن مطلب «الإخاء» لم يبرز إلا بعد ثورة 1848.

ذلك أن مفهوم «الأخوّة» كان يتماشى مع ذهنية تلك الثورة التي انضمّ إليها جميع الذين أكّدوا واجب المواطن كما حدده دستور 1795، والقائل ما مفاده: «افعلوا دائماً للآخرين الخير الذي تريدون أن يفعلوه حيالكم».

وسؤال آخر: ما هو النص الأكثر قدماً المكتوب باللغة الفرنسية؟ هل هو «معاهدة فيردان» أو «ميثاق ستراسبورغ» أو النص الأدبي «أغنية رولان»؟

والإجابة هي أنه في عام 842، أبرم اثنان من أبناء شارلمان هما شارل «الأصلع» ولويس «الجرماني»، تحالفاً بينهما ضد أطماع أخيهما المبكر. «ميثاق ستراسبورغ» ذاك له أهمية لغوية قصوى، حيث إنه «أول وثيقة» مكتوبة باللغة الفرنسية. وفي العام التالي (843) وقّع الإخوة الثلاثة في «فيردان» معاهدة تحدد مجال سلطة كل منهم. هذه المعاهدة كانت مثابة «شهادة بلاد» فرنسا.

الكتاب: كيف تصبح أو تبقى فرنسياً

تأليف: جاك مارسي

الناشر: ألبان ميشيل باريس 2010

الصفحات: 238 صفحة

القطع : المتوسط

Pouvez-vous devenir ou rester Français

Jacques Marseille

Albin Michel - Paris - 2010

238 P.