لا يتوقف الكاتب في أسلوب بحثه ضمن هذا الكتاب الوافي والشامل، عند نقطة التحليل والعرض التاريخي بوجهة إملائية سردية، إذ نجده يقوي جوانب التشويق والجذب، ليقدم لنا جرعة معرفية توثيقية بثوب علمي، لا يخلو أبداً من متعة الأدب، ليحيط وفق هذا النمط بأقدم الوثائق والتدوين حول طب الأسنان، فيبين حيثيات ظهوره في مصر القديمة، متحولًا إلى محطات ومراحل التطور اللاحقة، ويعود ليتطرق إلى ماهية اختلاف شكل وتكوين الأسنان لدى البشر على مر العصور.

يعد طب الأسنان في مصر مجالًا حديثا نسبياً، حيث يعود إلى قرابة ستين عاماً، ورغم قلة أو ندرة الكتب والوثائق التي تؤرخ لطب الأسنان في هذا البلد، يقدم الدكتور محمد أبو علام الأستاذ في كلية طب الأسنان بجامعة الإسكندرية؛ في كتابه «تاريخ طب الأسنان في مصر من التجربة الذاتية»، أول الأبحاث عن فك الإنسان الأول وأسنانه وتطورها، بدءاً من الأجيال الأولى، ووصولًا إلى الإنسان المعاصر.

وكذلك عن التاريخ المهني في طب الأسنان بمصر من المراحل البدائية إلى الحداثة المهنية المعاصرة، وجميع ما يهم الأطباء ومرضى الفم والأسنان والمهتمين بالثقافات التاريخية.قسم الكاتب مؤلفه إلى جزأين، خصص الأول منهما لبحث تطور فك الإنسان الأول وحتى ما هو عليه الإنسان المعاصر، والثاني لتتبع تاريخ طب الأسنان في مصر من خلال تاريخ ما قبل طب الأسنان الحديث، ونشأة وتطور جامعة القاهرة والإسكندرية، وغير ذلك العديد من المحاور.

تطور

يجد الكاتب من خلال بحثه بأسلوب علمي تاريخي، يستعرض فيه مختلف المراحل التي مرت بها البشرية، أن الإنسان المعاصر فقد اثنين من قواطعه بفكه السفلي (أشباه الأنياب) التي كانت عند الإنسان الأول.

كما توصل أبو علام إلى أنه من أجيال الإنسان الأول وحتى أجيال الفراعنة في مصر، فقد الإنسان من أضراسه الضرس رقم (9) على كل جانب من فكيه العلوي والسفلي (أي أربعة أضراس)، وبعد سبعة آلاف سنة منذ عصر الفراعنة وإلى الآن بدأ الإنسان يفقد من أضراسه أضراس العقل رقم (8) على كل جانب من فكيه العلوي والسفلي.

ويبين هنا أن التحول التشريحي في فك الإنسان الأول وأسنانه، ربما بدأ في عصر سيدنا نوح عليه السلام الذي كان نجاراً قبل الطوفان. وفي تلك الفترة تعلم الإنسان الأول الحرف اليدوية وطبخ طعامه على النار، واكتسب الخبرات في ما ينتقيه من الطبيعة لطعامه؛ ليكون أيسر في مضغة وأقل عناء لفكيه. ومن هنا قلّت قوة الفكين في عملية المضغ للطعام المطبوخ، وبدأ التحول في الفكين والأسنان.

ويتضح في مساحات عرض تفصيلي تحليلي يتوخاه الكاتب بمعايير دقة عالية، أن فكي الإنسان الأول، العلوي والسفلي، كانا يحتويان في كل منهما، ستة من القواطع واثنين من الأنياب، ثم أربعة من الأضراس الأمامية المسماة بالضواحك، وثمانية من الأضراس الطواحين، ويتحول بعدها إلى توضيح مسيرة نمو وتطور فك الإنسان المعاصر مقارنة مع فك الإنسان الأول.جامعات مصر، وخصوصاً الإسكندرية، رائدة في طب وجراحات الأسنان عالمياً.

طب الأسنان وجامعات مصر

ويتناول الجزء الثاني من الكتاب، تطور طب الأسنان في مصر، فيبين المؤلف فيه أنه في فترة العشرينات كان الحلاقون هم من يعالجون ويخلعون الأسنان، ويفسر عقبها أن طب الأسنان كعلوم طبية، وإن كان عرف في أميركا في زمن حكم الرئيس الأميركي الأول جورج واشنطن، أو قبل ذلك على وجه التقريب.

فقد عرفت مصر علوم طب الأسنان الحديث قبل الحرب العالمية الثانية، بمثابة علوم يدرسها أطباء مصر في الجامعة المصرية، لتكون قسماً من أقسام كلية الطب في عهد الخديوي عباس، وذلك في ذروة الأنشطة العلمية الطبية التي كان يشرف عليها مؤسس مدرسة الطب في مصر الدكتور علي باشا إبراهيم أستاذ الجراحة وأستاذ أمراض النساء والتوليد في القاهرة.

ويسرد أبو علام في كتابه تاريخ إنشاء جامعة القاهرة وجامعة الإسكندرية، حيث يرى أنه لا يمكن توثيق تاريخ طب الأسنان في مصر دون الحديث عن تاريخ أهم جامعاتها؛ القاهرة والإسكندرية على وجه الخصوص، ومن هذا التاريخ إنشاء كليات الطب بالجامعات المصرية، منذ انطلاق الجامعة الأهلية في القاهرة إبان الحرب العالمية الأولى.

وفي عهد الخديوي إسماعيل، ثم الجامعة المصرية الحكومية في القاهرة، ثم جامعة الإسكندرية، وكلية الطب تحديداً، والتي أنشئ فيها قسم لطب الفم والأسنان بعد الحرب العالمية الثانية، ويشدد الكاتب أن تخصص جراحة الفم والوجه والفكين تنفرد به جامعة الإسكندرية فقط.

وهو غير موجود بهذه المؤهلات في أي جامعة أخرى في العالم، ويفرد بعدها فصلاً كاملاً في كتابه عن سيكولوجية المريض بعيادات الأسنان وعلاقتها بطبيعة المجتمع والتاريخ في مصر، ويشدد هنا على أن المسؤولية الإنسانية المهنية الكاملة التي تقع على الطبيب، هي احتواء المرض نفسياً وعضوياً باعتباره مادة وروحا. التاريخ النقابي لطب الأسنان في مصر بدأ فعلياً في العام 1969.

النشأة الفعلية

ويتتبع أبو علام في دراسته تاريخ طب الأسنان في مصر من خلال تطور معامل الأسنان ووحدة الأسنان وتطور قدرات الفنيين، مذخراً ذلك بحيثيات ومعلومات غنية.

ويوثق الكاتب في فصله التالي نشأة وتطور التاريخ النقابي في طب الأسنان بمصر، والذي بدأ في عهد الخديوي إسماعيل على يد أساتذة الطب البشري من باشاوات مصر أيام الاحتلال الإنجليزي، إذ وفي عام 1949 صدر أول قانون (رقم 62) لإنشاء نقابة أطباء الأسنان، وعدّل بالقانون رقم 46 لسنة 1969 المقرر من مجلس الأمة، وأصدره الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 14/7/1969، وتضمن قسم أطباء الأسنان.

وخصص الكاتب السطور الأخيرة في كتابه لموضوع تلقائية الأدباء وطب الأسنان، فعرض فيها أبيات شعر كتبها الشاعر بهي الدين هلال، الذي ارتبط مع والد أبو علام بشكل وجداني، وكان يزوره في دكانه بمركز «مطوبس» في محافظة كفر الشيخ أحياناً، إذ استطاع أن يدون تجربته كمريض بعذوبة لغوية بديعة، إضافة إلى أبيات شعرية تعبر عن تلقائية جيل رائع من أجيال الزمن الجميل.

الكتاب: تاريخ طب الأسنان في مصر من التجربة الذاتية

تأليف: د. محمد أبو علام

الصفحات: 458صفحة

القطع: الكبيرة

خالد عزب