على امتداد ثمانية أشهر، ظل العالم ينتظر بأنفاس لاهثة صدور روايات الكاتب الأميركي دان براون «الرمز المفقود» التي تعد ثالث رواية له يتصدى لبطولتها الباحث والتحري روبرت لانجدون الذي لعب توم هانكس دوره في فيلمي «شيفرة دافنشي» و«ملائكة وشياطين» المقتبسين عن روايتين للكاتب الأميركي بالعنوانين نفسيهما.

الآن من حق القراء الذين تلقوا، بمزيد من التهافت، الطبعة العالمية للرواية المؤلفة من 5 ,6 ملايين نسخة أن يتوقفوا طويلاً عند كل صفحة من صفحات الرواية، ليروا ما إذا كانت جديرة حقاً بكل هذا الانتظار.

أول ما نلاحظه، في ما يتعلق بهذه الرواية، أن موقع أمازون الثقافي المتخصص في عروض الكتب لم يتردد في وصفها بأنها «ظاهرة دولية» فهل هذه الرواية حقاً ظاهرة دولية في عالم روايات الإثارة أم أنها تجسيد للذروة الشاهقة التي وصلت إليها صناعة الدعاية والإعلان والتسويق في الولايات المتحدة في زمن الأزمة الاقتصادية وإحجام المستهلكين عن طلب أي شيء حتى الكتب؟

هذا السؤال صعب حتماً خاصة وأنه يطرح مأزقاً سبقت لأعمال أخرى أن فرضته، فالبعض حلق عالياً برواية «شيفرة دافنشي» بينما لم يتردد نقاد آخرون في وصفها بأنها «مجرد هراء».

فكيف السبيل إلى الخروج من هذا المأزق في حالة «الرمز المفقود»؟

ربما يمكن أن نجد جانباً من الإجابة عن هذا السؤال عند سوني مهتا، رئيس مجلس الإدارة والمحرر الرئيسي لمجموعة نوف دوبلداي للنشر، الذي يبادر إلى القول: «إن (الرمز المفقود) رواية إثارة متألقة وشديدة الجاذبية. وموهبة دان براون الشامخة في السرد المفعمة بالتاريخ والشيفرات والتشويق تتجلى كأوضح ما تكون في هذا الكتاب. هذا العمل يعد واحداً من أكثر الإصدارات التي تلهف القراء لصدورها في التاريخ الحديث، وقراء دان سيشعرون بإثارة الاكتشاف فيما هم يتابعون روبرت لانجدون على امتداد ساحة جديدة وغير متوقعة رسمت ملامحها باقتدار، وسيجدون هذه الرواية عملاً مليئاً بالمفاجآت».

لكن مهلاً لحظة، أليس من الطبيعي أن يعمد صاحب «البضاعة» إلى تجميلها في عين مشتريها المحتملين؟ ألا يقول مهتا هذا الكلام باعتباره رئيس الدار التي أطلقت للعالم الكتاب الذي يتوقع أن يحطم الأرقام القياسية التي حققتها رواية «شيفرة دافنشي» لدان براون؟

فلنتأمل أيضاً ما يقوله براون عن روايته الجديدة. إنه يبدو كما لو كان يلتقط الميكرفون من يد مهتا ليبادرنا قائلاً: «هذه الرواية كانت رحلة غريبة ومدهشة، حيث قمت بنسخ ثمار خمس سنوات من الأبحاث في رواية تقع في إطار زمني مدته 12 ساعة وكان ذلك تحدياً كبيراً. ومن الواضح أن حياة روبرت لانجدون تتحرك على نحو أسرع بكثير من حياتي».

لكن مرة أخرى أليس من الطبيعي أن يشيد مؤلف من عيار دان براون بأحدث أعماله؟

دعنا نتأمل وضعية هذه الرواية ـ اللغز من منظور ثالث، هو هذه المرة منظور جيسون كاوفمان نائب رئيس شركة دوبلداي ورئيس التحرير التنفيذي بها وهو المحرر الذي ارتبط اسمه طويلاً بأعمال براون، حيث يبادر إلى القول: «لا شيء في حقيقة أمره على نحو ما يظهر به في رواية دان براون. والسرد في هذا الكتاب يمتد عبر اثنتي عشرة ساعة، ومنذ الصفحة الأولى سيحس قراء دان بإثارة الانطلاق في أرضية جديدة حافلة بالمفاجآت».

ولكن أليست هذه الكلمات تردد بالضبط ما طرحه سوني مهتا؟

هكذا فإننا نجد أن كل محاولة للاقتراب من هذه الرواية تطرح علينا من الأسئلة أكثر مما تصافحنا به من إجابات، وفي غضون ذلك فإن شعبية دان براون تواصل التحليق عالياً، أو هذا هو على الأقل ما توحي به الأعداد المذهلة لزائري الموقع المخصص لرواية «الرمز المفقود».

وربما يتعين علينا أن نتذكر تأثير الأفلام في هذه الشعبية، فقد بلغت عائدات فيلم «شيفرة دافنشي» 758 مليون دولار، على حين يتوقع أن تتجاوز عائدات فيلم «ملائة وشياطين» هذا الرقم بكثير.

وفي غضون ذلك، يقول أندرو كولينز في مقال مطول نشرته صحيفة «تايمز» اللندنية إن رواية «الرمز المفقود» تدخل السوق في اللحظة المناسبة، حيث تطل بالقراء الأميركيين على عالم مليء بالفوضى والاضطراب يردد أصداء ما يجري بالفعل في الساحة العالمية.

وهو يلفت نظرنا إلى أن كتب دان براون لا تباع إنطلاقاً من شخصية مؤلفها، فهو رجل خجول، يميل إلى التزام الصمت والعزلة، ويبدو بالنسبة للكثيرين لغزاً حقيقياً، وهذا يظهر بوضوح من أن سنوات بكاملها تفصل بين كل مقابلة يسمح بإجرائها معه والمقابلة التي تليها، والقليل المعروف عنه اكتشفه الصحافيون والمعجبون به عبر حشد من الجهود الشاقة.

وتقول أليسون بارو مديرة العلاقات الإعلامية في دار ترانسورلد، التي تنشر أعمال براون في إنجلترا: «إن العروض الصحافية لرواية (الرمز المفقود) ستكون مجرد عامل واحد في عملية التأثير على المبيعات، ولكن ردود فعل القراء على الكتاب وحماسهم الذي ينتقل من فهم إلى آخر سيكون له تأثير أكبر بكثير».

وتضيف بارو: «إننا لا نعلن عن الانفاقات الفعلية على حملات التسويق الخاصة بنا، لكنني أعتقد أن الحملة الراهنة لتسويق رواية براون هي أضخم حملة تم إطلاقها من أجل كتاب واحد في المملكة المتحدة على الإطلاق».

وقد بلغ من الحرص على التزام السرية والتكتم بشأن هذه الرواية أنه لم يطلع إلا أربعة أشخاص في إنجلترا بأسرها على المخطوطة، وعمدت دار ترانسورلد إلى إدخال عدد من كلمات السر والشيفرات على الاتصالات الداخلية والخارجية المتعلقة بالمخطط شأن كل أعمال دان براون الروائية.

ويبقى، أخيراً، السؤال الكبير الذي يفرض نفسه بشأن رواية «الرمز المفقود». وهذا السؤال هو: ما الذي قد يتوقف عنده القراء حيال هذه الرواية؟

من المهم أن نلاحظ أن المؤلف الأميركي يحب أن يغرس الرموز والشيفرات في أغلفة كتبه في طبعاته الأولى. وسبق للقراء أن لاحظوا في غلاف الطبعة الأولى الأميركية من رواية «شيفرة دافنشي» سلسلة من الحروف إذا جمعت فإنها تكون العبارة القائلة: «هل هناك عون لابن الأرملة؟».

وفي ما يتعلق برواية «الرمز المفقود»، فإن هناك في الغلاف الذي تم إطلاقه في يوليو الماضي إشارات إلى تمثال في المقر الرئيسي لوكالة المخابرات المركزية في لانغلي بولاية فرجينيا يعرف باسم «كريبتوس». ويبدو في الغلاف أيضاً خط الأفق في واشنطن وخاتم شمعي يظهر فيه نسر ذو رأسين.

المؤلف في سطور

ولد الروائي الأميركي دان براون في 22 يونيو 1964 في بلدة اكستر في نيوهامشاير ودرس اللغة الإنجليزية في أكاديمية فيليب إكستر وعمل بالتدريس بها قبل الانتقال إلى تأليف الأغاني وتلحينها ثم إصدار مجموعة من الروايات ذات الشهرة المدوية أولها «القلعة الرقمية» وأشهرها «شيفرة دافنشي» ومؤخراً «الرمز المفقود».

الكتاب: الرمز المفقود

تأليف: دان براون

الناشر: مجموعة نوف دوبلداي للنشر نيويورك 2009

الصفحات: 528 صفحة

القطع: المتوسط

Lost Symbol

Dan Brown

Knopf Doubleday

Publishing Grop,N.Y,2009

528P.