لم تحظَ مسألة الإنتاج السينمائي المشترك في السينما العربية باهتمام النقاد، والباحثين، ورغم أن هذه المسألة تشكل أحد الأوجه المهمة التي لا يمكن إغفالها لدى التأريخ للسينما العربية في شكل عام، لكن البحث في تفاصيلها وحيثياتها وظروفها بقي محدودا لا يتجاوز عدة مقالات متناثرة هناك وهناك تحدثت عن هذه المسألة بصورة جزئية عابرة، وسريعة.
لعل كتاب «أفلام الإنتاج المشترك في السينما المصرية»، للناقدة المصرية المجتهدة أمل الجمل، الصادر عن الهيئة العامة لقصورة الثقافة (القاهرة ـ 2009)، يعد إسهاما لافتا في هذا السياق، فهو يضيء جوانب مغيبة في الإنتاج السينمائي المشترك.
ويحرض على الخوض في جدال حول قضية مهمشة لدى النخبة السينمائية العربية، وتبين الباحثة بإيجاز الدوافع التي قادتها لإنجاز هذا البحث، إذ تقول «إن الإنتاج السينمائي العربي ـ الاجنبي المشترك كان ولا يزال من القضايا الشائكة، محل خلاف بين عدد كبير من السينمائيين والنقاد والمفكرين.
البعض يدينه ويشكك في نواياه وتوجهاته الإعلامية، والبعض الآخر يرحب به. لكن تقييم التجربة يحتاج إلى مناقشتها من منظور إعلامي، تاريخي، اقتصادي، ثقافي، وسياسي للوقوف على ايجابياتها وسلبياتها ونقاط قوتها ومكامن ضعفها». وفق هذا الوعي بحساسية الموضوع، تنطلق الباحثة في إنجاز دراستها من سؤال جوهري هو: هل لرأس المال الأجنبي المشارك في إنتاج الأفلام أثر على طبيعتها، سواء من حيث الشكل أو المضمون .
تقدم الجمل في هذا الكتاب عرضا تاريخيا مطولا لأفلام الإنتاج المشترك في السينما المصرية، منذ الفيلم الأول الذي انتج العام 1943 وأسس لهذا الإنتاج، وهو فيلم «أرض النيل» للمخرج عبد الفتاح حسن، وصولا إلى تاريخ طباعة هذا المؤلف الذي يقف عند فيلم «جنينة الأسماك» ليسري نصر الله والمنتج عام 2008م.
إذاً، نحو ثمانية عقود من تاريخ الإنتاج المشترك بين مصر وجهات أجنبية، ونحو سبعين فيلما هي حصيلة ذلك التاريخ الطويل، يشكلان فضاء هذه الدراسة السينمائية التي تطمح إلى قراءة أفلام الإنتاج المشترك من زوايا عدة.
وشرح الظروف التي جرى فيها تنفيذ تلك الأفلام، والآراء التي رافقت عرضها، وهي قبل ذلك تحاول الإجابة عن أسئلة تدور في ذهن المهتمين بالإنتاج السينمائي المشترك الذين يفتقرون إلى مراجع ومصادر تعينهم على فهم هذه الإشكالية.
تنتهج الجمل منهجا علميا دقيقا في عرض آرائها ووجهات نظرها المدعومة بفيض من الشواهد والتصريحات والوثائق الرسمية، وهي تلجأ إلى وضع تبويب أكاديمي منظم لترتيب محاور دراستها الشائكة، وهذا يسهل عليها البحث في الموضوع المطروح وفق تسلسل منطقي من جهة.
ويغري القارئ، كذلك، على المضي معها في هذه المغامرة السينمائية الخصبة، فمتع الفن السابع لا تقتصر على الشاشة فقط، بل ثمة دراسات تتسم، بدورها، بـ «الجدة والفرادة» اللتين تنطويان على المتعة والفائدة معا، وتبدأ الباحثة كتابها بالكشف عن الخلفيات التاريخية والاقتصادية والسياسية للإنتاج السينمائي المصري المشترك، متوقفة عند أبرز المحطات التي مر بها هذا الإنتاج ساعية الوصول إلى مقولات طبعت كل مرحلة بطابعها.
واللافت في هذا السياق هو تأثر الإنتاج السينمائي بالمناخ السياسي السائد، وبالتحولات التي تطرأ بين فترة وأخرى، وهذا ما تتنبه له الناقدة، وتشير إليه في أكثر من موقع، فألاعيب السياسة وخباياها شكلتا على الدوام معضلة عانت منها السينما العربية عموما، بل يكاد القارئ يلحظ أن الاسئلة التي صاحبت الإنتاج السينمائي العربي في العموم هي الأسئلة ذاتها المثارة حتى اللحظة .
والتي تتمثل في سؤال الرقابة، ودور السياسة في توسيع أو تضييق رقعة انتشار الفيلم، وحكاية السيناريوهات التي لم تكتمل، فبقيت حبرا على ورق دون ان تتمكن من معانقة الشاشة، فضلا عن قيم المجتمع التي تحاكم الفيلم تبعا لمضمونه البحت، لا وفقا للغته الفنية والجمالية على مستوى الشكل، وثمة أمثلة كثيرة في تاريخ السينما العربية عن افلام «لُعِنت» لمضمونها الجريء.
وصولا إلى المثال الأقرب، ونقصد فيلم اسامة فوزي «بالألوان الطبيعية» الذي يخوض الآن معركة للحصول على صك براءة من المجتمع الذي وجد فيه انقلابا على القيم الأخلاقية الراسخة!!.
بعد هذا الاستعراض التاريخي العام، تعود الباحثة من جديد إلى تاريخ الإنتاج السينمائي الحافل، بصورة أكثر تفصيلا وتوضيحا، لتتحدث، في البداية، عن الإنتاج المشترك الذي جمع بين الافراد (قطاع خاص) وبين جهات أجنبية، وسنرى، هنا، قراءات نقدية لعدد من الأفلام مثل «أرض النيل»، و«الصقر» لصلاح أبو سيف، و«غرام في الصحراء».
و«على ضفاف النيل»، و«حدث في مصر»، أما الفصل الثاني فيناقش الإنتاج السينمائي المشترك بين القطاع العام المصري وجهات أجنبية، وهنا سنتعرف إلى شركة (كوبرو فيلم) التي قدمت بالتعاون مع جهات أجنبية مختلفة عددا من الأفلام مثل «ابتسامة أبو الهول»، و«ابن كليوباترا»، وفيلم «الناس والنيل» ليوسف شاهين الذي أنتج بتعاون مصري مع شركة (موسيفيلم) الروسية المعروفة.
وتفرد الباحثة مساحة واسعة من دراستها للحديث عن أفلام يوسف شاهين التي أخرجها بتعاون فرنسي مثل «الوداع يا بونابرت»، و«اليوم السادس»، و«اسكندرية كمان وكمان»، والروائي القصير «القاهرة منورة بأهلها»، و«المهاجر»، و«المصير»، و«الآخر»، و«سكوت.. حنصور»، و«اسكندرية.. نيويورك».
وتتوقف الباحثة، كذلك، عند أفلام مخرجين ساهمت فرنسا في إنتاج أعمالهم مثل تلميذي شاهين، يسري نصر الله، وخالد يوسف، وأسماء البكري، وخالد الحجر، وعاطف حتاتة، لتنهي الكتاب بفصل عن الإنتاج السينمائي المصري المشترك مع دول عربية مثل العراق ولبنان والجزائر وغيرها، مع ملحق يضم فيلموغرافيا شاملة لأفلام الإنتاج المشترك في السينما المصرية، فضلا عن احصائيات وأرقام وجداول مدرجة في الصفحات الأخيرة.
والواضح أن الباحثة بذلت جهدا كبيرا لتحقيق هذه الدراسة، فهي لا تكتفي بتقديم إحصاء عددي لأفلام الإنتاج المشترك، بل تقرأ الفيلم قراءة نقدية وافية، عبر الحديث عن مشكلات الفيلم مع الرقابة، وإظهار توجهاته الإعلامية، والآراء النقدية المتباينة التي قيلت فيه، وأصدائه الإيجابية والسلبية لدى عرضه جماهيريا، وظروف إنتاجه.
وبغرض توضيح كل هذه الجوانب، فإن الباحثة تغرق في عدد هائل من المراجع والمصادر والصحف والمجلات، وتدرج آراء مخرجين ونقاد ومنتجين ومسؤولين سينمائيين بهدف تسليط الضوء على أفلام الإنتاج المشترك وفهم أبعادها ودلالاتها السينمائية بالدرجة الاولى، دون إغفال للجوانب السياسية والاقتصادية المعلنة أو الخفية لإنتاج هذا الفيلم أو ذاك.
وثمة ثبت واسع بالمراجع يشير إلى حرص الباحثة على تقديم مادة علمية موثقة، لتصل، في نهاية المطاف، إلى استخلاص مجموعة نتائج منها ان المهتمين بالشأن السينمائي المصري لم يدرسوا تجربة الإنتاج المشترك في مختلف مراحلها على نحو تستفيد منها السينما المصرية بالشكل الامثل.
وتعتقد الباحثة ان فرنسا، صاحبة النصيب الأوفر في الإنتاج السينمائي المصري المشترك، لم تكن تمول تلك الأفلام «من أجل عيون المجتمعات العربية أو المصرية» بل لتحقيق «توازن ثقافي» أوروبي في مواجهة هيمنة السينما الأميركية، وهي، هنا، لا تدعو إلى إغلاق الباب أمام هذا الإنتاج المشترك، بل تطالب بالحذر والحرص فحسب، رغم إقرارها بأن «أفلام الإنتاج المشترك تميزت بمستوى فني عال، وتمتعت بقدر من الحرية لم يكن متاحا للسينما المصرية الخالصة».
وهي تشير إلى ان المخرجين الذين خاضوا تجربة الإنتاج المشترك «لم يرضخوا لأية ضغوط، ولم يقدموا أية تنازلات» وفقا لتصريحات المخرجين أنفسهم، وتعرب الكاتبة عن استهجانها من هجوم النقاد على أفلام الإنتاج المشترك، بحجة أنها أعمال فلكلورية تناولت المحظورات وحطمت التابوهات.
ومصنوعة بأموال الغرب ومن أجله، وترى الباحثة أن هذا المنطق مغلوط، إذ كيف يمكن تفسير قبول أولئك النقاد تلقي مصر لمعونات أجنبية ضخمة، بينما يرون في تمويل إنتاج عمل سينمائي إساءة لسمعة مصر، فهل التمويل الاجنبي حرام على السينما، وحلال في المجالات الأخرى .
المؤلفة في سطور
هي كاتبة سيناريو وناقدة وباحثة سينمائية مصرية. حائزة بكالوريوس إعلام، وماجستير في فلسفة الفنون. قامت بإعداد الكثير من البرامج الثقافية للتلفزيون، وهي عضو جمعية نقاد السينما المصريين. تكتب مقالات حول السينما في عدد من الصحف والدوريات العربية المعروفة، مثل صحيفة «الحياة» اللندنية، وجريدة «الفنون» الكويتية، وفصلية «الحياة السينمائية» السورية. من أهم كتبها «بعيون امرأة»، و«فيلموغرافيا السينما العربية المشتركة».
الكتاب: أفلام الإنتاج المشترك في السينما المصرية
تأليف: أمل الجمل
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2009
الصفحات: 420 صفحة
القطع: المتوسط
ابراهيم حاج عبدي
