(النابض: فن تذوق المفاجآت، انبثاق اللحظة المبدعة حيث يجري تصريف مجهول في مجال ذبذباته، في التهيئة للحظة أو لحظات لا تفقد متعة اكتشاف الفراغ، وهو بعض من الملء الخارق الذي ينتظر معاينة اسمية له)

ليس له حيّزٌ من الفراغ يستحق الذكر، ولكنه يعرض مساحة لا تقدَّر من الفراغ خارجاً لاهتزازاته، إنه الملء المتناثر لكنه المشدود إلى بعضه بعضاً، والفراغ الذي يشير إلى مضاء فعله.

وهو في هيئته الخطوطية، في تشكيلاته الهندسية، هو الموجود لغيره لا لاسمه قبل كل شيء، أو لا وجود فعلياً له، إلا لحظة تنبيهه، لحظة تعريضه لضغط، لاختبار جهد ما، لا يكاد يُلمَس حتى يعلِم عن وجوده ويعايَن في الحال، وذلك على قدر ضغط الجسم المحتك به أو المأخوذ به، تبعاً لطريقة التعامل معه، ليكون اسمه: النابض قرن استشعار الضغط واحتوائه.

يعلم التقنيون أكثر من غيرهم ماذا يعني هذا اللسان المعقود على نفسه، وهو محلزن أو شبكي أو بؤرَيٌّ، ولكنه جسم مغاير لأي جسم آخر، لا يحب كساء، تكون أضلاعه الخاصة مرئية، وكأن قلبه مودع في التفافات الأضلاع هذه، لكأن كساءه يكون من صنف جسم آخر حين يتلبسه: احتواءً، أو تغييباً، دون إخفاء أثره: نباهة الفعل فيه.

ليس قلباً خافقاً، وهو معدوم الجسد، لكنه ينبض بكلّيته، ليس فماً يتنفس، ولكنه يعوّم الهواء في مجاله باقتدار، وفي وسع الفضولي السؤال عن الذي جعل النابض نابضاً، عن الفراغ المشبع بالدلالات وهو ينبض بالمنتظَر، أن يعمّق السؤال حول خاصية القلب المعدني النابض، والبرمجة النابضة بأنظمة معلوماتية في فوضى العالم، أن يتساءل عن القلب النابض في جسم حي أفقياً، والنابض القلب في جسم معتبَر نعلَم بحقيقته عمقياً وهو خارجنا!

ربما أدرك أهل الحرف عموماً وذات الشأن به، فذاذة الأسلاك المتشكلة بطريقة معينة، وهي في صمتها الحكيم، وهي في بلاغة الحركة إزاء يقظتها في قانون الفيزياء المرهوب الجانب، والمبتغى من القوة المرصودة لها.

نحن إزاء جسم مصنَّع، ما أكثر ما يستهان به، ما صيرَ ألعوبة، وتلك مفارقة المنتظَر منه في لعبته الفاصلة.!النابض: فن تذوق المفاجآت، انبثاق اللحظة المبدعة حيث يجري تصريف مجهول في مجال ذبذباته، في التهيئة للحظة أو لحظات لا تفقد متعة اكتشاف الفراغ، وهو بعض من الملء الخارق الذي ينتظر معاينة اسمية له.

فأن ننبض، أن نتحدث عن مفهوم نبضي، عن جسد نابض، عن نص يؤهّلنا لأن نكون متقدمين على ما كنا عليه قبل حين وهو في براعة تكوينه، هو أن نستشعر قوة الفراغ فينا، أن نلوذ بالخيال الذي يلتقي بالنابض في وثبته وانعطافة المختلف.

حيث إن جسدنا نفسه ذو طابع نابضي، عندما نتحدث عن المرونة والقدرة على الالتفاف، والتغلب على الصعاب، وتوقع ما لا يمكن تسميته، كوننا ننغمر في كل لحظة بما هو مستجد، حتى وإن في عقر دارنا.

وفي عالم حُلمي تماماً، إذ إننا نومض من الداخل، كما ننبض بأجسادنا، لنتمكن من تطويع الصدمات أو تكييف المغاير، ونحن نقوم برد فعل مقدَّر، ليس أكثر من ميزان نابضي، من جس نبض لهذا الجديد الآتي إلينا.

وربما من باب المفارقة، قولنا أن مساماتنا هي في وجه جلي منها، نابضية الأداء أو مرادفة لها، ساعة تنبض بثوانيها والزمن يمثل متحولات الواقع، لأنها في أداء وظيفتها تمارس تهوية وتمكيناً للجسم في البقاء، لا بل تبرز مرونة اللحم، وهو في فورته الشبابية وعذوبة الوجه الفتي، في مقام النابض لاستعادة التوازن أو استمراريته.

ليس اعتباطاً هذا التشديد على النبض: الحيوي المباشر للقلب، والضغط الذي يتعلق بالتكيف مع محيطنا البيئي والاجتماعي، والمجازي، من خلال طبيعة العلاقات الاجتماعية، وسويتها الثرَّة، ليكون النابض بوصلة الاتجاه الأسلم للشخصية بحسب موقعها وثقافتها ونظرتها الذاتية إلى العالم، لتكون هناك درجات متفاوتة لمفهوم النابض.

وأن يكون النابض فيما تقدَّم: فن تذوق المفاجآت، هو دوام الشعور بحرارة العالم، بالحراك الكوني، بنهر الحياة المتدفق، الذي يستحيل التفكير فيه دون اعتماد على مقياس نبضي معين، دون اعتبار الحراك توأماً نابضياً، كلما سعى أي منا إلى مقاربة أكثر لما هو جديد، أو مختلف، حيث يصعد بنا الاستعداد النفسي، إلى واجهة الأحداث أو الساحة المكشوفة لمجرياتها استناداً إلى قاعدة مكينة تمنح النابض حركة صعود وهبوط أو ميلان وضمان توازن، تكون بمثابة الترجمان الحي لأي منا.

في الحالة هذه، ما أقوى وشائج القربى بين المبدع والنابض، بما أن الحديث عن الحس المرهف يحيل إلى المرونة المميّزة لنابض أكثر من سواه، وهو الممكن التوقف عنده مع كل فعل إبداعي.

وهو ما يمكن توسيع نطاق مفهومه عندما نتذكر المعنيين بالقضايا الاجتماعية الكبرى، وعلى أعلى مستوى، في تبرير الاستشهاد بالنابض توضيحاً للأداء الفعلي لأي منهم، ولا أظن البتة أن مجتمعاً مرصوص البنيان، وفاعلاً في التاريخ، أي لديه القدرة الدائمة على التجديد.

وتحفيز أفراده على العطاء في المجالات كافة، بعيداً عن مفهوم نابضي يصل أوله بآخره، وليس الحديث المتعلق بالتشدد في الموقف، والانكفاء على السلبي في عطالة الذات، وحالة الظنونية الناخرة في النفس.. الخ، إلا تعبيراً صريحاً عن فقدان المرونة الجسمية والنفسية، ليكون الانسحاب إلى الداخل، خوفاً على الذات من التفكك، لأن النابض فقد وظيفة الاتصال بالحياة الحقيقية!

ابراهيم محمود