عرف الروائي الأميركي دان براون تقليدياً بعزوفه عن إجراء المقابلات معه، وفي استثناء نادر من هذه القاعدة أجرى موقع «رايترز رايت» هذه المقابلة، حيث ألقى الضوء على عشقه لعالمي الموسيقى وتأليف الروايات.
وأكد أن المعلومات التي يستمد منها الإلهام لرواياته ليست سراً وإنما هي متاحة للجميع بما في ذلك المعلومات التي وظفها في روايته الجديدة «الرمز المفقود». وأكد على أنه كلما تعمقت معارفه ازدادت الأسئلة التي تؤرقه. وفي ما يلي نص الحوار
مع إطلاق روايتك الجديدة «الرمز المفقود» في طبعة عالمية تضم 5 ,6 ملايين نسخة، يثور السؤال: هل كنت تعتزم دوماً أن تصبح كاتباً؟
ليس تماماً، فعندما تخرجت من الجامعة كان لي عشقان، هما كتابة الروايات وتأليف الموسيقى، وقد عشت في هوليوود لبعض الوقت عاكفاً على تأليف الأغاني وتلحينها.
ولم أحقق الكثير من النجاح في الموسيقى باستثناء أغنية قدمت في أولمبياد أتلانتا. واستيقظت صباح يوم وقررت البدء في كتابة الروايات مجدداً. وكانت رواية «القلعة الرقمية» هي محاولتي الأولى في كتابة الرواية. ومن المؤكد أنني شعرت بالابتهاج لتعاقدي على نشرها أصلاً، فمن المؤكد أنني ما كنت لأقوم بتأليف رواية ثانية من دون أن تبدو في الأفق إمكانية نشرها.
هل أهلّك عملك في مجال التدريس لأن تكون مؤلفاً؟
بالتأكيد، حيث أتاح لي قراءة الكثير من الأعمال الكلاسيكية، التي تصاغ فيها القضايا المتعلقة بالحبكة والوصف ببراعة مهنية بالغة، وبالفعل فإن مناقشة الكتب في الفصل ساعدتني على تحليل الأعمال الروائية الجيدة وعلى إدراك موضوعات مماثلة في أعمالي.
من أين استلهمت روايتك الأولى «القلعة الرقمية»؟
في ربيع عام 1995 أقبل اثنان من رجال المخابرات الأميركية إلى حرم جامعة فيليب إكستر، التي كنت أقوم بالتدريس فيها آنذاك، واعتقلا أحد طلابنا، زاعمين أنه يشكل تهديداً للأمن القومي.
وقد تبين أن الفتى أجرى حواراً سياسياً عبر الانترنت في الليلة السابقة على ذلك مع أصدقائه، وعلق قائلاً إنه غاضب للغاية على الوضع السياسي إلى حد أنه على استعداد لقتل الرئيس بيل كلينتون. وقد أقبل رجلا المخابرات للتأكد من أنه ليس جاداً في ما قاله. وهو لم يكن جاداً، بالطبع، وانتهى الأمر عند هذا الحد.
غير أن هذه الحادثة استقرت في ذهني. ولم أستطع تخمين الكيفية التي عرفت بها المخابرات بما يقوله الفتى عبر البريد الإلكتروني. وبدأت القيام ببعض الأبحاث حول من أين تحصل منظمات مثل المخابرات الأميركية على معلوماتها السرية، وقد أذهلني ما عثرت عليه، وقد اكتشفت وجود جهاز «إن.إس.إيه».
وهي منظمة لا يعرف إلا 2% من الأميركيين بوجودها وهي مقر عملية تنصت هائلة باتساع البلاد بكاملها، وهي من حيث وظيفتها تشبه مكنسة كهربائية هائلة، ولكنها بدلاً من امتصاص الغبار تمتص المعلومات من أرجاء الكرة الأرضية وتغربلها للحصول على المواد التخريبية، وأجهزة الكمبيوتر العملاقة فيها تقوم بمسح شامل للبريد الإلكتروني وقنوات الاتصال الأخرى بحثاً عن تركيبات الكلمات الخطرة مثل وجود كلمتي «قتل» و«كلينتون» في جملة واحدة.
وكلما عرفت المزيد عن هذه الوكالة والقضايا الأخلاقية المتعلقة بالأمن القومي وخصوصية المدنيين ازداد إدراكي أن هذا كله يشكل خلفية عظيمة لرواية، ومن هنا بدأت تأليف »القلعة الرقمية».
ما هي النصيحة التي تقدمها للكتّاب المبتدئين لكي يتمكنوا من نشر أعمالهم؟
إنها نصيحة واحدة، وهي: «اكتبوا مخطوطة تجارية»، وهذا لا يعني تأليف رواية جاسوسية. وقد كانت «جسور مقاطعة ماديسون» و«الجبل البارد» روايتين تجاريتين. وقد قدم لي عدد من النصائح العظيمة حول تأليف مخطوطات يمكن تسويقها، ولكل من يهتم بهذه النصائح فهي موجودة على الموقع الذي خصصته لرواية «القلعة الرقمية».
هل لك في تفصيل القول في ذلك؟ دعنا نتحدث، على سبيل المثال، عن المشاهد. ما الذي يمكن لكاتب مبتدئ أن يفعله بالمشاهد ليضيف بعداً وأهمية على القصة ولماذا يعد ذلك أمراً مهماً؟
هناك أمران في هذا الصدد، أولاً يعد اختيار المشهد أمراً بالغ الأهمية، فإذا كنت، على سبيل المثال، تؤلف قصة حب، فلا تصغ القصة وسط مرآب للسيارات. وإنما ضع المشهد في موقع له أهميته، بحيث أن هذا المشهد يكون مهماً في حد ذاته، ولست أعنى أنك مضطر لجعل المشهد يدور في وكالة الأمن القومي الأميركي.
وربما تريد أن تكتب المشهد في مزرعة لتربية الجياد وتوضح للقارئ آليات العناية بالجياد، أو تجعل المشهد يدور في مدرسة خاصة وتوضح الآليات الداخلية لتلك المدرسة. وهو ما يقودني إلى النقطة الثانية، فعليك بالكشف عن مشهدك بطريقة تجعل من ذلك المشهد شيئاً مهماً. فأنت إذا كتبت قصة في مدرسة خاصة ولم تكشف عن أي معلومات عما يعنيه العمل أو الدراسة في مدرسة خاصة فإنك ستكون قد كتبت مشهداً مضجراً للقارئ.
تكشف روايتك «شيفرة دافنشي» عما وصفته بأنه «أعظم مؤامرة في الألفي عام الأخيرة» فما هي هذه المؤامرة على وجه الدقة؟
ترتبط هذه المؤامرة بواحد من أشهر التواريخ على الإطلاق، وهي أسطورة مألوفة لنا جميعاً، حيث جرى التهامس بشأن الشائعات المتعلقة بهذه المؤامرة على امتداد قرون بلغات لا حصر لها، بما في ذلك لغات الفن، الموسيقي والأدب.
ويمكن العثور على بعض من أكثر الأدلة دراماتيكية في لوحات ليوناردو دافنشي، التي يبدو أنها تحفل بالنزعة الرمزية الملغزة والشيفرات. ويجمع مؤرخو العنف على أن لوحات دافنشي تحتوي على مستويات محجوبة من المعاني التي تتجاوز السطح في هذه اللوحات.
ويعتقد الكثير من المثقفين أن أعماله تقدم عن عمد مفاتيح سر قوى، سر يظل محمياً حتى اليوم من قبل جماعة سرية كان دافنشي عضواً فيها.
كيف حصلت على كل المعلومات السرية الضرورية لهذا الكتاب؟
معظم هذه المعلومات ليست سرية على نحو ما تبدو. والسر الموصوف في الرواية كتب عنه على امتداد قرون، وبالتالي فهناك الألوف من المصادر التي يمكن الرجوع إليها في ما يتعلق به.
وبالإضافة إلى ذلك فقد أدهشني مدى توق المؤرخين إلى مشاركتي هذه الخبرة، وقد أبلغتني إحدى الدارسات الأكاديميات بأن حماسها ل«شيفرة دافنشي» يقوم في جانب منه على أساس أملها أن «هذا اللغز القديم سيتم الكشف عنه لجمهور أوسع نطاقاً».
موضوع رواياتك المتتالية «شيفرة دافنشي» و«ملائكة وشياطين» و«الرمز المفقود» قد يعتبره البعض خلافياً ومثيراً للجدل. ألا تخشى العواقب التي قد تترتب على ذلك بالنسبة لك؟
لا، فكما سبق لي أن أشرت في أكثر من موضع، الأسرار التي أكشف عنها في هذه الروايات هي أسرار جرى التهامس بشأنها على امتداد قرون، وربما يمكن الإقرار بأن هذه هي المرة الأولى التي يكشف عن هذه الأسرار في قالب روايات الإثارة ذات الجماهيرية الهائلة، ولكن المعلومات نفسها أبعد ما تكون عن الجدة، وآمل مخلصاً أن تكون هذه الروايات، إلى جانب تسليتها للناس، مدخلاً يبدأون عبره استكشافاتهم الخاصة.
تكشف هذه الروايات الثلاث تاريخاً مسيحياً مدهشاً. فأين موقعك من هذا التاريخ بالضبط؟
إنني أعتبر نفسي متديناً، ربما ليس بالمعنى الأكثر تقليدية لهذا الإصطلاح، فالبعض يعتبر أن كونه معمداً هو شيء كاف، وهناك آخرون يعتقدون أنه لابد من القبول بالكتاب المقدس كحقيقة تاريخية، وثمة فريق ثالث يذهب إلى ضرورة الإيمان بأن كل من لا يتبنى معتقدهم مصيره جهنم.
وفي اعتقادي أن الإيمان استمرارية، وكل منّا يلتقي مساره مع هذه الاستمرارية، حسب ما يقدر له، ومن خلال محاولتنا أن نصنف بشكل متصلب مفاهيم سماوية كالإيمان فإن الأمر ينتهي بنا إلى مناقشة تفاصيل دقيقة للغاية، بحيث يغيب عنّا ما هو واضح وجليّ تماماً، وهو أننا جميعاً نحاول سبر أغوار أسرار الحياة الكبرى، ويسير كل منّا في درب الاستنارة الخاصة به.
وأنا أعتبر نفسي دارساً لكثير من العقائد، وكلما تعمقت معرفتي زادت الأسئلة التي تؤرقني. وبالنسبة لي فإن السعي الروحي هو عمل يتواصل طالما الحياة مستمرة.
حقائق وأرقام
* رواية «الرمز المفقود» الرواية التي أنتظرها عالم النشر لفترة قياسية، فقد أعلن رون هوارد ناشر أعمال دان براون في 12 فبراير 2009 من موقع تصوير فيلم «ملائكة وشياطين» المقتبس عن رواية لبراون بالعنوان نفسه أن المؤلف انتهى من روايته الثالثة التي تضم شخصية لانجدون، ولم ينته الانتظار إلا بصدور «الرمز المفقود» في 15 سبتمبر 2009.
* صدرت «الرمز المفقود» في طبعة عالمية تضم 5 ,6 ملايين نسخة.
* وصفت رواية «شيفرة دافنشي» لدان براون بأنها الرواية التي غيرت وجه حركة نشر الروايات في العالم كله وظلت 68 أسبوعاً في قائمة «صنداي تايمز» لأفضل الكتب مبيعاً وظلت 120 أسبوعاً في قائمة أفضل عشرة كتب مبيعاً، ويتوقع الناشرون أن تحطم رواية براون الجديدة هذه الأرقام القياسية.
* بعت من روايات براون 81 مليون نسخة حتى الآن.
منى مدكور
