يطرح لطفي الحجلاوي في كتابه «فلسفة التربية ـ الإشكالات الراهنة»، المعالم الأساسية للمذهب التربوي عند «أوليفاي روبول»، الذي يناقش جملة من المشكلات التي تواجه فلسفة التربية المعاصرة من قبيل:

علاقة التربية بالثقافة والبيداغوجيا والسلطة والمواطنة والديمقراطية، ناهيك عن التساؤلات المطروحة حول ما الذي علينا أن نربي أبنائنا من أجله، ومدى إمكانية تحرير التربية من الأيديولوجيات المغلفة، ودور التربية في حل مشكلات الإنسان المعاصر، والمتعلقة بالسلطة والعنف والهيمنة والحرية.ويتضح للمؤلف أن المهتمين بالتفكير الفلسفي في قضايا التربية على فئتين: الأولى، وهم المنظرين المختصين في شؤون التربية، وهؤلاء هم الفلاسفة. أما الفئة الثانية، فهم المعلمون والمدرسون الذين يفكرون ويتأملون في مشروعية ما ينجزون.أما المؤلف فإنه ينحاز للفئة الأولى التي تمتلك معرفة نظرية كلية. أما الفئة الثانية فتقتصر على ردود الأفعال العفوية والانشغال بالجزئيات دون أن تصل إلى مستوى المعرفة العميقة.

ففلسفة التربية توجد في منطقة وسطى بين الفلسفة وعلوم التربية، فلا هي فلسفة بإطلاق لأنها فلسفة خاصة بموضوعات بالتربية، ولا هي من علوم التربية لأنها تتوسل مناهج فلسفية ولا تهدف إلى التبرير أو التفسير، وإنما إلى الكشف عن المعنى الأكثر أصالة وعمقاً وقرباً من الماهية الإنسانية.

فالكتاب يذهب إلى أن هناك سمات إنسانية عامة وممارسات تربوية كلية، موجودة لدى كل البشر، وهذا ما يبرر وجود فلسفة التربية. فالخصائص الفطرية العامة لدى البشر واحدة، وما مهمة التربية سوى تشذيب وتهذيب تلك الخصائص ومساعدتها على التكييف مع الحياة العامة.

يضاف إلى ذلك أن مشكلات: الأنانية، التعصب القومي، العنصرية، الخجل،.. هي مشكلات عامة لدى كل الشعوب، وبالتالي فان البحث عن نظريات في هذا المجال، وتطبيقها على كل الشعوب أمر مبرر علمياً، بالرغم من وجود بعض القضايا الإقليمية التي تهم هذا المجتمع ولا تهم ذاك.

ويدخل المؤلف في الجدال البيداغوجي حول غاية التربية، فهل هي تنمية سلطة الإنسان على الطبيعة، أم مساعدته على الاندماج الاجتماعي، أم تكوين مهنة أفضل، أم تربية الأجيال الناشئة على التمسك بالتراث الثقافي، أم تكوين مجتمع بدون طبقات، أم مساعدة البشر على تحقيق مجتمع العدالة والحرية. أما المؤلف فإنه لا ينحاز إلى أي من تلك الغايات، بل إنه يبرر الاختلافات ويعتبرها طبيعية، طالما أن البشر يعيشون ظروف وأوضاع سياسية واقتصادية وثقافية مختلفة.

كما يعرض المؤلف لموقف فيلسوف التربية أوليفاي روبول من غاية التربية الأساسية، ليجد أنها في تحقيق « الكفاية » للأشخاص. ويقصد روبول بالكفاية، تأهيل الأطفال ليكونوا قادرين على التفكير المنطقي والاعتماد على أنفسهم والنجاح في أعمالهم وإدراك القواعد العامة للحياة والانسجام مع متطلباتها، وباختصار فإن الكفاية تقوم على تنمية الذكاء الاجتماعي لدى الفرد.

كما يعالج والمؤلف علاقة التربية بالسلطة. فمالك المعرفة لديه سلطة، وعلاقة المتعلم بالتلميذ علاقة سلطة، وتتمثل هذه السلطة في امتلاك إمكانية تشكيل البشر. ولذلك لا بد من الانتباه إلى هذه السلطة وممارساتها بمسؤولية أكبر. وليس المقصود بذلك إلغاء تلك السلطة بل التدرج في استخدامها مع مراعاة حرية الطفل وخصوصيته.

فالسلطة ضرورية سواءً في السياسة أو التربية، ولكن على ألا تكون قسرية إكراهية، بل أن تقود إلى الاستقلال الذاتي وتحقق الأمن النفسي للأبناء.

وينتهي الكتاب إلى أن هناك أهداف كبرى على التربية العمل من اجل تحقيقها، وهذه أهداف تتعلق بالحفاظ على مستقبل للإنسانية أكثر عدلاً وسلاماً وحرية. وأولى هذه الأهداف هو تحقيق التربية « للتواصل » بين البشر. ولذلك فإن أي نظام تربوي يعزل نفسه عن تحقيق أفق إنساني ثقافي، سيسقط في ضرب من العزلة والتحجر حول ذاته.

أما الهدف الكبير الأخر فيتمثل في تحرير الإنسان من الأنانية والعيش وفق مبدأ اللذة، وذلك من خلال تربيت الأجيال الناشئة تربية عقلانية تعلمهم القدرة على تحمل المسؤولية، فالغاية الأساسية للتربية هي بناء الإنسان الراشد، ولن يصبح الإنسان راشداً إلا إذا تحرر من أنانيته وأصبح قادراً على التعلم الذاتي والاستقلال عن المربي والاندماج بالأفق العام للمجتمع.

إن أعظم المربين على الإطلاق هم الذين يقفون عند مستوى البناء والتحضير، أولئك الذين لهم القدرة على عدم تجاوز ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين التربية والترويض.

الكتاب: فلسفة التربية الإشكالات الراهنة

تأليف: لطفي الحجلاوي

الناشر: دار التنوير بيروت 2009

الصفحات: 157 صفحة

القطع: المتوسط

رشيد الحاج صالح